خمسة اشهر مع الشيطان - الفصل الثالث عشر - بقلم بيلا الفارسي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خمسة اشهر مع الشيطان
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر: وسقطت الأقنعة أمسك ماركو يدها بوهنٍ شديد، بينما الدموع تترقرق في عينيه بصدقٍ جارح أذاب الجمود في قلبها: "بيلا.. هناك أخبارٌ لم تصلكِ بعد، ولم أكن أود تمزيق قلبكِ المنهك بها". جلست بيلا بذهول، وجلس ماركو أمامها، ونبرة صوته ترتعش بانكسارٍ لم يعهده أحد: "أنا آسف يا بيلا.. لم أرغب أبداً في نطق هذه الكلمات، لكن الحقيقة أن حبيب والدتكِ وعشيقها الذي جئتِ من نطفته إلى هذا العالم.. لم يكن إلا والدي العاهر، فيكتور". ساد صمتٌ جنائزي لعدة دقائق، صمتٌ كان أثقل من صخور الجبال، حيث تلاشت الصدمة والذهول لتترك خلفها فراغاً موحشاً في روح بيلا. وأخيراً، نطقت بصوتٍ بارد: "إذن يا ماركو.. أريد منك أن تسدي لي معروفاً أخيراً، فقد حان الوقت لننهي هذه المسرحية". في صباح اليوم التالي، يوم الزفاف الموعود، كانت بيلا تتجهز بآليةٍ صامتة. ارتدت فستان زفافها الأبيض الفخم، ووضع خبراء التجميل لمساتهم بعناية فائقة، حتى غدت تشبه ملاكاً نزل من السماء بحق. نظرت بيلا إلى انعكاس صورتها في المرآة بسخريةٍ لاذعة؛ فمن كان يصدق أن تلك الفتاة الضعيفة والبريئة ستصل إلى هذا الحد من "القبح"؟ لم يكن قبحاً في الملامح، بل قبحاً استوطن داخلها، حيث باتت أنفاسها مشبعة بالكره، والحقد، والغل الدفين تجاه كل من حولها. لقد أدركت أنها قضت عمرها تسبح في كذبةٍ كبرى، ولن تتحرر منها إلا بموتها المحتم، لذا حسمت أمرها لما ستفعله اليوم، فهي في كلتا الحالتين ميتة. دخل جاستينو الغرفة، وكان ينظر إليها بفيضٍ من الحب الأبوي الممتزج بحزنٍ دفين على الماضي الذي كُشف أمامها. قالت بيلا بمرارةٍ وعينها تلمع بدموعٍ تمنعها من الهبوط بقسوة: "من كان يعتقد أن أبي الذي أفنيتُ عمري في كرهه هو أكثرهم حباً لي وخوفاً عليّ؟ حتى أكثر من أبي الحقيقي الذي لم تره عيناي يوماً". نظر إليها جاستينو بقهرٍ عظيم، وأطرق ببصره في الأرض؛ فقد غدا ضعيفاً حقاً، خاسراً لكل ما يملك من أسرته، حتى شركته بدأت أسهمها تنهار إثر الفضيحة التي فجرتها أليسيا. اقتربت منه بيلا ببطء وهمست بسخريةٍ باكية: "أتعلم؟ عندما احتضنتك منذ أيام، كرهتُ ضعفي الذي كان يتوسلني أن أتوقف عن الانتقام وأبقى في أحضانك للأبد.. ثم تذكرتُ أحداث حياتي الكاذبة فكرهتك أكثر، وكرهتُ نفسي لأنني لا أزال أحبك. واليوم، أرى أنني لم أخطئ حين فكرتُ في ترك انتقامي منك، بل أخطأتُ حين كنتُ أمضي قدماً في تدميرك.. أبي، أرجوك سامحني". احتضنها جاستينو بحبٍ وقهر، وبكى لأول مرة وهو يطلب الصفح منها: "لقد أخطأتُ كثيراً.. أنا آسف يا ابنتي، أرجوكِ سامحيني، لقد كنتُ أعمى حين حمّلتكِ ذنب والدتك، أرجوكِ اغفري لي". خرجت بيلا من أحضانه ومسحت دموعه بصرامة وقالت: "سأسامحك، لكن بشرط". نظر إليها جاستينو منتظراً، لتلتفت هي نحو الباب وترى ماركو يدخل ببذلته الأنيقة، وخلفه دخل فيكتور؛ الرجل الذي لم يعرفه جاستينو إلا كصديق عملٍ ووالدٍ لماركو، لا أكثر. نظرت بيلا لفيكتور بحقدٍ دفين، ثم حولته ببراعة لتمثيلٍ متقن للحب، وارتمت في أحضانه باكيةً: "أبي.. لقد اشتقتُ إليك بحق". اقترب ماركو من جاستينو وهمس: "أعتقد أن ابنتك ستبدأ انتقامها منه الآن". نظر إليه جاستينو بتساؤل، ليغمز له ماركو، ففهم جاستينو الحقيقة الصاعقة: هذا الأحمق هو الأب الحقيقي لبيلا وماركو.. إنهما إخوة بالدم، واليوم يوم زفافهما! نظر جاستينو بصدمة نحو بيلا، ليكمل ماركو بهمس: "سوف تنتقم لك، ولوالدتها، ولنفسها، وللجميع.. انتظر فقط، فقد حان وقت انقلاب السحر على الساحر". نظر الثلاثة بتسلية مبطنة إلى بيلا التي كانت تتقن دورها ببراعة مذهلة. خرج بها ماركو أمام الحشود، وحانت لحظة تبادل الخواتم وبدء مراسم الزواج الرسمية. وفي تلك اللحظة الحرجة، اقتحم ألكسندر المكان بغضبٍ جحيمي، كان يلهث بصعوبة بعد صراعٍ مع فيالق الحرس في الخارج الذين حاولوا منعه، وصرخ بصوتٍ هزّ أركان القاعة: "لن يتزوج أحدٌ اليوم.. أبداً!". ثم شهر سلاحه ووضعه فوق رأس ماركو مباشرة، معلناً نهاية الصمت وبداية الانفجار. دوى صوت بيلا في أرجاء القاعة بـغضبٍ لم يعهده ألكسندر من قبل، وهي تصرخ فيه: "أنزل سلاحك الأحمق عن رأس أخي فوراً، وإلا جعلتك تندم ندماً لم تعرفه قط!". تسمر ألكسندر في مكانه؛ شلّه الذهول وهو يكرر الكلمة في عقله: "أخي؟!". وفي غمرة صدمته وتساؤله عمن يكون العريس إذن، أحاط خصر بيلا رجلٌ آخر، وهو مايك، ابن عمها الحقيقي، صائحاً بـتحدٍ: "أنا العريس هنا! ما الذي يحدث بحق الجحيم؟". نظر ألكسندر لبيلا بـصدمةٍ زلزلت كيانه؛ هل حقاً تم خداعه؟ هل تركت رجلاً غيره يلمسها ويقترب منها بهذا الشكل؟ قالت بيلا بـسخريةٍ جليدية لا ترحم: "ليس لدي وقت لـتفاهاتك يا ألكسندر، اذهب من هنا لـيتم الزفاف على خير". هتف ألكسندر بـصوتٍ مخنوق بالمرارة والغضب: "ولكن كيف؟ كيف أتممتِ خداعي طوال هذه المدة؟". أجابت بـصوتٍ ساخر يقطر بروداً: "لم يتجاوز الأمر عشرة أيام يا أليكس، فلا تصعّب الأمور.. أنا..". لم يتركها تكمل كلماتها، بل سحبها خلفه بـقوةٍ غاشمة لم يستطع أحد إيقافها، واقتادها إلى غرفة تبديل الملابس موصداً الباب خلفهما بـعنف. صرخ فيها بـجنون: "ماذا يحدث هنا بحق الجحيم؟ ألم يكن من المفترض أن آتي لـيُقبض على والدكِ وتصبحي ملكي؟". ردت بيلا بـهدوءٍ مستفز: "كان ذلك قبل أن أعلم أنه ليس والدي الحقيقي. والآن، وقد ظهر والدي، سأتزوج ابن عمي مايك وينتهي الأمر. ونعم.. لقد استغللتك ببراعة، أتعلم كيف؟ لأنك أحمق يا ألكسندر براندو! لقد خُدعت بـواسطة فتاةٍ مثلي، والآن أعلنها لك رسمياً؛ لم أعد بحاجة لـاسمك أو نفوذك، لذا لا حق لك في امتلاكي سيد براندو. اعتبر تلك الأيام العشرة مجرد علاقة عابرة بيننا، اتفقنا؟ والآن اتركني أُكمل زواجي لـأسافر مع زوجي وأبي الحبيب". كان ألكسندر ينظر إليها بـصدمةٍ ومرارة وغضبٍ يتصاعد في آنٍ واحد، ثم هتف بـوعيد: "سأقوم بـقتلكِ! لن تستطيعي إكمال حياتكِ هكذا، تراجعي يا بيلا!". صرخت فيه بـغضبٍ مماثل: "إذن اقتلني يا أليكس! اقتلني وأرِحني، هيا!". صوب سلاحه نحوها، ومرت لحظاتٌ استقالت فيها الثواني لـتصبح دقائق، وهو لا يزال يرمقها بـأملٍ ضئيل أن تتراجع، لكنها ظلت صامدة بـعنادٍ انتحاري. وفي تلك اللحظة، رأت في عينيه نظرة كرهٍ لـأول مرة في حياتها، ثم تحولت ملامحه لـبرودٍ تام وغريب وهو يتمتم: "مباركٌ لكِ أيتها الصغيرة القزمة". تركها وغادر المكان، لـتعود بيلا إلى قاعة الزفاف كـجسدٍ بلا روح. كانت تسمع مراسم الزواج تسير كأنها حلمٌ بعيد، حتى أتى دورها وسألها الراهب إن كانت موافقة. صمتت ثواني تحولت لـدقائق في نظرها، وهي تشاهد شريط الأيام القصيرة التي قضاها مع ألكسندر بـحب ومرح، ثم أغمضت عينيها بـقوة وقالت: "أوافق". تم إعلان الزواج، وقبل أن يقترب "مايك" لـيقبلها، سارعت نحو أخيها ماركو لـتودعه، وفي داخلها عهدٌ ألا يلمسها أحدٌ من بعد ألكسندر؛ فـهو من أخذ قلبها ولن تسترده أبداً. همس لها جاستينو وهو يحتضنها بـصوتٍ منخفض: "اعتني بـنفسكِ يا ابنتي، إن شعرتِ بـأنه يتم التلاعب بكِ أو أنكِ تعبتِ، عودي إليّ.. فـأنا والدكِ الحقيقي بالروح، ولستُ هو". ابتسمت بيلا بـذبول: "أعلم يا أبي، ليس لي سواك أنت وماركو الآن". قال بـتسليةٍ حزينة: "أرى أنكِ لا تزالين تمتلكين ألكسندر براندو أيضاً". أجابت بـسخريةٍ مريرة: "انتهى الأمر.. لقد أصبحتُ خائنة في نظره". احتضنت ماركو بـقوة وهي تشكره على كل ما فعله لـأجلها، لـيربت على شعرها بـضحكةٍ خافية ويعدها بـأنه سيأتي إليها في أقرب فرصة لـيتخلصوا من "فيكتور" وعصابته، لكنه الآن سيبقى بـجانب جاستينو. رحلت بيلا مع زوجها ووالدها الحقيقي نحو المجهول، لـتبدأ حياةً جديدة في بلدٍ غريب بـأيامٍ معدودة متبقية في عمرها الذابل.