الفصل الرابع عشر:
المشهد الاول:
لم تمر دقائق على انتهاء حديثهم، حتى سمعوا جرس الباب يُدق بإلحاح. نهض حسن سريعًا وتوجه إلى الباب، وما إن فتحه حتى دخل هشام بخطى متعجلة.
هشام بصوت منخفض وهو يغلق الباب خلفه:
"كويس إن كلكم هنا، لإن عرفت حاجة ولازم أبلغكم بيها."
حسن بقلق:
"خير يا هشام؟ عمر قالنا على اللي حصل، وأنا كنت هتصل بيك دلوقتي عشان نعرف هنعمل إيه."
جلس هشام ونظر الى عمر وقال:
"اللي حصل ده مدبر وأنا مش محتاج أعرفك طبعاً. وأنا مش جاي دلوقتي عشان أقول الكلمتين دول، أنا جيت عشان أقولك حقيقة شخص كنت بتثق فيه... حقيقة الدكتور محمود."
سادت لحظة صمت مشحونة بالتوتر، تبادل خلالها الجميع النظرات.
عمر:
"دكتور محمود؟! صاحب أبويا؟!"
هشام بجديّة:
"كان صاحبه فعلاً... بس مكانتش نيته سليمة. المنظمة جندته عشان يحطوا والدك تحت عنيهم، وكان بيراقب كل حاجة بيعملها الدكتور جاد في المعمل. أبحاث دكتور جاد كانت هدف المنظمة من الأول... وهو اللي سلمهم شغل دكتور جاد وأبحاثه."
حسن بصدمة غلفت ملامحه:
"يعني الراجل ده هو السبب في موت جاد ومراته؟! أنا من الأول مكنتش مطمنله."
هشام وهو ينظر إلى عمر مباشرة:
"فاكر الورق اللي إديتهوله من فترة؟ واللي بعدين طلبته مني تاني؟ الورق ده كان فيه صيغة المعادلة الأساسية... الراجل ده كان يعرف الورق كويس، من ساعتها وهو عرف إنك بتدور في القديم وبلغ المنظمة، ومن اللحظة دي، كانت كل خطوة بتاخدها متراقبة منهم."
عمر بعدم تصديق:
"مستحيل! مش ممكن! يعني هو ورا كل اللي بيحصل ده!"
هشام يهز رأسه مؤكداً:
"أيوة، وهو اللي بلّغ عن خروجك بالورق من مكتب والدك، والعربية اللي خبطتك لما مشيت من عند كريم، كانت بأمره. مكانش حد يقدر يعرف تحركاتك بالدقة دي غير لو كان قريب منك و بيراقبك لحسابهم... وده كان الدكتور محمود."
زينب بصوت خافت:
"يا نهار أسود... دا كان بينه وبين جاد عيش وملح."
عمر بغضب:
"الخاين! خان صديقه اللي آمنله وخان ثقتنا فيه... بس ده مش هيعدي كده، لازم يتحاسب على كل اللي عمله."
هشام بحزم:
"عشان كده جيتلكم قبل ما أخد أي خطوة... لازم نغير خطة تحركنا، ولازم نأمن أوراق دكتور جاد قبل ما المنظمة توصل ليها. ومحتاج مساعدتكم كلكم، لإن الموضوع بقى معركة حياة أو موت ودي مش أول ضربة منهم."
جلس الجميع في صمت للحظات...
ثم نهض عمر من مكانه بسرعة، والغضب لا يزال يشتعل في عينيه، وتوجه مباشرة إلى غرفته. خطواته كانت ثقيلة لكن حاسمة. وخلال دقائق معدودة خرج حاملًا ملفًا أسود مكتوبًا عليه"كود 1%".
اقترب من هشام وقدّمه له.
عمر:
"ده الباقي من الملفات اللي كانت على السي دي... فيه كل اللي كان بيشتغل عليه أبويا الله يرحمه، وأنت معاك صيغة المعادلة بالكامل."
هشام وهو يأخذ الأوراق منه:
"متأكد إن مافيش حاجة تاني؟"
عمر بجديّة:
"كل اللي قدرت أستخرجه معاك دلوقتي. السي دي اتحرق بعد ما خلص تحميل، و دي النسخة الوحيدة اللي موجودة."
حسن تدخل بحذر:
"طب إحنا كده معانا حاجة المنظمة هتجنن عشان توصلها... هنخبّيها فين؟"
هشام وهو يفتح الملف ويتفقده بسرعة:
"أكيد الورق ده مش هيفضل هنا. أنا هتصرف في الموضوع ده."
زينب بقلق:
"بس لو عرفوا إن الورق لسه معانا... هيعملوا إيه؟"
عمر:
"يعني كل اللي بيجرالنا ده ولسة معملوش يامرات عمي؟!... بس احنا برضو مش هنسكت."
هشام وهو يغلق الملف بإحكام:
"من اللحظة دي، هنشتغل كفريق مع بعض. الورق ده أمل كبير لينا... بس كمان خطر كبير. كلنا بقينا في مركب واحدة، يا نعدي سوا لبر الأمان، يا نغرق كلنا."
ساد الصمت مرة أخرى بينهم.
في نظر عمر، لم تعد المسألة مجرّد كشف أسرار، بل حماية إرث والده، والأخذ بثأره... والدفاع عن الحقيقة مهما كان الثمن.
المشهد الثاني:
بغرفة الاجتماعات بمقر المنظمة..
ضوء خافت يملأ الغرفة، وجهاز عرض ضوئي يسلّط شعاعه على الحائط، حيث تُعرض صور جوية لبيت عمر وتحركاته الأخيرة. يجلس على رأس الطاولة راينر، قائد العمليات الميدانية، وإلى جواره داليا، خبيرة تحليل البيانات، وعدد من العناصر البارزة في المنظمة.
راينر بصوت بارد وحاسم:
"الوضع خرج عن السيطرة. كنا فاكرين إن الملف اتدمر بالكامل... لكن عمر الراوي عنده نسخة، والنسخة دي هي التهديد الحقيقي دلوقتي."
داليا وهي تعرض صورة على شاشات المراقبة:
"اتحرك بعد الحادثة الأخيرة، الملف اتنقل، غالبًا لمكان تابع للمباحث أو جهة موثوقة بالنسبة ليهم. بس قدرنا نحدد إن آخر مرة الملف ظهر فيها كانت في بيت عمه."
راينر وهو يضغط بأصابعه على الطاولة:
"السي دي كان فيه حاجات تدين القادة بتوعنا، والورق اللي كان مع عمر كان فيه جزء من المعادلة، بس من تحليلنا، اتضح إن عمر كان بيملك الصيغة شبه الكاملة ليها... والجزء اللي معاه ممكن يخلينا نعمل التجربة بالكامل، من غير ما نضطر نرجع للمشروع الأصلي."
عميل آخر بصوت جاف:
"انا من رأيي إننا بنديله أكبر من حجمه... إحنا نخطفه ونخليه يسلم الملف غصب عنه."
راينر بهدوء قاتل:
"التسرع سمة الأغبياء… الخطف مش دايمًا الخيار الذكي. هنخلّيه هو اللي ييجي لينا... بس بإرادته. الضغط النفسي، ضرب المقربين، وخلق فوضى حواليه. كلما حس بالخطر، كلما اتصرف بسرعة... وغالبًا بسرعة دي يعني هيتصرف غلط."
داليا بنبرة جادة:
"لحد دلوقتي أنا و روما بنحاول نفهم اسم 'كود1%' ده، أكيد في سبب للأسم ده."
راينر نهض ونظر لهم بثبات:
"مش مهم الاسم دلوقتي، أنا عايز تقرير يومي عن تحركاته، أي تواصل بينه وبين هشام أو أي جهة أمنية. وأي محاولة لفتح قضية على الورق ده... تتوقف فوراً قبل ما تبدأ."
تنهد ثم أضاف:
"وعايز كل معلومة عن هشام ذات نفسه... الراجل ده بقى شوكة في ضهرنا من وقت ما ظهر... يمكن جه الوقت اننا نشيلها."
ساد الصمت في الغرفة، لكنه كان صمتًا مشحونًا بالنوايا السوداء.
في الخلفية، ظهرت خريطة رقمية لعقل بشري محاط بأكواد وصيغ كيميائية... وتحته سطر مكتوب بخط أحمر رقمي:
"تحويل الوعي البشري إلى وعي رقمي."
المشهد الثالث:
الساعة تشير إلى الرابعة مساءً بمكتب الدكتور يوسف داخل كلية الطب، والمكان هادئ نسبيًا. ضوء الشمس يتسلل من نافذة المكتب الواسعة، وينعكس على الأوراق المبعثرة فوق الطاولة. الدكتور يوسف يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الملفات، عندما طُرق الباب.
د. يوسف رافعًا بصره:
"ادخل."
دخل عمر، وجهه مرهق وعيناه تحملان القلق، لكنه تقدّم بخطوات ثابتة.
عمر:
"مساء الخير يا دكتور."
د. يوسف بابتسامة خفيفة:
"مساء النور يا عمر... شكلك مرهق. في إيه؟"
عمر جلس امامه وقال:
"في تطورات كتير حصلت... وحبيت أبلغ حضرتك بيها."
نظر إليه الدكتور يوسف باهتمام، ووضع القلم من يده.
د. يوسف:
"طيب خد نفسك الأول، وفهمني بالراحة حصل إيه."
عمر بصوت منخفض:
"فاكر رسالة والدي الله يرحمه اللي حضرتك إدتهالي، واللي كان فيها مكان الجزء الناقص من المعادلة؟"
د. يوسف:
"طبعًا، دي أهم خطوة كانت في طريقك... إيه الجديد؟"
عمر بجدية:
"الجديد إني عرفت إن دكتور محمود كان بيتعامل مع المنظمة... بس اللي إتأكدلي إنه مكانش يعرف مضمون الجزء التاني من المعادلة، كل دوره كان مراقبة والدي وتسريب شغله من غير ما يفهم الصورة الكاملة."
صمت الدكتور يوسف للحظة، وعيناه تتسعان بدهشة.
د. يوسف بعدم تصديق:
"محمود؟... مستحيل. الراجل ده كان من أقرب الناس لجاد."
عمر:
"واضح إن ده السبب... كان بيتقرب منه عشان يخليه تحت عينه. واللي خلاني أتأكد أكتر من اللي إتقالي، إن أسمه طلع مرتبط بمكان الاختبارات الأولانية، الأختبارات اللي كان فيها أفراد المنظمة موجودين فيها بنفسهم قبل ما ينسحبوا ظاهرياً من الصورة، وإنه كان عنده نسخة قديمة من المعادلة بس مش كاملة."
د. يوسف نظر أمامه بشرود:
"ده يفسّر حاجات كتير... بس الوضع كده أخطر من الأول. المعادلة دي مش بس معادلة كيميائية، دي ممكن تغيّر مفهوم الوعي البشري كله..."
عمر مقاطعاً:
"همّا بالفعل بيحاولوا يستخدموها لتحويل الوعي البشري لرقمي... التجربة اللي والدي كان بيحذر منها، هما عايزين يكملوها."
د. يوسف همس وكأنه يحدث نفسه:
"أيروس... عمرهم مبيسكتوا عن حاجة هما عايزينها. دايمًا بيرجعوا لما تتهيألهم الفرصة."
عمر:
"أنا مش هسكت، ولا هسمح إن اللي حصل لوالدي يتكرر لناس تانية... أنا بحاول بقدر الإمكان أعمل أي حاجة توقفهم."
د. يوسف بهدوء واهتمام:
"طيب... أنا هساعدك، بس لازم نفكر في كل خطوة ونحسبها كويس. أي حركة غلط كده ولا كده ممكن تكلفنا كتير... وأنا مش هسمح إننا نخسر تاني قدامهم، كفاية اللي خسرناه قبل كده."
نظر إليه عمر، وأومأ برأسه.
عمر:
"عندك حق... كفاية أوي اللي خسرناه."