الفصل الحادي عشر:
المشهد الاول:
دخل عمر إلى بيت عمه بعد ثلاثة ايام من الحادث، يسير ببطء، متكئًا على عكازه، ويده اليمنى وقدمه اليسرى ملفوفتان بالجبس. كان التعب بادٍ على وجهه، لكنه كان يحاول إخفاءه بابتسامة خفيفة. إلى جواره، كان عمه حسن يسنده بحرص، يتبادلان نظرات تمزج بين الوجع والطمأنينة.
ظهرت زينب من خلفهما، تسير بخفة، ثم وقفت قليلًا تنظر إلى عمر بابتسامة خفيفة.
زينب بلهجة مرحة:
"شكلك هفتان من أكل المستشفى يا عمر… أنا هروح بقى أعملك لقمة ترم عضمك."
ثم أسرعت إلى المطبخ، واختفى صوتها وسط أواني الطبخ.
ابتسم عمر، ثم نظر إلى عمه وقال بصوت خافت وهو يتكئ عليه:
"اسندني والنبي يابو علي… العكاز لوحده مش مكفّي."
ضحك عمه حسن، وشد عمر نحوه بحنية مصحوبة بسخرية خفيفة:
"مالك يا واد؟ ما تنشف شوية… بقيت بايظ كده ليه؟"
رد عمر وهو يضحك رغم ألمه:
"بايظ؟ دا أنا اتسفلت يا راجل… بعيد عنك، الحادثة دي ردتني عالناشف، شكلي هحتاج وش دوكو من أول وجديد."
حسن وهو يفتح باب الغرفة:
"طب يلا… تعالى ارتاح كده، والأكل هيجيلك لحد عندك. خليك عصب وشديد كده ياض، ولا أنت نسيت إنك ابن جاد؟"
جلس عمر على طرف السرير بمساعدة عمه الذي هم بالخروج لمساعدة زوجته، يتأمل الغرفة التي غاب عنها أيامًا قليلة. تنهد وهو يمد قدمه المتجبسة على الوسادة، ثم أخرج هاتفه من جيبه بهدوء. فتح الشاشة ليتفقد الرسائل، فوجد واحدة جديدة... مرسلة من رقم مجهول.
فتحها، وما إن قرأها حتى تغيرت ملامح وجهه:
"حمدالله على السلامة يا دكتور.
ياريت تفكر قبل ما تاخد أي خطوة تانية بعد كده.
المرة دي خرجت من المستشفى على رجلك…
المرة الجاية هتخرج منها على ضهرك."
ظل عمر يحدّق في الرسالة لثوانٍ، نظراته ازدادت حدة، أنفاسه تسارعت، وكأن صدره يتهيأ لحمل عبء جديد.
أغلق الشاشة، ووضع الهاتف على الكومود بجانبه، ثم مال برأسه إلى الوراء، وأغمض عينيه، لكنه لم يكن يرتاح… بل كان يحسب خطوته التالية.
المشهد الثاني:
المقر المركزي لمنظمة آيروس...
كان الهدوء الخانق يلف أرجاء الغرفة الدائرية العملاقة، إلا من أزيز خافت لأجهزة رقمية متصلة بجدران شفافة تعج بخيوط من البيانات المتحركة. في منتصف الغرفة، وقف عدد من الأشخاص يرتدون بدلات سوداء، تحيط أعينهم نظرات حادة متوترة.
فُتح باب جانبي بصوت ميكانيكي بارد، ودخل رجل طويل، يحمل حضورًا يفرض الصمت دون أن يتكلم. رأسه حليق، وعيناه كالسهم، خلفه ظلان من الحراس لا يبتعدان عنه خطوة.
أحدهم تمتم بخفوت وهو يقف منتصبًا:
"القائد اوتسكار وصل."
اقترب الزعيم من الطاولة المركزية، وألقى نظرة سريعة على شاشة ضخمة تُظهر صورة عمر مصابًا داخل أحد المستشفيات.
اوتسكار بصوت منخفض لكنه حاد:
"هو لسه عايش؟"
أحد العملاء رد فورًا:
"أيوه يا فندم… خرج من المستشفى، وبحسب مصادرنا، وصل لملف المعادلة قبل الحادث بساعات."
اوتسكار ابتسم ابتسامة ساخرة:
"يعني لسه سابقنا بخطوة… طب والملف؟"
العميل:
"وصل لظابط اسمه هشام صبري. إحنا بنرصد تحركاته، بس مفيش أي محاولة واضحة لفتح قضية للملف لحد دلوقتي."
تقدمت امرأة شابة تدعى روما كانت ترتدي نظارة رقمية وتقول بثقة:
"المشكلة مش في الملف، المشكلة إنه عارف النقطة اللي كانت المفروض تفضل مجهولة… نقطة الضعف في مشروع أوريون-9."
توقف اوتسكار عن الحركة لوهلة، ثم التفت إليها وقال بحدة:
"وده معناه إنه بقى خطر مباشر على ريفايف."
أحد الحاضرين تساءل:
"يعني ينفع لو سيادتك توضّح الصورة؟ عشان معظمنا لسه مش شايف الربط بين أوريون-9 وريفايف."
اوتسكار اقترب من الشاشة، وأشار بيده، فتحولت الشاشة لعرض مخططين متصلين ببعض وقال بهدوء:
"أوريون-9 كان مجرد بوابة... مشروع علاجي نظري لعلاج خلل عصبي نادر. بس اللي محدش يعرفه، إن أوريون-9 كان التجربة الأساسية لتحويل الإدراك البشري لصيغة قابلة للنسخ... للخداع... للتحكم."
ثم أكمل بنبرة أعمق:
"وريفايف هو الصورة النهائية… نقل وعي الإنسان بالكامل للجهاز، نسخة رقمية بتمشي وتتكلم وتفكر… بس متبرمجة على طريقتنا. احنا مش بنعالج المرض... احنا بنخلق عالم كامل نقدر نتحكم فيه. الإنسان هيعيش حياة طبيعية... بس مش بإرادته، وعمر... كان هو النموذج الامثل لتجربة المشروع ده."
ساد صمت مريب.
اوتسكار أكمل:
"لكن دلوقتي … هو الشخص الوحيد اللي عارف المعادلة الأصلية. الجزء اللي يفضحنا. واللي ممكن يدمر مشروع ريفايف بالكامل قبل ما يبدأ."
أحد العملاء سأل بتوتر:
"إذاً … الخطوة الجاية هتكون إيه؟"
اتسكار قال بصرامة:
"نخلّيه يختفي… بس المرة دي، من غير ما نسيب ورانا أي أثر. مفيش مستشفى، مفيش نجاة."
ثم استدار وهو يقول:
"أنا كنت باقي عليه لأخر لحظة لأنه كان هينفعنا وبما أنه هيشكل خطر علينا بالشكل ده ف نخلص منه أحسن... معركتنا بدأت معاه... بس هو مش هيلحق يشوف نهايتها."
الأنوار خفتت تدريجيًا، وبدأت الشاشات تعرض بثًا مباشرًا من كاميرات مراقبة ترصد جميع تحركات عمر.
المشهد الثالث:
كان عمر لا يزال جالسًا على السرير، نظراته شاردة نحو الأرض والهاتف ملقى بجانبه. الباب فُتح برفق، ودخل حسن ممسكًا بصينية الأكل، وزينب خلفه تحمل طبقًا صغيرًا.
زينب بابتسامة حنونة:
"أنا عملتلك لقمة ترم عضمك بيها ياحبيبي… فراخ ورز وملوخية وشوربة بلسان عصفور، تقويك غير أكل المستشفى اللي يمرض بزيادة ده."
حسن ممازحًا وهو يضع الصينية:
"قوم شد حيلك بقى، هتفضل شبه الطمطماية المفعوصة كده لحد إمتى؟"
عمر لم يضحك كعادته… فقط رفع عينيه إليهما، ملامحه كانت مختلفة، جادة ومتوترة.
عمر:
"جاتلي رسالة دلوقتي… من رقم مجهول."
زينب بقلق:
"رسالة؟ رسالة إيه دي؟"
أشار عمر إلى الهاتف، ثم قال بصوت هادئ ولكن يحمل توترًا:
"بيقولولي: 'ياريت تفكر قبل ما تاخد أي خطوة تانية المرة دي خرجت على رجلك المرة الجاية على ضهرك.' يعني بمعنى أصح بيقولولي المرة الجاية بنهايتك."
سادت لحظة صمت ثقيلة، تبادل فيها حسن وزينب النظرات، ثم اقترب حسن وجلس إلى جوار عمر، واضعًا يده على كتفه.
حسن:
"يعني حتى بعد اللي حصل، لسه وراك ومتابعينك؟"
زينب:
"الموضوع كده زاد عن حده يا عمر… لازم تبلغ الظابط هشام."
عمر:
"هبلّغه طبعًا… وأكيد عرفوا اني وصلت للجزء اللي فيه نقطة ضعفهم في المعادلة... وبكده هيتحركوا بعنف أكتر من الأول، اللي هو نظام يا قاتل يا مقتول."
حسن بصوت هادئ لكن حاسم:
"بص يا عمر… أنا مش هقولك خاف وأنسى وأرمي كل ده ورا ضهرك والجو ده، بس هقولك حاجة واقعية للأسف."
تنهد بعمق وأكمّل:
"إنت في وضعك الحالي مش هتعرف تاخد أي خطوة. إيدك ورجلك متجبسين، وكل حركة بتتعبك."
عمر محاولًا يخفي توتره بابتسامة خفيفة:
"يعني استنى لما أفك الجبس عشان أبقى مؤهل للموت ولا إيه مش فاهم؟"
حسن نظرة حازمة:
"تستنى… عشان لما تيجي تتحرك، تبقى واقف على رجلك وإنت جامد، وعارف هتعمل إيه. أي تهور دلوقتي مش في صالحك… ولا في صالح اللي حواليك."
زينب بصوت هادئ وحنون:
"عمك عنده حق… إنت دلوقتي محتاج تركز على العلاج، جسمك لازم يبقى قوي الأول وبعد كده فكر تتحرك ازاي."
عمر نظر إليهم بهدوء:
"ماشي… هستنى وأشوف اللعبة دي هتخلص على إيه، بس أنا مش ناوي أخرج منها خسران."
ثم امسك هاتفه المحمول بيده اليسرى، ضغط على زر الاتصال، واختار رقمًا محفوظًا باسم: "الظابط هشام".
صوت الهاتف يرنّ... ثم فُتح الخط.
الضابط هشام بنبرة هادئة:
"أيوه يا عمر، عامل إيه؟ طمني عليك."
عمر بنبرة مرهقة لكن ثابتة:
"أنا تمام الحمدلله... بس في حاجة حصلت، وكنت عايز ابلغك بيها."
هشام بنبرة قلقة:
"حاجة ايه دي؟"
عمر بصوت خافت:
"جالي تهديد… رسالة على تليفوني، شكلهم كده لسة مراقبيني."
ساد صمت قصير على الخط.
الضابط هشام بصوت جاد:
"أنا جايلك فورًا. خليك جوه البيت ومتخرجش، وأقفل التليفون ده لغاية لما أوصل."
عمر بهدوء:
"حاضر."
أنهى الاتصال، وأسند رأسه للخلف، وأغلق عينيه لثوانٍ كأنّه يحاول أن يتماسك قبل العاصفة القادمة.
بعد نصف ساعة – رن جرس الباب في منزل عمر.
تحرك حسن ليفتح الباب، وجد أمامه الرائد هشام واقفًا بنظرة صارمة.
حسن بابتسامة خفيفة:
"أهلاً يا حضرة الظابط… اتفضل."
هشام بإيماءة سريعة:
"شكراً يا حاج."
دخل هشام إلى الغرفة، فوجد عمر جالسًا في مكانه، ما زال على حاله، الهاتف في يده، والتعب بادٍ على وجهه.
هشام وهو يقترب من عمر:
"وريني الرسالة."
ناوله عمر الهاتف دون كلمة، وهشام بدأ يقرأ بعناية:
"حمدالله على السلامة يا دكتور، ياريت تفكر قبل ما تاخد أي خطوة تانية. المرة دي خرجت من المستشفى على رجلك، المرة الجاية هتخرج منها على ضهرك."
هشام وهو يزفر بحدة:
"واضح إنهم فاهمين إنك لسه مكمل… والتهديد ده بيأكد كده."
عمر بهدوء:
"أنا كنت متوقع ده، خصوصًا بعد ما الملف بقى في إيدك."
هشام ينظر له بجدية:
"الملف ده كنز… بس كمان عبء تقيل. المعلومات اللي فيه كفيلة تشيل منظمتهم من على الخريطة، وده معناه إنك بقيت مستهدف بشكل مباشر. مش مجرد تهديد ولا تهويش، يعني ممكن جداً الموضوع يوصل لتصفية مباشرة."
عمر بحدة خفيفة:
"يعني إيه؟ أقعد مكاني كده زي خيبتها؟"
هشام:
"لأ… بس لازم نتحرك بحساب. إحنا مش بنواجه ناس عادية، دول منظمة دولية ومخططة لكل خطوة."
عمر ساخرًا:
"ما أنا جزء من الخطة دي."
هشام بنفس النبرة الساخرة:
"أنت بقيت في قلبها ياحبيبي مش بس جزء منها… من ساعة ما فتحت الملف الهباب ده."
صمت كلاهما لثوانٍ.
هشام تابع حديثه:
"أنا هزوّد الحراسة على البيت، وهتابع تليفونك. ومحتاج كل معلومة تفصيلية عن اللي حصل من أول يوم فتحت فيه الملف ده… كل حاجة حتى لو كانت تافهة من وجهة نظرك."
عمر:
"كل اللي عندي هقوله… بس عاوز أعرف حاجة… في أمل اننا نخلص من الموضوع ده بأقل خساير؟ أنا تعبت."
هشام ناظراً له بنظرة عميقة:
"الأمل دايمًا موجود… بس محتاج ناس مبتخافش."
عمر بنبرة ساخرة:
"الله يطمنك. يبقى لسة سكتنا طويلة."