الفصل العاشر:
المشهد الاول:
في الجامعة، خرج كريم من الكافتيريا وهو يلتقط أنفاسه بعد يوم طويل. بينما كان يمشي في الطريق المؤدي إلى الحرم الجامعي، قابلته سارة، التي كانت تخرج من إحدى القاعات.
سارة:
"فينك يا كريم؟ مختفي بقالك كام يوم كده ليه؟"
كريم:
"معلش والله، شوية ضغوطات كده. وانتِ كنتِ مختفية فين الفترة اللي فاتت؟"
سارة:
"كنت مسافرة مع بابا برة مصر. كان عنده شغل وانا استغليت فرصة سفره وقولت افك عن نفسي شوية. قولي بقى، عمر فين؟ بقاله كام يوم مبيجيش الجامعة."
كريم نظر للأسفل قليلاً، ثم رفع رأسه وقال بنبرة ثقيلة:
"عمر في المستشفى. عمل حادثة."
ردت سارة بعينان متسعتان من الصدمة:
"يا خبر! طب هو عامل إيه؟"
كريم بصوت هادئ، لكنه مليء بالقلق:
"الدكاترة بيقولوا حالته مستقرة. عنده ارتجاج في المخ، وشوية كسور بس هيعدي منها بإذن الله."
سارة بصوت مرتجف:
"يــاه! طب هو في مستشفى إيه؟"
كريم وهو يشير لها بأن ترافقه:
"أنا كده كده كنت ناوي أروحله. تعالي نروحله مع بعض."
سارة وهي تهز رأسها بالموافقة:
"طيب، يلا بينا."
كريم أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ في التحرك نحو سيارة الاجرة، وسارة تلاحقه، كل خطوة منهم ثقيلة، وكأن الثقل في الهواء أكثر من المعتاد.
المشهد الثاني:
وصل كريم وسارة إلى المستشفى، ودخلا الغرفة التي كان يرقد فيها عمر، مستندًا بظهره إلى السرير، بينما كان عمه حسن وزوجة عمه زينب يجلسان إلى جواره.
دخلت سارة بخطى سريعة، وعيناها مليئتان بالقلق، وقالت بتوتر:
"الف سلامة عليك يا عمر، عامل إيه طمني عليك؟"
عمر:
"أنا الحمد لله أحسن دلوقتي، إنتِ أخبارك ايه وكنتِ فين الفترة دي كلها؟"
سارة:
"كنت مسافرة برة مصر مع بابا، المهم إني اطمنت عليك."
تقدّم كريم أيضًا ونظر إلى صديقه:
"عامل إيه يا نجم؟"
عمر بإبتسامة خفيفة:
"بخير الحمدلله يا كريم… شويه كسور كده تترد عالبارد وتعدي."
جلست سارة بهدوء، ثم نظرت إليه وقالت بجدية:
"بس قولي اللي حصل ده حصل إزاي؟"
تنهد عمر بعمق، ثم بدأ يروي ما حدث بالتفصيل، ابتداءً من لحظة عثوره على الملف الغامض في مخزن عمه، بعنوان (كود 1%)، ووجود السي دي المرفق به، وما كشفه من معلومات خطيرة عن أشخاص مهمين، وحتى قراره تسليم الملف لكريم، والحادثة التي وقعت له بعد دقائق من تلك المقابلة.
خيم الصمت لوهلة، ثم نظرت سارة إلى كريم، وعادت ببصرها إلى عمر وقالت بحزم:
"لازم تبلغ الحكومة فورًا! أنا معايا ابن خالتي ظابط في مديرية الأمن، أقدر أكلمه ييجي هنا دلوقتي ويسمع منك كل حاجة… أكيد هيعرف يساعدك."
كريم وهو ينظر إلى عمر بجدية:
"عندها حق يا عمر. أنت لازم تبلغ فعلاً. طالما التهديد مستمر كده، ووارد جداً تكون الحادثة مدبرة منهم... يبقى مش هيرتاحوا قبل ما ياخدوا اللي هما عايزينه منك."
قال عمر بصوت هادئ:
"انا مش عارف أعمل ايه اصلاً، كنت ناوي اسيب الملف معاك لحد ما أدبر أموري وأتصرف بس الحادثة لغبطت كل ده."
حسن وهو يقترب منهم:
"احنا المفروض يكون معانا حد يساعدنا، سارة عندها حق. خلي الحكومة تتدخل في الموضوع ده، الحكاية أكبر مننا يا ابني."
بعد فترة كان الجو في الغرفة قد بدأ يهدأ قليلًا بعد انتهاء الحديث الجاد. جلست سارة على كرسي بجوار السرير، بينما جلس كريم إلى جوار قدم عمر المصابة، ينظر إليه بنظرة مشاكسة.
كريم:
"يلا يا عم… تعيش وتاخد غيرها." ثم ضرب ضربة خفيفة على قدم عمر المصابة.
عمر وهو يصرخ من الألم:
"آااااااه! رجلي يا حيـــوان!"
"معلش والله ياصاحبي، حقك عليا. وبعدين متبقاش طري كده يالا!" قالها كريم وهو يتحرك إلى الجانب الآخر من السرير.
نظر إلى سارة بنظرة مليئة بالإعجاب والرومانسية، ثم قال لعمر:
"بس على فكرة… إنت أحلويت أوي بعد الحادثة ياض يا عمر!" وبينما كان يتحدث، أسند يده بالخطأ على يد عمر المصابة
عمر صرخ مرة اخرى:
"آآآآآه! يا ابن الـ***!!!" قالها وهو يمد يده السليمة إلى علبة الدواء على الطاولة المجاورة.
كريم ركض ضاحكاً تجاه باب الغرفة. والعلبة مرت من فوق رأسه قال: "خلاص ياض يخربيت أبوك! مكانش قصدي!"
حسن من الجهة الأخرى وهو يضحك:" يا ابني حرام عليك هو ناقصك! مش شايفه متفشفش 600حتة ازاي!"
سارة حاولت كتم ضحكتها وهي تربت على يد عمر:
"معلش ياعمر. هو مش قصده برضو."
عمر وهو يضحك برغم الألم:
"أبعدوه عني… ده مش هيسيبلي عضماية سليمة في جتتي!"
المشهد الثالث:
بعد مرور ساعات وقد أسدل الليل ستاره على المستشفى. دخل الرائد هشام صبري الغرفة، ببدلته الرسمية ونظرته الحذرة. اقترب بخطوات ثابتة حتى وقف بجوار السرير الذي يرقد عليه عمر، بينما سارة تقف إلى جوار عمر، وكريم يجلس في زاوية الغرفة.
هشام بصوت هادئ:
"مساء الخير… أنا الرائد هشام صبري ابن خالة سارة. أولاً ألف سلامة عليك يا دكتور... ثانياً سارة قالتلي إن في موضوع مهم لازم أسمعه منك... ايه الحكاية؟"
عمر بنبرة مجهدة:
"الله يسلمك يا هشام باشا… هو فعلاً في موضوع مهم… وخطير كمان."
هشام وهو ينظر إليه باهتمام:
"اتفضل، أنا سامعك."
تنهد عمر وأخذ لحظة ليستجمع نفسه، ثم بدأ:
"من حوالي أسبوعين، كنا أنا وعمي بنعمل شوية ترتيبات في المخزن القديم لبيتنا، وهناك لقيت ملف غريب مكتوب عليه (كود 1%). جواه كان في ورق كتير ومعاه سي دي. في البداية، افتكرت إنه بحث علمي عادي… لكن لما شغلت السي دي، كل حاجة اتغيرت."
هشام مقاطعًا بلطف:
"إزاي يعني؟"
عمر نظر له مباشرة:
"السي دي بيحتوي على ملفات طبية بتوثّق تجارب على أشخاص أصيبوا بحالة عصبية نادرة أسمها سيبرافيا، حالة بتخلي أدمغتهم تتزامن مع ترددات رقمية معينة… وده بيخليهم مؤهلين لحاجة اسمها ‘التحميل الرقمي’."
هشام يقطب حاجبيه:
"تحميل رقمي؟ تقصد إيه؟"
عمر بنبرة أكثر توترًا:
"في مشروع اسمه أوريون-9. هدفه نقل وعي الإنسان لسيرفرات ضخمة تابعة لمنظمة سرية اسمها أيروس. الناس اللي بيحصل لهم التزامن ده… بيتحول وعيهم لبيانات رقمية. المنظمة عايزة تخلق نسخة رقمية من الإنسان يعيش فيها تحت تحكمهم التام. يعني بمعنى أصح يتحكموا في عقول الناس."
ساد صمت ثقيل للحظة. هشام حاول استيعاب المعلومات، بينما سارة نظرت لعمر بقلق.
عمر متابعًا:
"والأسوأ… إن والدي الله يرحمه الدكتور جاد، هو اللي بدأ المشروع ده… بس لما اكتشف حقيقته، حاول يوقفه. حاول يبلغ وينسحب… لكن المنظمة قررت تخلص عليه. قتلوه… لكن للأسف مفيش دليل إدانة ضدهم."
هشام:
"وإنت متأكد من صحة المعلومات دي؟"
عمر:
"ايوة متأكد، وفي كمان قائمة بأسماء اللي كانوا هينفذوا عليهم المرحلة التانية من التجربة… واسمي موجود فيها. يعني أنا كنت من ضمن اسماء ناس كتير كانوا هيبقوا فيران تجارب للمنظمة دي."
هشام نظر له بجدية وقال:
"طيب والملف معاك دلوقتي؟"
عمر:
"لما اكتشفت إن في حد بيراقبني، سلمت اوراق معادلة التجربة بالكامل لصاحبي كريم. وبعدها بدقايق… اتعرضت لحادثة عربية. دلوقتي كريم سلّم الملف لحضرتك… يعني هو بين إيديك."
هشام مفكراً:
"ده يفسر ليه كانوا مصممين يمنعوك… والمصيبة إن الموضوع مش بس علمي، ده ليه أبعاد سياسية وأمنية كمان."
سارة بقلق:
"هو دلوقتي في خطر، مش كده؟"
هشام:
"طالما وصل للجزء التاني من المعادلة، ف أيوة… لأن الجزء ده بيكشف نقطة ضعفهم الوحيدة."
عمر يهز رأسه بتأكيد:
"أنا وصلتلها فعلاً… من خلال رسالة أبويا اللي كانت مع صديقه الدكتور يوسف. الرسالة دلّتني على مكان الجزء التاني من المعادلة… واللي فهمت منه إن تردد معين، مرتبط بالحالة العصبية دي، ممكن يعكس تأثير النظام الرقمي بالكامل. ده معناه إن في وسيلة لمسح مشروعهم من الأساس."
هشام وهو ينهض:
"أنا هاخد الملف للمختصين فورًا. بس من اللحظة دي… إنت تحت حماية الدولة. واللي حاولوا يوقفوك هنوقفهم."
نظر الجميع لبعضهم بنظرة حاسمة مشوبة بالخوف، لكن هناك شعور جديد بدأ يتسلل إليهم… شعور بأن الأمان قد بدأ يطرق بابهم بعد أيام من التوتر.