اليوم الرابع عشر
"قمر النصف.. وفرحة الصغار"
منذ الصباح، والحارة تشهد حركة غير عادية. أطفال الجيران تجمعوا أمام مدخل العمارة، يمسكون بطبول صغيرة وعلب صفيح، ويحاولون تقليد "المسحراتي". "عمر" كان يتزعم "العصابة"، وقد ربط "فوطة" على رأسه كأنها عمامة، ويصيح بملء فيه: يا صايمين.. وحدوا الله! بكره نص الشهر يا ولاد!
كانت "زينب" تراقبهم من نافذه المطبخ وهي تحضر "الأرز بلبن" المزين بالمكسرات احتفالاً بهذه الليلة، وقالت لـ "عادل" وهي تضحك: شايف الولاد يا عادل؟ فكروني بيك وإنت صغير لما كنت بتلم ولاد الحتة وتعملوا دوشة تخلي الجيران يحدفوا عليكم مية من البلكونات!
خرجت الجدة "هنية" إلى الصالة، ونادت على عمر من النافذة: تعالى يا واد يا مسحراتي إنت وشلتك، خدوا 'النفحة' بتاعتكم!" صعد الأطفال ركضاً، فوزعت عليهم الجدة أكياساً صغيرة فيها ملبس وفول سوداني وتمر، وقالت لهم وهي تمسح على رؤوسهم: عارفين يا ولاد ليلة النص دي كانت زمان إيه؟ كانت عيد صغير . كنا بننزل الشوارع نغني 'وحوي يا وحوي'، ونلف على البيوت، وكان كل بيت لازم يخرج لنا حاجة. مكنش فيه حد بيحبس عياله قدام الكرتون، كانت الفرحة في (الرجل)، وفي اللمة اللي بتخلي الحارة كلها تغني مع بعضها.
نظرت "سلمى" للمشهد وهي تحمل هاتفها لتصور الأطفال وهم يأكلون النفحة، وقالت بويت: يا تيتا، دول شكلهم مسحراتية دليفري أوي، بس الحقيقة إن روحهم حلوة.. تحسي إن رمضان النهاردة له طعم البراءة.
قالت الجدة بابتسامة حكيمة: عشان ليلة النص دي يا بنتي هي جائزة اللي صمدوا من أول الشهر. ربنا بيخلينا نفرح في نص الطريق عشان نشد حيلنا للجاي. والعيال دي هم اللي بيعرفونا إن رمضان لسه بخير. زمان كان اللي بيفطر في نص الشهر ده بيتحرم من 'الزفة' دي، فكنا بنصوم عشان بس نطلع نغني مع الصحاب.
ضحك عادل وقال: والله يا حماتي، أنا لسه فاكر أول مرة صمت فيها يوم كامل في ليلة النص، أبويا الله يرحمه جاب لي فانوس نحاس كبير وعمل لي زفة في الحتة. رمضان من غير دوشة العيال ملوش طعم.
الرسالة المستفادة:
"فرحة الأطفال هي وقودُ رمضان." لا تطفئوا حماس الصغار في هذه الأيام، حتى لو كانت "دوشتهم" تملأ المكان. احتفالات منتصف الشهر هي "محطة شحن" معنوية للكبار والصغار على حد سواء. علموهم أن رمضان ليس حرمانًا، بل هو بهجة وعطاء ومشاركة. اجعلوا ذكرياتهم عن هذا الشهر مليئة بالملبس والدعاء والأغاني، فما يُغرس في القلب في الصغر، يزهر إيماناً في الكبر.
الخاتمة:
نزل الأطفال مرة أخرى وهم يغنون بصوت أعلى، وهذه المرة انضمت إليهم سلمى وزينب من الشرفة بالتصفيق والزغاريد. ساد البيت جو من البهجة لم يسبق له مثيل منذ بداية الشهر.
قالت الجدة هنية وهي ترتشف شايها: أهو كدة يا ولاد، النص الأول عدى بسلام، والنص التاني عايز قلوب حديد. شدوا الحيل، الجوائز الكبيرة لسه جاية في العشر الأواخر.
غمز عمر لجدته وقال: متقلقيش يا تيتا، المسحراتي الصغير جاهز.. بس زودي 'النفحة' بكرا شوية!