الفصل التاسع:
المشهد الاول:
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا، والهدوء يُخيّم على المنزل، إلا من صوت خطوات حسن المتوترة وهو يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، بينما جلست زينب على الأريكة تحدق في هاتفها المغلق، وعيناها تملؤهما الحيرة والقلق.
قالت زينب بصوت خافت: "اتأخّر أوي يا حسن... وتليفونه لسه مقفول."
أجابها حسن وهو يحاول السيطرة على قلقه: "قلبي مش متطمن... هو عمره ما بيتأخر كده من غير ما يطمنا، أكيد في حاجة حصلت."
وقبل أن يُكمل كلماته، دوّى صوت الهاتف. أمسك حسن بالهاتف بسرعة، نظر إلى الرقم، ثم أجاب على الفور: "ألو؟"
جاءه صوت كريم، متقطعًا ومضطربًا: "أستاذ حسن، أنا كريم... صاحب عمر."
شدّ حسن قبضته على الهاتف، وقال بقلق: "أيوة يا كريم، هو عمر عندك؟!"
ردّ كريم بنبرة مرتبكة: "هو... عمر حصلتله حادثة، عربية خبطته وهو ماشي... أنا معاه في المستشفى دلوقتي، والدكاترة بيحاولوا ينقذوه."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال حسن بصوت مبحوح: "مستشفى إيه؟"
أجابه كريم: "هبعت لحضرتك اللوكيشن... هو لسه في اوضة العمليات مخرجش."
أغلق حسن الهاتف دون أن ينبس بكلمة، ثم التفت إلى زينب وقال بسرعة وهو يلتقط مفاتيحه: "عمر عمل حادثة وهو دلوقتي في المستشفى."
نظرت إليه زينب بصدمة، فاقترب منها وسحبها من يدها: "أنتِ لسة هتبصيلي يلا."
اندفع الاثنان خارج المنزل، والقلق يسبق خطواتهما، بينما الليل يبتلع كل إجابة منتظرة.
المشهد الثاني:
وصل حسن وزينب إلى المستشفى مسرعين، القلق يأكل ملامحهما. كان كريم واقفًا أمام باب غرفة العمليات، شاحب الوجه، يعبث بأصابعه في قلق.
حسن بصوت متهدج:
"كريم! عمر فين، وحالته إيه دلوقتي؟"
كريم بصوت منخفض:
"جوه... لسه في العمليات مخرجش."
جلست زينب على أقرب مقعد، تحاول السيطرة على دموعها، بينما وقف حسن مكانه لا يحرك ساكنًا، عينه معلقة بباب الغرفة كأنه ينتظر معجزة.
خرج الطبيب أخيرًا، يخلع قفازيه، ويبدو عليه الإرهاق.
قال الطبيب بجدية:
"حضراتكم أهل المصاب؟"
حسن:
"أيوة يا دكتور... أنا عمه. طمني، عمر عامل إيه؟"
الطبيب:
"الحمد لله، حالته مستقرة بعد التدخل السريع. عنده ارتجاج في المخ ونزيف خارجي من الرأس والفم. بالإضافة لكدمات وكسور في الضلوع، وكمان رجله الشمال وإيده اليمين اتكسروا نتيجة قوة الإصطدام وأضطرينا نحطله شرايح ومسامير."
زينب بصوت مختنق:
"يعني هيعيش يا دكتور؟!"
الطبيب:
"حالياً الوضع مستقر، لكن لازم يكون تحت الملاحظة خلال ال24 ساعة اللي جايين عشان نتابع تطورات حالته."
حسن:
"طب ممكن نشوفه؟"
الطبيب:
"هو لسه تحت تأثير البنج، وممنوع الزيارة دلوقتي. أول ما يفوق ونتأكد إن كل المؤشرات طبيعية، هنبقى نبلغكم... عن إذنكم."
أومأ حسن في صمت، بينما دفنت زينب وجهها بين يديها، تحمد الله باكية. جلسوا جميعًا أمام غرفة العمليات، ينتظرون أن تمر الليلة بسلام.
مرت ساعات طويلة، والقلق يسيطر على حسن وزينب وكريم، حتى خرجت ممرضة من غرفة العناية تقول بهدوء:
"المريض بدأ يفوق... بس ياريت واحد بس يدخل في الأول، علشان لسه تحت تأثير البنج."
نهض حسن فورًا وقال:
"أنا هدخل."
دخل حسن الغرفة بهدوء، فوجد عمر مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب وملامحه مرهقة، رأسه ملفوف بشاش أبيض، ويده وساقه مثبتتان بجبائر. كانت عيناه نصف مفتوحتين، تتنقل ببطء حول الغرفة وكأنه يحاول تذكر أين هو.
اقترب حسن منه ووضع يده على كتفه برفق:
"حمد لله على سلامتك يا ابني... الحمد لله إنها جت على قد كده."
رمش عمر بعينيه مرتين، ثم همس بصوت ضعيف:
"هو أنا حصلي إيه؟"
حسن:
"عربية خبطتك، والناس لحقتك. كريم كان هناك، ونقلك المستشفى في الوقت المناسب."
حاول عمر التحرك قليلًا فتألم، فشدّ حسن على يده:
"بلاش تتحرك دلوقتي. الدكتور قال إنك لازم ترتاح. أهم حاجة إنك بخير."
صمت عمر لحظات، ثم همس بصعوبة:
"الملف... مع كريم."
حسن بدهشة:
"ملف إيه؟"
لكن عمر أغمض عينيه ثانية، وقد بدأ تأثير التعب يغلبه من جديد.
خرج حسن من الغرفة وعلامات الحيرة على وجهه، فاقتربت زينب وسألته:
"هو عامل إيه؟ طمني."
حسن:
"لسه تعبان... بس فاق الحمدلله. وقال حاجة عن ملف كده... مش فاهم قصده إيه."
نظر إلى كريم الذي اتسعت عيناه قليلًا، لكنه لم ينطق بشيء.
نظر حسن إلى كريم بنظرة حادة، وقال:
"ملف إيه اللي عمر بيقول عليه يا كريم؟"
تنهد كريم، وقد بدا عليه التوتر، ثم قال:
"والله يا عمي انا ما أعرف حاجة. هو جه عندي تحت البيت، وكان مستعجل جدًا. إداني ملف وقال لي: 'خد ده وحافظ عليه '. وبعدها جت عربية خبطته وهربت."
تبادل حسن وزينب نظرات سريعة، ثم قال حسن بصوت خافت:
"يعني الملف ده معاك دلوقتي؟"
كريم:
"أيوة معايا... بس مفتحتوش، زي ما هو."
مدّ كريم يده إلى جيبه، وأخرج الملف مطوياً وهو ينظر إليه بحذر، ثم ناوله لحسن.
أخذ حسن الملف بيد مرتجفة، وعيناه تتابعان غلافه دون أن يفتحه. ظل واقفًا للحظة، ثم قال:
"هنستنى لما عمر يشد حيله ونطمن عليه... وبعدها نبقى نشوف إيه الحكاية دي بالظبط."
أومأ كريم برأسه، بينما زينب جلست على المقعد بجوار الغرفة، تهمس بدعاء خافت لا يتوقف.
المشهد الثالث:
في غرفة مكتبه شبه المظلمة، جلس الدكتور محمود خلف مكتبه، وقد بدا عليه التوتر وهو يضغط الهاتف المحمول على أذنه. أنواره الخافتة لم تُخفِ التعب الظاهر في ملامحه.
د. محمود بصوت منخفض:
"أيوة... حاليًا هو راقد في المستشفى، وجسمه متكسر. التحذير التاني كان قوي حبتين."
ساد صمت للحظات، قبل أن يخرج صوت بارد من الجهة الأخرى:
"قولتلك خليه يبعد من غير دوشة... إنت نسيت إننا عايزينه حي؟"
تنهد محمود وهو يمرر يده على وجهه، ثم قال:
"أنا فاهم... بس الولد ده مش سهل، واضح إنه وارث من أبوه العند نفسه."
رد الصوت بحدة:
"يبقى تتصرف. أي محاولة تانية منه، هنضطر نغير الأسلوب... بس أي تهور منك مش هو بس اللي هيدفع التمن... انت كمان هينولك نصيب من العقاب."
ارتعشت يد محمود قليلًا، لكنه حاول أن يحافظ على ثبات صوته:
"تمام... هتابع كل خطوة وهبلغكم، بس إدوني وقت أتصرف بطريقتي."
رد الصوت بجفاء:
"معاك وقت... بس قليل جدًا."
ثم انقطع الاتصال.
جلس محمود في مكانه، يحدق في شاشة هاتفه المظلمة، وكأن الصمت يطبق على أنفاسه.