الفصل الثامن:
المشهد الاول:
عاد عمر إلى المنزل بعد يوم طويل، لا يزال صدى كلمات الدكتور يوسف يتردد في رأسه، والرسالة التي قرأها كأنها انغرست في أعماقه. دفع باب الشقة بهدوء، ففوجئ بأن الأنوار مضاءة والجو ساكن بشكل غريب. دخل ببطء، ينادي:
"عمي؟ يا طنط زينب؟"
لم يرد عليه أحد.
تقدم بخطوات حذرة نحو غرفة الجلوس... وهناك، جلس رجل غريب على الأريكة، يرتدي بدلة داكنة ونظرة حادة في عينيه. لم يكن من العائلة، ولم يره من قبل. وفي يده فنجان قهوة وكأنه في بيته.
قال الرجل بنبرة هادئة ولكنها باردة: "أهلاً يا دكتور عمر... اتأخرت يعني النهاردة."
تجمّد عمر في مكانه، نظر إليه بتوتر: "إنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي؟"
نهض الرجل بهدوء، وتقدّم منه خطوة: "إنت اللي دخلت عالمنا من غير إستئذان، مش إحنا اللي جينالك. وكل خطوة بتاخدها، إحنا شايفينها... من أول مالقيت الملف في المخزن، لحد ما قعدت مع الدكتور يوسف النهاردة."
اقترب أكثر، وهمس بصوت منخفض لكنه ثقيل كالرصاص: "أبوك زمان حاول يلعب مع الكبار... وانتهى برصاصة في دماغه هو ومراته، وانت هتكون زيه بالظبط لو فضلت ماشي في نفس الطريق."
رد عمر بتحدي: "إنتوا ولا حاجة... و وجودك هنا النهاردة، دا دليل إنكم خايفين... تهديدك ده تاخده تبِله ولامؤاخذة... تشرب مايته."
ضحك الرجل بخفة، ثم قال: "أوعى تفتكر إني جايلك النهاردة عشان أخوفك... لأ، أنا جاي أوصلك رسالة... لو حاولت تبلغ عن أي حاجة، أو تنبش في الماضي، مش هتلحق تندم... مفهوم؟"
أخرج من جيبه صورة، ورماها على الطاولة أمام عمر. كانت صورة لعمر، وهو جالس مع دكتور يوسف في الجامعة: "مش بس إنت اللي مُستهدف... كل اللي حواليك تحت عينينا."
ثم ابتسم بابتسامة ساخرة وهو يضع نظارته الشمسية: "بلغ سلامي لدكتور يوسف... وقوله يكنّ شوية، خسارة عقلية فذة زيه نهايتها تكون رصاصة رخيصة. ونصيحة أخيرة مني... من كل حاجة يقولك عليها دكتور يوسف تعملها، وإلا زي ماقولتلك مش هتلحق تندم... سلام يادوك."
خرج الرجل من الشقة بهدوء، تاركًا خلفه الصمت الثقيل، وعمر واقف مكانه، قلبه يدق بجنون.
المشهد الثاني:
ظل عمر واقفًا لدقائق بعد رحيل الرجل، أنفاسه متسارعة ويداه ترتعشان. شعر وكأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل، وكأن شيئًا لا يُرى يراقبه حتى بعد أن غادر ذلك الشخص الغامض.
عاد بخطوات ثقيلة إلى الصالة، جلس على الكرسي وفي يده الصورة، يحاول استيعاب ما حدث. بعد لحظات، سمع صوت مفتاح الباب يدور... دخل حسن وزينب، يحملان أكياسًا من البقالة، وبمجرد أن رأوا وجه عمر، تبادلا نظرات القلق.
حسن:
"مالك يا عمر؟ وشك مصفر كده ليه؟"
عمر نظر لهما، ثم نهض ببطء، وقال بصوت خافت لكنه مليء بالتوتر:
"كان في واحد قاعد هنا وإنتوا مش موجودين..."
زينب وضعت الأكياس على الطاولة بسرعة:
"مين ده وإزاي دخل أصلا؟"
عمر:
"من منظمة أيروس... كان موجود هنا وهددني."
زينب وضعت يدها على فمها بصدمة:
"يا نهار أسود... هما كمان وصلوا لبيتنا."
اقترب حسن، وعلى وجهه علامات القلق:
"هددك بإيه؟"
مدّ عمر يده واعطى الصورة لحسن.
عمر:
"قالي إن أي حد حواليا مُستهدف... وإن لو حاولت أكمل، هيكون مصيري زي أبويا."
حسن نظر للصورة، وتسائل:
"مين اللي معاك في الصورة ده؟"
عمر بصوت هادئ فيه حزن:
"ده دكتور يوسف... كان صديق بابا الله يرحمه."
زينب:
"الناس دي لازم توقف عن حدها!"
عمر جلس مرة أخرى، وقال:
"الموضوع ده كل مرة يتعقد أكتر من اللي قبلها، بس هما يعرفوا دكتور يوسف منين؟ وكمان عرفوا منين انه ناوي يساعدني؟"
حسن اقترب وجلس أمام عمر:
"مش عارف ليه حاسس إن الموضوع مش مراقبة من بعيد... حاسس إن في حد قريب هو اللي بيوصلهم كل حاجة. ولو الإفتراضية دي صح يبقى أي حد هيساعدك هيعرض نفسه للخطر."
زينب بقلق:
"أنا من رأيي يا عمر بعد اللي حصلك قبل كده واللي حصل النهاردة تهدى شوية. انا خايفة عليكي يا ابني."
نهض عمر واتجه مسرعاً الى الباب.
حسن:"رايح فين دلوقتي؟"
عمر: "رايح لدكتور محمود، هاخد منه الورق اللي اديتهوله."
قالها ثم خرج من باب المنزل وترك حسن وزينب معاً.
قال حسن بقلق:"مش عارف ليه مش مطمن لمحمود ده."
قالت زينب: "وماله محمود بس يا حسن. كان صاحب جاد الله يرحمه وكانت روحه فيه. متسيئش الظن بالناس كده بدون دليل، وبعدين هتوجع دماغك بيه دلوقتي ليه ما تخلينا في المصايب دي."
رد عليها حسن بحدة: "إنتِ هتعمليلي زي جاد كنت كل ما أكلم كلمة على محمود يقولي متسيئش الظن بدون بينة! انا مش مطمنله الراجل ده من وقت ما كان قريب من جاد. كان بيتوددله بزيادة وبيتمحلسله كده، بس على رأيك هشغل دماغي بيه ليه دلوقتي، خلينا في اللي احنا فيه، وكل حاجة هتبان في وقتها."
المشهد الثالث:
في مكتب الدكتور محمود، مساءً...
كان المكتب هادئ، أوراق مبعثرة على المكتب، ونور خافت من الأباجورة. محمود كان يكتب بعض الملاحظات حين سمع طرق خفيف على الباب.
محمود وهو يرفع رأسه:
"اتفضل."
دخل عمر، وجهه مشدود ومرهق، لكنه حاول جاهداً أخفاء توتره.
عمر: "مساء الخير يا دكتور."
محمود بإبتسامة خفيفة:
"مساء النور يا ابني، خير؟ شكلك مرهق."
عمر بنبرة جاهد أن تخرج منه طبيعية:
"معلش بس كنت محتاج آخد الورق اللي كنت مديهولك... الورق اللي لقيته في حاجات بابا."
محمود ينهض من كرسيه:
"آه طبعًا... بس أنا كنت لسه بحاول أفهمه أكتر. الحقيقة والدك كان عبقري جداً عشان يكتب معادلات بالصعوبة دي."
اتجه محمود ناحية خزانة صغيرة، اخرج منها ملف مغلق بعناية، واعطاه لعمر.
محمود:
"خده... بس متشتغلش عليه لوحدك، الورق ده فيه شغل معقد جدًا، صعب انك تفهمه بدون مساعدة."
عمر:
"أنا بس حبيت يكون معايا الفترة دي... حسيت إن له قيمة أكبر من مجرد شوية معادلات."
محمود بنبرة فضولية ناعمة:
"ليه؟ حصل حاجة؟"
عمر بهدوء متحفّظ:
"مفيش حاجة مهمة... بس كل ما بشوف حاجات تخص بابا بحس إني لازم احتفظ بيها عشان أعرفه أكتر... زي ما حضرتك عارف انا ملحقتش اعرفه كويس."
محمود نظر له باهتمام:
"الله يرحمه. المهم لو احتجت أي مساعدة في الفهم أو التحليل أنا موجود، والدك كان أكتر من مجرد زميل بالنسبالي."
عمر أخذ الملف وهو يقول:
"شكراً جداً لحضرتك يادكتور."
هز محمود رأسه بابتسامة، وهو يرى عمر يخرج من المكتب. عندما أُغلق الباب ، تبدلت ملامح محمود. وسحب هاتفه من الدرج، وكتب رسالة قصيرة:
"عمر بدأ يتحرك... استلم المعادلات دلوقتي مني، وشكله لقى الجزء الناقص منها. أنا مش متأكد بس حاسس بكده."
المشهد الرابع:
بمنتصف الليل فتح عمر باب منزل والده بصوت خافت، وكان الهواء الداخل محملًا برائحة الذكريات القديمة. دخل بخطوات حذرة وسط الظلام، مستعينًا بضوء كشاف صغير من هاتفه.
مرت عينه على الصور المعلقة، والأثاث الذي غطّته طبقة غبار كثيفة.
اجتاحته ذكريات طفولته القصيرة في هذا المنزل.
قال بصوت متهدج: "الله يرحمكم يا حبايبي، وحشتوني أوي."
تقدم نحو غرفة المكتب التي اعتاد والده العمل بها، حيث المكتب الخشبي الكبير الملاصق للنافذة.
توقف أمامها، قلبه ينبض بسرعة.
عمر قال بهمس لنفسه:
"قال في الرسالة... الدرج التاني من تحت، في المكتب اللي جنب الشباك..."
انحنى وفتح الدرج الثاني من الأسفل، لكنه كان مغلق.
أخرج الظرف القديم من جيبه ببطء، فتحه مرة أخرى، واخرج منه المفتاح الصغير الذي كان بداخله، كما ورد في الرسالة.
أدخل المفتاح في القفل... وأدار بحذر... فتح الدرج.
وجد بداخله ملف قديم، عليه بقعة باهتة من الحبر، وداخله ورقة واحدة فقط.
كانت الورقة مختلفة، مليئة بمعادلات وجُمل مشفّرة.
عمر وهو يتأمل الورقة:
"هو ده... هو ده الجزء الناقص."
تأمل المعادلات لثوانٍ قبل أن يعيد الورقة إلى الملف. لكن شيئًا في الجو حوله تغيّر... شعر كأن هناك من يراقبه.
نظر إلى النافذة... ظلام تام.
في الخارج – على سطح أحد المباني المقابلة
عدسة تلسكوبية تتابعه عن قرب، من خلال فتحة ستارة بسيطة لم يلحظها عمر.
صوت عبر اللاسلكي:
"تمام... استلم الملف. ابدأ بالتحرك دلوقتي؟"
صوت آخر، بارد ومتحكم:
"مش دلوقتي... استنى أوامري."
في الداخل – عمر أغلق الدرج، وخرج من الغرفة دون أن يدري أنه مراقب.
وقف عمر للحظة، ممسكاً بالملف، وشعر بأن قلبه يدق بسرعة.
أخذ تليفونه واتصل بكريم، صديقه المقرب.
كريم عبر الهاتف:
"عمر؟ فينك يابني؟ كنت لسة هكلمك."
عمر بصوت منخفض:
"اسمعني كويس، استناني تحت بيتك، نص ساعة بالكتير وهجيلك."
كريم:
"فيه حاجة ولا ايه؟ صوتك مش طبيعي."
عمر:
"هقولك كل حاجة لما أجيلك. استناني تحت انت بس."
أغلق عمر المكالمة بسرعة، وضع التليفون في جيبه، وأخذ نفس عميق قبل خروجه من البيت.
نزل عمر من المنزل، وعيناه تتنقلان بحذر حوله.
على الجانب الآخر من الشارع، كان الشخص الذي يراقب عمر واقفًا، يرفع تليفونه على أذنه بهدوء.
الشخص الأخر عبر الهاتف:
"نفذ."
ثم أغلق الشخص الهاتف وأعاد النظر إلى عمر، وهو اختفي سريعًا في الظلال.
وصل عمر إلى الشارع الذي يقع فيه منزل كريم. رآه واقفًا أمام الباب، فاقترب منه بسرعة وأخرج الملف من جيبه.
عمر، وهو يمد يده بالملف إلى كريم: "خد الملف ده، خليه عندك وأوعى يضيع منك."
كريم، وهو يأخذ الملف بجدية: "ماتقلقش، هحافظ عليه زي عينيا. بس هو الملف ده فيه ايه؟"
عمر، مبتسمًا: "هقولك بعدين، المهم حافظ عليه."
كريم: "حاضر والله متقلقش."
تركه عمر وبينما كان يسير في الشارع، فجأة، ظهرت سيارة مسرعة بشكل مفاجئ. لم يكن لديه الوقت الكافي للابتعاد. صدمته السيارة بقوة، فسقط على الأرض بقوة فاقدًا الوعي، وبدأ ينزف من رأسه وفمه بغزارة.
سمع كريم صوت مكابح السيارة، فركض نحو مصدر الصوت. تجمهر عدد من الناس في المكان، فاندفع وبينهم.
كريم، وهو يركض متسائلًا:"في ايه؟!"
أحد المتجمهرين، مشيرًا إلى مكان الحادثة: "حصلت حادثة، واحد خبطته عربية."
كريم، وهو يلتقط أنفاسه وقد رأى عمر ملقى على الأرض: "ده عمر!"
سارع كريم بالانحناء إلى جانب عمر، وهو يهز جسده محاولاً إفاقته: "عمر! افتح عينيك، يا عمر!"
أحد الأشخاص، وهو يحاول تقديم المساعدة: "ياجماعة حد يطلب الإسعاف، الراجل بيتصفى."
قام بعض الأشخاص من الحاضرين بحمل عمر بحذر، وهو فاقد الوعي، وركضوا به نحو إحدى سيارات الأجرة بأسرع ما يمكن. كان كريم في المقدمة، قلقًا بشدة على حالته، وهو يردد في نفسه: "استر يارب."