كود واحد في المئة - الفصل السابع: - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: كود واحد في المئة
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السابع:

الفصل السابع:

المشهد الاول: عندما وصل عمر إلى المنزل، كان يشعر بثقل ما مر به. في الطريق من مديرية الأمن إلى هنا، لم تتركه مشاعر القلق، ولا الهواجس التي كانت ترافقه. دخل من الباب بهدوء، وكانت زينب وحسن في الصالة، ينتظران بفارغ الصبر أن يعرفوا إن كان قد أبلغ السُلطات أم لا. زينب كانت تراقب عمر بنظرات مليئة بالقلق، بينما كان حسن جالسًا في أقصى طرف الصالة، مستعدًا لسماع أي جديد. سألته زينب بصوت هادئ: "عمر، بلغت الحكومة زي ماقولت مش كده؟" أجاب عمر بسخرية وهو يخرج هاتفه من جيبه: "أومال طبعاً... بس فيه حاجة مهمة لازم تسمعوها معايا الأول." أمسك عمر الهاتف وضغط على زر تشغيل المكالمة التي حدثت قبل قليل. ساد الصمت بينما استمع الجميع إلى الصوت الذي جاء من الطرف الآخر. "حاول تخطي بس خطوة لباب المديرية، وهتشوف هيحصل إيه... طلقة واحدة في قلبك... طاخ، وكل حاجة تنتهي معاك للأبد... متبقاش غبي زي والدك يا دكتور." كانت كلمات الصوت مخيفة وواضحة، لا مجال للشك في تهديداته. كأنها كانت تذكيرًا بأنهم مراقبون في كل لحظة. زينب كان وجهها مشدودًا، بينما تغيرت ملامح حسن، الذي نظر إلى عمر وقال: "يعني كان عندهم استعداد ينفذوا المرة دي." عمر، الذي كان لا يزال ممسكاً بالهاتف، قال: " كده إحنا بقينا تحت المجهر بالنسبالهم، كل حركة هنعملها هيعرفوها." حسن شد على يديه وقال بحزم: "يبقى لازم نتحرك بسرية، ونكون جاهزين لأي تبعات نتيجة التحرك ده." زينب هزت رأسها وقالت: "بس نتحرك ازاي؟ الوضع كده بقى خطر علينا كلنا." نظر عمر إلى الظرف في يده، ثم قال: "أهم حاجة دلوقتي نعرف هنعمل ايه. انا حاسس كل نفس بيخرج مننا متراقب. وكل لحظة تأخير ممكن تكلفنا حياتنا. أو تكلف ناس تانية حياتهم." قال حسن وهو ينظر له بجدية: "طالما احنا متراقبين يا عمر، يبقى مينفعش نعمل أي حركة ممكن تلفت نظرهم اليومين دول." نظر له عمر في صمت، فتابع حسن: "إنت بقالك كام يوم مش بتروح الجامعة، وده أكيد لفت نظرهم. من بكرا ترجع الكلية تاني، وتعيش يومك كأن مفيش حاجة حصلت. نمارس حياتنا الطبيعية، لحد ما نلاقي حل نتحرك بيه من غير ما نحط نفسنا في خطر." تدخلت زينب بصوت خافت: "بس كده كأننا بنستسلم، مينفعش نفضل مستنيين!" رد حسن بهدوء: "مبنستسلمش، إحنا بنفكر بالعقل. اللي بيواجه تنظيم بالحجم ده، لازم يتحرك بحذر. حركة واحدة غلط هتوقعنا كلنا." سحب عمر نفسًا عميقًا، ثم قال: "ماشي، هروح الجامعة من بكرا. بس ده مش معناه إننا نسكت. أنا عن نفسي هفضل أدور على أي ثغرة أو وسيلة نفضحهم بيها… بس من غير ما نموت قبلها." هز حسن رأسه بالموافقة، بينما ساد الصمت المشحون بالتوتر داخل المكان. المشهد الثاني: في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد بدأت تُلقي بخيوطها الذهبية على مباني الجامعة، والطلاب يتحركون في باحاتها المزدحمة. دخل عمر من البوابة الرئيسية بخطى هادئة، يحاول أن يبدو طبيعيًا قدر الإمكان، رغم التوتر الذي يسكن عينيه. وبينما كان يسير في اتجاه الكلية، سمع صوتًا مألوفًا يناديه بحماسة: "إيه يا ابني! عاش من شافك! كل ده غياب!" التفت عمر فوجد كريم، صديقه المقرب، يقترب منه بابتسامة واسعة. ابتسم عمر بخفة وقال: "والله ظروف… شوية حاجات كده حصلت عطلتني." ضحك كريم وهو يربت على كتفه: "ظروف إيه يا عم؟ ده أنا قولت إنك اتخطفت ولا هاجرت! كان فاضلي تكة وأنزل صورك وأقول مفقود!" ضحك عمر بخفوت، بينما قال كريم: "يلا بينا بقى نروح المدرج، الدكتور يوسف بدأ المحاضرة وهيطردنا لو دخلنا متأخرين." أومأ عمر وتابع السير بجانبه، بينما ذهنه كان في مكانٍ آخر تمامًا… بعيدًا عن جدران الجامعة، قريبًا من كل ما كشفه السي دي. المشهد الثالث: دخل عمر المدرج الواسع متسللًا إلى أحد المقاعد في الصفوف الجانبية، بينما كان الدكتور يوسف واقفًا على المنصة، يتصفح أوراق الحضور بعينيه الدقيقتين. مرّت لحظات من الصمت النسبي، قبل أن ينطق الدكتور يوسف بإسمٍ لفت انتباهه: "عمر جاد إسماعيل الراوي؟" رفع عمر رأسه وردّ بنبرة واضحة: "نعم، أنا." توقفت عينا الدكتور يوسف على وجهه للحظة، بدا وكأنه يحاول تمييز ملامحه… تلك العيون، شيء ما فيها يذكّره بصديقه القديم. لم يقل شيئًا، واكتفى بالنظر إليه لبضع ثوانٍ، ثم تنحنح وأكمل قراءة باقي الأسماء، وبدأ في الشرح دون أن يُعلّق. مع نهاية المحاضرة، وبينما بدأ الطلاب يتدفقون خارج المدرج، جمع عمر أوراقه وهمّ بالخروج، لكنه سمع صوت الدكتور يوسف يناديه: "يا عمر… استنى لحظة." توقف عمر والتفت إليه، فتقدم الدكتور بضع خطوات ونظر إليه بابتسامة ممزوجة بشيء من الحنين: "إنت ابن الدكتور جاد الراوي مش كده؟" تفاجأ عمر قليلًا، لكنه قال بهدوء: "أيوه… حضرتك كنت تعرفه؟" أومأ الدكتور يوسف وقال بصوت خافت: "كان أكتر من مجرد صديق ليا…والدك كان راجل عبقري، بس اللي حصل معاه كان صعب على أي حد انه يتحمله." نظر إليه عمر بترقّب: "حضرتك تعرف إيه بالظبط؟" نظر الدكتور حوله ثم قال: "استنى شويه … بعد ما الطلبة يمشوا عشان نعرف نتكلم براحتنا. في حاجات لازم تعرفها." بعد خروج الطلاب واحدًا تلو الآخر من القاعة، بقي عمر في مكانه كما طلب الدكتور يوسف ثم ذهبوا معاً لمكتبه الخاص. نظر إلى عمر بنظرة امتزج فيها الحنين بالحذر وقال هو يشير بيده إلى الكرسي المقابل له: "اقعد يا عمر." جلس عمر بصمت، وبدت على وجهه علامات التوتر والارتباك. ابتسم الدكتور يوسف ابتسامة خفيفة وقال: "أنا كنت صديق قديم لوالدك... اتعرفنا على بعض في مؤتمر علمي في أمريكا من سنين طويلة، ومن ساعتها بقينا قريبين جدًا." نظر عمر إليه بدهشة ف تابع دكتور يوسف: "كنت بعزه جدًا، وكان بالنسبالي أخ مش مجرد صديق وبس. كان راجل مثالي وأخلاقه مكانتش بتتغير حتى وسط كل اللي حواليه اللي كانوا بيسعوا للسُلطة والفلوس، هو كان دايمًا بيدور على الحقيقة والعلم والمنفعة العامة للناس." سكت لحظة، ثم أخرج من درج مكتبه ظرفًا صغيرًا يبدو عليه القِدم. "قبل ما والدك يتوفى بأيام، أداني الظرف ده... قالي أديهولك لما أشوفك في يوم من الأيام، وخصوصًا لو حصلت حاجات غريبة حواليك." مدّ الظرف نحو عمر، وقال: "مفهمتش وقتها كان يقصد إيه... بس واضح إنك اتورطت في حاجة كبيرة، صح؟" أخذ عمر الظرف ببطء، وهو يشعر بانقباض خفيف في قلبه. نظر للدكتور يوسف وسأله: "هو قالك حاجة تانية غير كده؟" رد دكتور يوسف: "لا... بس كلماته الأخيرة ليا كانت: لو حصلي حاجة، ابني هيكمل اللي أنا بدأته... بس هيكون لوحده لفترة." فتح عمر الظرف ببطء، وكانت يداه ترتجفان. وجد داخله ورقة قديمة ومفتاح معدني صغير. فتح الورقة وقرأ بصوت خافت: "عزيزي عمر... لو بتقرا الرسالة دي، يبقى انا تمت تصفيتي، ويبقى انت وصلت لجزء من الحقيقة… لكن لسه المشوار طويل. أنا مكنتش بس باحث، كنت أب طموح… وكنت شايفك الأمل الوحيد اللي ممكن يصلح اللي أنا بدأته. المفتاح اللي مع الرسالة هيفتح درج في مكتبي، الدرج التاني من تحت في المكتب اللي جنب الشباك. جوه الدرج ده هتلاقي حاجة محدش يعرفها غيري أنا، وهي الجزء الناقص من المعادلة… الجزء اللي بيكشف نقطة ضعفهم الوحيدة. لو وصلتله، هتفهم ليه هما مُصرين يمنعوك من أي تحرك تاخده ضدهم. بس خلي بالك… لأنهم أول ما يعرفوا إنك قربت من النقطة دي، هيبقوا مستعدين يعملوا أي حاجة يوقفوك بيها... وافتكر دايمًا: هما بيملكوا القوة… بس إنت لوحدك اللي معاك الحقيقة، والسلاح اللي يوقفهم." ارتفع نظر عمر من الورقة، والمفتاح لا يزال في يده. قال الدكتور يوسف بهدوء: "أنا عمري ما فتحت الدرج ده ولا أعرف فيه ايه… بس والدك قالي إن اللي جواه مش لازم يوصل لأي حد تاني غيرك." عمر ابتلع ريقه وقال: "جزء ناقص من المعادلة؟ طب والورق اللي لقيته واديته للدكتور محمود كان ايه؟ وازاي ده هيوقفهم؟ دا مش سلاح هحارب بيه." دكتور يوسف: "ممكن يكون فعلاً سلاح يوقفهم… والدك قال دي نقطة ضعفهم الوحيدة، يعني نهايتهم تماماً." وقف عمر والمفتاح لا يزال بين أصابعه. نظر إلى الدكتور يوسف وقال بنبرة مترددة: "يعني حضرتك شايف إن اللي بابا قاله ده هو اللي هيكمل الصورة؟" ابتسم الدكتور يوسف ابتسامة خفيفة، وكأنه يثق في شيء لا يراه غيره: "مش بس هيكمل الصورة… ده ممكن يكون الحاجة الوحيدة اللي هتفهمك والدك كان بيعمل إيه فعلًا. انت قولت إنك سلمت نسخة من الورق للدكتور محمود، مش كده؟" عمر: "أيوة، الورق اللي لقيته في شنطة والدي... كله كان معادلات ورموز، أنا ذات نفسي مفهمتش منها حاجة." أومأ الدكتور يوسف برأسه وقال: "أنا كنت شوفت الورق ده زمان… بس كان ناقص. لما والدك ورّاهولي من سنين، قالي إن في جزء تاني مخبيه لحد ما يجي وقته، وإن مفيش حد يعرف مكانه غيره." عمر: "يعني الورق اللي مع دكتور محمود ناقص؟" دكتور يوسف: "بالظبط. الجزء اللي مع محمود هو الواجهة... بس اللي في الدرج هو القلب الحقيقي للمعادلة." قال عمر بحزن: "أنا مروحتش هناك من ساعة اللي حصل، دخول البيت ده بالنسبالي حاجة مش هينة أبداً... شكراً لحضرتك يادكتور." وضع المفتاح في جيبه، والتفت ليغادر المكتب، لكن الدكتور يوسف استوقفه: "خلي بالك يا عمر… بمجرد ما تفتح الدرج ده، كل حاجة هتتغير." ابتسم عمر بسخرية خفيفة: "هي لسه ما اتغيرتش؟! يعني أبويا وأمي اتقتلوا، وانا بتهدد بالقتل في كل خطوة، والمصايب السودة اللي انا عرفتها، وكل ده ومتغيرتش؟! سلام يادكتور." ثم خرج من المكتب، وخطواته تزداد ثقلًا… وهو يعلم أن القادم لن يكون سهلًا.