الفصل السادس:
المشهد الاول:
دخل عمر إلى غرفته بهدوء، أغلق الباب خلفه، ثم توجه مباشرة إلى مكتبه. قلبه كان ينبض بسرعة، وعقله مليء بالأسئلة. لم يكن متأكدًا تمامًا مما سيراه، لكنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستكون حاسمة. جلب اللابتوب ووصل الجهاز الذي أخذه من البنك بهدوء ثم وضع السي دي داخله.
ظهرت على الشاشة رسالة تطلب بصمته البيولوجية لتأكيد الهوية. كانت يده ترتجف وهو يضع إصبعه على الجهاز. بعد لحظات، سمع صوتًا خفيفًا يشير إلى التحقق من البصمة، ثم بدأت الملفات تظهر على الشاشة.
في البداية، ظهرت مجموعة من الملفات الطبية. كل ملف كان يحتوي على أبحاث عن أشخاص أصيبوا بمرض عصبي يُسمى "سيبرافيا (Cebraphia)". لكن بعد أن قرأ التفاصيل، اكتشف أن المرض لم يكن إلا ستارًا لتجربة أكبر. كان المرض مجرد وسيلة لتهيئة الدماغ للتوافق مع ترددات معينة، مما يسمح بتحميل الوعي البشري على أنظمة رقمية.
أتسعت عينيه وهو يقرأ، متمتمًا: "ياحلاوة... ده مش مرض، ده تجربة بشرية."
ثم فتح ملفًا آخر، وظهر عنوان "المشروع أوريون-9". شرح مفصل يوضح أن الهدف من المشروع كان تحويل وعي البشر إلى بيانات رقمية، ليعيشوا تحت سيطرة المنظمة المسماة "أيروس". كانت المنظمة تسعى لرقمنة البشر كوسيلة لتحقيق التحكم المطلق في عقولهم.
"رقمنة الإنسان؟! إيه الهبل ده؟!" قالها عمر وعقله غير قادر على استيعاب ما يراه.
فتح ملفًا ثالثًا، ليكتشف أن جاد والده، كان هو القائد الأساسي للمشروع. كان هو من بدأ التجربة الأولى، لكنه اكتشف فيما بعد أن المشروع لا علاقة له بالعلاج، بل كان هدفه تحويل الوعي البشري إلى بيانات قابلة للتحميل.
فزع عمر، وعينيه تمتلئان بالدهشة: "بابا كان جزء من ده كله؟"
ثم ظهر أمامه ملف بعنوان "تقرير جاد النهائي". بدأ يقرأه بتركيز، ليكتشف أن والده كان يعرف أنه سيكون هدفًا للاغتيال بسبب رفضه استكمال المشروع. والده، الذي شعر بنهايته قريبًا، قرر إخفاء كل هذه المعلومات في الملف، وأوصى عمر بالبحث عنها إن علم بالأمر. كانت كلماته تكشف عن تهديدات المنظمة له، وكيف قرر أن يترك له دليلًا يكشفهم.
"يعني قتلوا أبويا عشان رفض يكمل معاهم؟! أه ياولاد ال***." همس عمر بغضب.
ثم انتقل لفتح ملف صوتي. كانت المحادثة بين قادة المنظمة. صوت القادة كان جافًا وقاسيًا، وهم يناقشون خططهم للتوسع في المشروع والسيطرة على البشر.
"المرحلة التالية هي اختراق الدماغ البشري وتوجيه الأفكار حسب إرادتنا. سيكون كل شيء تحت سيطرتنا إن تم الأمر." قال أحدهم في التسجيل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما وجد عمر اسمه في قائمة بأسماء الأشخاص المطلوبين للتجربة الثانية. المنظمة كانت تنوي استخدامه في تلك التجربة.
"كانوا عايزين يعملوا عليا التجربة؟! يخربيوتكم." كانت كلمات عمر تخرج بصوت مكتوم، كانت صدمة لم يكن قادرًا على إستيعابها بعد.
وأخيرًا، ظهر المقطع الصوتي الأخير. كانت رسالة من والده جاد، يقول فيها:
"لو وصلت للفيديو ده ياعمر، اعرف إنك مش مجرد شاهد… إنت المفتاح اللي هيفتح كل أسرارهم ويكشفها، كان نفسي أحميك منهم يا ابني، بس سامحني إني ورطتك كده."
توقف عمر للحظة، وهو يعيد تشغيل الرسالة في عقله. "المفتاح؟" تساءل في نفسه، وكأن كلمة والده كانت تحمل في طياتها عبئًا ثقيلًا. كان يدرك أن ما اكتشفه الآن أكبر من أي شيء كان يتخيله. لا يزال أمامه الكثير من الأسئلة التي تحتاج إجابات.
أغلق عمر اللابتوب ببطء، وكان قلبه ينبض بسرعة أكبر من أي وقت مضى. نظر إلى الشاشة الفارغة لفترة، ثم همس بصوت خافت وهو يشعر بصدمة شديدة:
"يانهار أسود ومنيل... ده ولا أفلام الخيال العلمي."
كان يعرف الآن أنه لا يمكنه التراجع. إنه ليس مجرد شاهد على ما حدث، بل هو جزء من خطة أكبر بكثير مما كان يمكنه تخيله.
بعدما استعادت يده القدرة على الحركة، بدأ عمر يطبع كل المعلومات التي اكتشفها من السي دي. عيناه تتابع الشاشة بسرعة وهو يختار الملفات الهامة ويجمع الأدلة.
نقر بأصابعه على لوحة المفاتيح، وكتب عنوان الملف: "كود1%".
"الملف ده لازم يوصل للحكومة. أنا مش هقدر أواجه كل ده لوحدي."، همس وهو يضغط على زر الطباعة. أدرك أن هذا ليس مجرد ملف، بل هو بداية كشف للعديد من الأسرار التي قد تغير مجرى الأحداث وهو سيكون غير قادر على مواجهة كل هذا وحده.
أخذ الورق المطبوع ووضعه في ظرف مغلق.
المشهد الثاني:
خرج عمر من غرفته، وكان قلبه ينبض بسرعة. توجه نحو الصالة حيث كان حسن وزينب جالسين، يبدو على وجوههما القلق والترقب. اقترب من حسن وسلمه الظرف المغلق، بينما كانت زينب تراقبهم بصمت.
عمر: "ده اللي عرفته عن الموضوع. لازم تشوفوه قبل ما أتصرف."
حسن رفع حاجبه وهو يطالع الظرف وبدأ يفتحه بحذر. بينما كانت زينب تنظر إليهم بتركيز شديد.
حسن بدهشة: "إيه ده؟! دول مافيا بقى."
زينب: "يعني إيه؟ في إيه يا حسن؟"
حسن رفع عينيه عن الأوراق وركّز نظره على عمر، قائلاً بجدية: "اللي اتوقعته من البداية كان صح. المنظمة ورا كل ده... كانوا بيخططوا لعملية تغيير للبشرية كاملة. يعني تحويل العقل البشري لبيانات يقدروا يتحكموا فيها. ده مش مجرد بحث علمي، دي مؤامرة ضخمة على ناس كتير هيروحوا ضحية الموضوع ده."
عمر: "اللي حصل ده مش صدفة. أنا كنت من ضمن خطتهم ياعمي... كانوا عايزين يستخدموني في تجربتهم، المرة اللي فاتت قتلوا أبويا عشان رفض يكون معاهم وأكيد كان على علم بإنهم ناوين يستخدموني. بس المرة دي مش هيسمحوا لحد يوقفهم."
حسن تنهد وهو يطالع الأوراق مجددًا، ثم نظر إلى عمر بعينين مليئتين بالقلق: "الموضوع مش سهل. لازم نفكر هنتصرف ازاي."
عمر نظر إلى حسن وزينب، ثم قال بحزم:"مافيهاش تفكير، خلصت خلاص. أنا طبعت المستندات دي وهروح بيها لمديرية الأمن. لازم يعرفوا كل حاجة."
حسن رفع رأسه من الأوراق وقال بقلق: "يا عمر الحكاية مش بسيطة كده وإلا أبوك مكانش غُلب. إنت كده ممكن تعرض حياتك للخطر، المرة دي كانت تهديد المرة الجاية ممكن ينفذوا."
زينب، التي كانت تراقب بصمت، تحدثت بصوت قلق: "لكن لو كل ده صح، يبقى لازم نتصرف بسرعة زي ما عمر قال، ودي فرصتنا الوحيدة."
عمر بعيون مليئة بالعزم قال: "مفيش وقت للمناقشات دي. لو متحركناش دلوقتي، هيحصل لناس تانية زي ما حصل لابويا وامي. وأنا مش هسيبهم يكملوا خطتهم."
عمر أخذ الظرف من على الطاولة، ثم سحب سترته من على الكرسي بسرعة. نظر إلى حسن وزينب للحظة، ثم قال: "دي حياة ناس، ولو كل واحد سكت عن اللي بيحصل مافيش حد هيقدر يوقفهم."
حسن حاول يتكلم، لكن عمر كان بالفعل في طريقه نحو الباب، وخرج بسرعة من الشقة دون أن ينظر خلفه.
المشهد الثالث:
عمر نزل من سيارة الاجرة أمام مديرية الأمن، كان عقله مشغول بالأوراق التي بالظرف، لكنه لم يكن يعرف أن اللحظات القادمة ستكون مليئة بالتهديدات. قبل ما يخطو خطوة تجاه المدخل، رن هاتفه فجأة.
عمر: "ألو؟"
الصوت: "بص وراك."
فجأة، استدار عمر بسرعة، ليجد نقطة ليزر حمراء مشعة على صدره، وعلى الفور شعر بأن حياته مهددة.
الصوت استمر: "حاول تخطي بس خطوة لباب المديرية، وهتشوف هيحصل إيه... طلقة واحدة في قلبك... طاخ، وكل حاجة تنتهي معاك للأبد... متبقاش غبي زي والدك يا دكتور."
ثم أُغلق الخط فجأة.
نظر عمر إلى مصدر النقطة الحمراء بعينيه، ليكتشف أنه قناص يترصده من مكان بعيد. الفكرة كانت واضحة الآن، هذا ليس تهديدًا عابرًا بل استعداد لتنفيذ حقيقي.
عمر تنفس بعمق وأخذ خطوة للوراء. كان عليه أن يتراجع الآن، لم يكن هناك مجال للمغامرة. بدأ يمشي ببطء، وعينيه تراقب المكان من حوله بحذر شديد، موجهًا بصره نحو الطريق الذي كان عليه أن يسلكه في طريق العودة إلى المنزل.