الفصل 28
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
كانت تجلس أمام تسريحة شعرها بعد حمام دافئ أعاد إلى جسدها شيئًا من الحياة التي خذلتها طوال اليوم. البخار ما يزال عالقًا في أطراف الغرفة كستارٍ شفيف، والمرآة مغبّشة قليلًا إلا من مساحة دائرية مسحتها بكفّها لتُبصر انعكاسها بوضوح.
انسدل شعرها الأسود الطويل فوق كتفيها بلمعانٍ حريري، ثقيلًا جميلا . مررت المشط الخشبي ببطء، بخط مستقيم يبدأ من القمة وينتهي عند أطرافٍ تعتني بها كما تعتني بأسرارها. كانت تبتسم لنفسها، ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من الزهو الطفولي… كم تعشق شعرها. تعتني به ككنزٍ لا يُمسّ، تبدع في تصفيفه كما تبدع في ترتيب أفكارها، وتفخر بطوله وكثافته وكأنه تاجها الخفي الذي لا يراه الجميع.
مالت قليلًا لتتفحص أطرافه، تلمسها بحنانٍ هادئ، وحين تحركت أناملها انعكس الضوء فجأة على ومضةٍ حمراء داكنة بين أصابعها.
توقفت.
حدّقت في الخاتم.
الأحمر الملكي كان يلتقط الضوء ويعيده بوهجٍ عميق، كجمرةٍ صغيرة مستقرة في يدها. الخاتم ذاته الذي لم تنزعه منذ أن ألبسها إياه. لم تفكر حتى في خلعه… كأنه وجد مكانه الطبيعي، وكأن أصابعها خُلقت لتحتضنه.
مررت إبهامها فوق الحجر بخفة، وتذكرت كلماته حين قال إن لونه يذكره بخدودها عندما تخجل. ابتسمت دون وعي، واتسعت ابتسامتها قليلًا.
دقّ الباب فجأة.
رفعت رأسها نحو الصوت، وقبل أن تنطق جاءها صوته من خلف الخشب، هادئًا، منخفضًا، يحمل تلك النبرة التي لا يستخدمها إلا معها.
— هل تسمحين لي بالدخول يا بيكينيا ميا؟
ارتسمت ابتسامة أوسع على شفتيها. رغم أنه يملك هذا المكان كله، ورغم قدرته على الدخول دون استئذان… لا يزال يطرق بابها وينتظر كلمتها. يعاملها وكأنها أميرة في جناحها، لا أسيرة في قصره.
اعتدلت في جلستها، وأزاحت شعرها خلف كتفيها محاولة إخفاء توهج خديها.
— تفضل.
انفتح الباب ببطء، ودخل بخطوات هادئة. توقف عند العتبة لثوانٍ، وكأن المشهد أمامه يستحق صمتًا قصيرًا. شعرها الأسود منسدل كستارٍ ليلي، بشرتها متوهجة بعد الحمام، والخاتم الأحمر يلمع بوضوح في يدها.
أغلق الباب خلفه دون أن يبعد عينيه عنها.
— أرى أنني قاطعت لحظة خاصة.
رفعت حاجبها بخفة، وعادت تمسك المشط بثقة متعمدة.
— نعم، بالفعل.
ابتسم، واقترب حتى وقف خلفها مباشرة، يراها عبر المرآة . عيناه تستقران على انعكاسها، كأنه يتأمل لوحة فنية، مد يده ببطء، لكن أنامله توقفت قبل أن تلامس شعرها، اقتربت فقط…
— صريحة جدًا.
تسارعت دقات قلبها قليلًا، لكنها تماسكت.ولتتفادا الإحراج قالت وهي ترفع يدها.
— أنظر… لازلت أرتديه.
انخفضت عيناه نحو يدها، ورأى الخاتم في مكانه. لم يخفِ اللمعة التي عبرت نظرته، لم تكن فخرًا… بل رضا هادئًا.
— لم أشك لحظة أنك سترتدينه.
نظرت إليه عبر المرآة بفضولٍ ناعم.
— ولماذا كنت واثقًا إلى هذا الحد؟
اقترب نصف خطوة، صوته انخفض لكنه بقي ثابتًا.
— لأنك لا تحتفظين بشيء لا يعني لك شيئًا.
سكنت لحظة. كلماته لم تكن عابرة، أصابت موضعًا عميقًا داخلها. عادت تمشط شعرها محاولة إخفاء ارتباكها، لكنه لاحظ احمرار وجنتيها بوضوح.
مال قليلًا، ابتسامته تميل إلى المشاكسة.
— خدودك فضحتك… إحمرت كحبة طماطم.
ازدادت تورّدًا رغمًا عنها، وأدارت وجهها جانبًا.
— ليس من شأنك.
ضحك بخفة، ثم قال بنبرة أهدأ:
— هل يمكنني؟
توقفت أناملها في الهواء.
— ماذا؟
لم يبتعد، فقط اقترب بما يكفي لتشعر بدفء حضوره دون أن يلامسها.
— دعيني.
أخذ المشط من يدها برفق، وانزلقت أسنانه الخشبية عبر خصلاتها ببطء غير متوقع. لم يكن مستعجلًا، ولم يكن مرتبكًا… كان يسرحه بحنانٍ يشبه العناية بشيءٍ نادر يخشى خدشه.
حبست أنفاسها، تراقب انعكاسه في المرآة. تركيزه الصامت، طريقته الدقيقة، كيف يقسم الخصلات بأصابعه أولًا ثم يمرر المشط بانسيابية طويلة حتى النهاية.
— لم أكن أعلم أنك تجيد هذا.
ابتسم بخفوت.
— هناك أشياء كثيرة لا تعلمينها عني.
مرر المشط مرة أخرى، أطول هذه المرة، حتى انسدل شعرها بنعومة كاملة على ظهرها كستارٍ ليلي لامع. رفع الخصلات قليلًا بيده، ثم تركها تسقط بانسيابٍ بطيء، متعمد.
ثم أخرج من جيبه علبة سوداء أنيقة. فتحها أمام انعكاسها.
اتسعت عيناها.
داخلها فيونكة فاخرة من الساتان الأسود، يتوسطها شعار ذهبي صغير لدار Chanel يلمع برقيٍ واضح.
— ما هذا؟
أجاب بهدوء وهو يخرجها بعناية:
— شيء يليق بشعرك.
جمع جزءًا من خصلاتها الخلفية بخفة، احتواها ليثبت الفيونكة خلف رأسها بحركة متقنة، بحيث تبرز طول شعرها أكثر وتترك باقيه منسدلًا بحرية.
تأكد من ثباتها بلمسة خفيفة، ثم التقت عيناه بعينيها عبر المرآة.
صوته خرج منخفضًا، وكأنه يعلن نتيجة عملٍ فني.
— الآن… اكتمل التاج.
شعرت بحرارة خفيفة تسري في وجنتيها. رفعت يدها تتحسس الفيونكة بخفة، وكأنها تتحقق من أنها حقيقية.
— أنت تبالغ كثيرًا.
اقترب نصف خطوة أخرى، لكن دون أن يتجاوز مساحتها الخاصة . صوته بقي ناعمًا، متملكا. مليئًا بالاحتواء.
— أبدًا. أنا فقط أحاول أن أعطيك ما تستحقين… الاهتمام الذي يليق بك يا أرنبي الصغير، إن لم أدلل صغيرتي فمن أدلل. أنتي هنا ملكي حتى في مملكتي أصحبتي ملكتي.
مد يده، أمسك بكفها بلطف، رفعها قليلًا نحو شفتيه، وقبّل ظهر يدها قبلة قصيرة، بطيئة.
ثم تركها قبل أن تطول اللحظة أكثر مما ينبغي.
ابتسم لها عبر المرآة، تلك الابتسامة العذبة.
— عليّ أن أذهب الآن إلى العمل. استمتعي بوقتك.
استدار بهدوء، وقبل أن يفتح الباب ألقى عليها نظرة أخيرة، نظرة تحفظ المشهد في ذاكرته، كما تحفظ هي الخاتم في يدها.
وأُغلق الباب.
بقيت تنظر إلى انعكاسها، إلى الفيونكة السوداء، إلى الخاتم الأحمر، إلى خديها المتوردين…
وإلى قلبها الذي يكاد يتوقف من سرعة نبضاته.