الفصل الخامس:
المشهد الاول:
في الصباح الباكر، استيقظ عمر بسرعة، ارتدى ملابسه وخرج من غرفته. عندما خرج إلى الصالة، وجد عمه حسن وزينب جالسين معًا، وكان واضحًا أن عمه لاحظ أنه لم ينم جيدًا.
حسن بقلق: "شكلك لسة منمتش من امبارح! إيه اللي مسهرك؟"
زينب بتساؤل: "مالك يا عمر؟ في ايه يا حبيبي؟"
عمر بصوت هادئ: "مفيش حاجة يا جماعة، بس كنت بفكر في كام حاجة كده."
حسن وهو يرى عليه علامات الإرهاق: "حاجات ايه دي. دا انت مش شايف قدامك اصلا! "
عمر بجدية: "عمي بعيداً عن كل ده... في حاجة عايز أسألك عنها. تعرف مكان الجهاز اللي أبويا صممه عشان يشغل السي دي؟"
حسن بدهشة وحذر: "الجهاز؟ أيوة، عارف مكانه. لكن مش هتقدر توصله بسهولة."
عمر بلهفة: "فين؟ قولي يا عمي."
حسن بتردد: "الجهاز ده في خزنة أمانات في البنك. الخزنة دي بإسم جاد. بس علشان تفتحها، هتحتاج إجراءات رسمية."
عمر بتساؤل: "يعني لازم أروح للبنك وأفتح الخزنة؟"
حسن بجدية: "بالظبط. لكن الموضوع مش سهل زي ماقولتلك. هتحتاج موافقات وإجراءات وليلة زرقة."
زينب بقلق: "يا عمر، الموضوع ده لبش يا ابني، إنت متأكد إنك عايز تكمل فيه؟"
عمر بإصرار: "أيوة يامرات عمي، لازم أعرف الحقيقة... مهما كان اللي هيحصل."
حسن محذراً: "خلي بالك، الموضوع ده مش هين. الناس اللي أنت هتدور وراهم مش بيلعبوا."
عمر: "ولا أنا ياعمي."
المشهد التاني:
بعد أن انتهى عمر من حديثه مع عمه حسن، خرج من البيت متوجهًا إلى الشارع. خطواته كانت سريعة وكان ذهنه مشغول بأفكار كثيرة. لكن دون أن يشعر، كان هناك شخص يراقب كل تحركاته عن كثب. هذا الشخص لم يتركه يذهب بعيدًا، بل بدأ يتبع خطواته بخفة.
وفي نفس الوقت، كان ذلك الشخص يرسل رسائل سريعة عبر هاتفه المحمول إلى الدكتور محمود، مُبلغًا عن كل خطوة يخطوها عمر.
الشخص وهو يكتب على الهاتف: "عمر طلع من البيت دلوقتي... رايح ناحية الشارع الرئيسي. انا مراقبه خطوة بخطوة زي ما حضرتك أمرت."
وصل عمر إلى مبنى البنك بعد أن أتم جميع الإجراءات اللازمة وأخذ التصاريح التي سمحت له بالدخول. توجه مباشرة إلى الموظف المسؤول عن فتح الخزائن. كانت كل الأمور معدة لتنفيذ خطته والوصول إلى الخزنة التي تحتوي على الجهاز. لكنه لم يكن وحيدًا، فقد كان هنالك شخص يراقب كل تحركاته.
عمر وهو يتحدث إلى الموظف: "لو سمحت، عايز أفتح خزنة أمانات عندكم بإسم جاد اسماعيل الراوي، أنا ابنه."
الموظف بإبتسامة هادئة: "تمام يافندم، من فضلك بس أنتظرني هنا لحد ما أجيب المفتاح."
عمر بتنهيدة: "مفيش مشكلة، خد وقتك."
بينما كان الموظف يذهب لإحضار المفتاح، كانت عيون عمر تدور في المكان حوله. شعر بشيء غير مريح، وكأن هنالك أحد يراقب تحركاته، لكن لم يستطع تحديد مكانه.
بعد دقائق، عاد الموظف ومعه المفتاح وذهب هو وعمر لغرفة الخزن.
الموظف وهو يفتح الخزنة: "هي دي الخزنة اللي حضرتك عايزها يافندم."
عمر وهو يتفحص الخزنة: "تمام، شكراً."
أخذ عمر الجهاز من الخزنة ووضعه بحقيبته الخاصة، بينما استمر إحساسه بوجود شخص ما يراقبه، لكنه لم يستطع تحديد مكانه وهويته. كانت تلك اللحظة غامضة، وكأنها بداية لفهم شيء أكبر منه بكثير.
وعلى جانب اخر...
الرجل الذي كان يراقب عمر أخرج هاتفه وأرسل رسالة قصيرة إلى الدكتور محمود، يبلغه فيها بما حدث:
الرجل في الرسالة: "عمر فتح الخزنة وأخد الجهاز."
بعد لحظات، رد الدكتور محمود بسرعة على الرسالة. كان الصوت على الطرف الآخر يعكس توترًا غير متوقع:
"ده بالنسبالنا مشكلة كبيرة دلوقتي. خليك وراه وما تسيبوش لحظة واحدة. استنى أوامري، وهقولك تعمل إيه."
في مكتب الدكتور محمود:
محمود فتح درج مكتبه ببطء، ثم أخرج صندوقًا صغيرًا معدنيًا. فتحه بحذر وأخرج منه الهاتف الخاص بالمنظمة، وضغط على زر الاتصال.
عندما بدأ الهاتف يرن، كان محمود يشعر بالتوتر يزداد داخل صدره، فقد كان يعلم أن ما سيقوله سيحدد الكثير من الأمور. أخيرًا، رد الصوت الجاف في الطرف الآخر: "اتكلم."
محمود بصوت متوتر: "عمر أخد الجهاز اللي هيشغل السي دي. لو فتح السي دي ده، هيعرف حاجات مينفعش يعرفها. لازم نوقفه."
الصوت بهدوء: "حاول تخوفه. شتت انتباهه بأي طريقة. خلي ده يكون أول تحذير ليه. متسيبوش يوصل للي هو عايزه."
محمود أغلق الهاتف ببطء، وعينيه تملأها الهمسات التي تجسد القلق. الأمر لم يعد بسيطًا، وعليه الآن أن يتصرف وبحذر شديد.
فكر للحظة وهو يضغط على الأزرار في هاتفه، ثم كتب رسالة أخرى. أرسلها للشخص الذي كان يراقب عمر، وهو يعلم تمامًا أن أي خطأ قد يكون مكلفًا. الرسالة كانت قصيرة جدًا، لكنها كانت حاسمة:
"اعمل اللي هقولك عليه بالظبط."
بينما كان عمر يخرج من البنك حاملاً الجهاز في حقيبته على ظهره، سمع صوت محرك دراجة نارية تقترب بسرعة من خلفه. قبل أن يتمكن من التفكير في الأمر، توقفت الدراجة فجأة على مسافة قصيرة منه. وفي لحظة، أطلق الشخص الذي كان على الدراجة الرصاص بإتجاهه.
بغريزة سريعة، انخفض عمر فجأة على الأرض ليجنب نفسه الطلقات التي كانت تمر بجانبه. كان قلبه يخفق بسرعة، لكن لحُسن حظه، لم تصبه أي طلقة. ظل على الأرض لبضع ثوانٍ، ثم رفع رأسه بحذر ليتأكد من أن المهاجم قد ابتعد.
ظل عمر ثابتًا للحظة في مكانه، يحاول تهدئة أنفاسه ويقيس الموقف بسرعة. شعور الخوف كان يعصف به، لكنه سرعان ما استجمع قوته. رفع رأسه ببطء، يراقب المكان بعينيه في محاولة لمعرفة مكان الشخص الذي أطلق النار عليه.
نظر حوله بسرعة، ثم زحف قليلاً ليختبئ خلف حاجز أسمنتي قريب في الشارع. قلبه كان ينبض بشدة، لكنه ظل هادئًا قدر الإمكان، يحاول جمع شتاته بعد تلك البداية المخيفة. "يانهار اسود، من أولها ضرب نار! أومال بعد كده هيجرالي إيه! أسترها معايا يارب."، هكذا همس في نفسه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قام بحذر، مدركًا أن عليه أن يتحرك بسرعة قبل أن يظهر المهاجم مرة أخرى.
المشهد الثالث:
عاد عمر إلى المنزل وقد غطّى الغبار ملابسه، وبدت على وجهه علامات التوتر والاضطراب. ما إن فتح الباب ودخل حتى انتبهت زينب إلى حالته، فتقدمت نحوه بسرعة وقد ارتسم القلق على ملامحها.
زينب بدهشة وقلق:
"مالك يا عمر؟ إيه اللي حصل ومين عمل فيك كده؟"
عمر وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
"كنت هموت... بس ربنا ستر."
في تلك اللحظة، خرج حسن من غرفة الجلوس وتوقف أمامه وقد ارتسم الذهول في عينيه حين رأى حالته.
حسن بقلق:
"إيه اللي جرالك؟ حصل ايه؟"
عمر وهو ينزع سترته ويجلس:
"كنت خارج من البنك بعد ما أخدت الجهاز... وفجأة، موتوسيكل جه جري من بعيد، وضرب عليا نار! حاولت أتفادى الرصاص فوقعت على الأرض... بس الحمدلله متصبتش، وابن ال*** هرب بسرعة."
أومأ حسن برأسه ببطء، وقد بدأت ملامحه تتغير، يضغط على أسنانه من الغضب ويضم قبضته، بينما جلست زينب على طرف الأريكة تحاول استيعاب ما سمعته للتو.
حسن بغضب:
"واضح إن تحركك إنكشف... باللي حصل النهاردة ده، كده هما بيحاولوا يوقفوك قبل ماتوصل للحقيقة."
عمر بعزيمة وهو ينظر لعمه:
"يبقى بيحلموا. أنا طول عمري كنت تايه وسط أسئلة ملهاش إجابات... بس دلوقتي، كل حاجة بتوضح قدامي. اللي حصل ده مش تهديد، ده خوف منهم لما عرفوا إني ممكن أوصل للحقيقة... وده معناه إني ماشي في الطريق الصح."
زينب بقلق:
"بس يا عمر، الناس دي شكلها ما بتهزرش أما من أولها ضرب نار يا ابني... لازم تاخد بالك من نفسك والنبي."
عمر وهو يهزّ رأسه:
"عارف يا طنط... بس لو أنا مكملتش، مين هيكمل؟ دي مش بس أسرار، ده تار أبويا وأمي... وأكيد في ناس تانية ماتت علشان الحقيقة دي تفضل مدفونة."
حسن بنبرة جادة:
"بس لازم نكون أذكى منهم... إحنا لازم نخطط كويس قبل أي خطوة جاية."
عمر بتنهيدة:
" معاك حق يا عمي... الناس دي لازملها تخطيط فعلاً."
بينما كان عمر واقفًا في الصالة مع عمه حسن وزوجة عمه زينب، لا يزال الغبار يغطي ملابسه وملامح وجهه متوترة، قُطع الحديث بينهم بصوت رنين إشعار هاتفه المحمول.
أخرج عمر الهاتف من جيبه بسرعة، فتح الرسالة، وما إن قرأ سطورها حتى اتسعت عيناه بدهشة.
قرأ بصوت خافت وهو ينظر في شاشة الهاتف:
"المرة دي كانت مجرد تحذير بسيط ليك يا دوك… المرة الجاية طلقة واحدة في قلبك، وكل حاجة هتخلص."
ساد الصمت للحظة، قبل أن يتحرك حسن سريعًا ناحيته، قائلاً بقلق:
"في إيه يا عمر؟ مين اللي بعتلك الرسالة دي؟"
مدّ عمر الهاتف لحسن، وقال بنبرة غاضبة:
"شايف بجاحتهم؟ باعتينلي رسالة تهديد صريحة."
قالت زينب وهي تضع يدها على صدرها وقد ظهر الخوف في نبرتها:
"يامراري… هي وصلت للتهديد عيني عينك كده!"
اقترب حسن أكثر وبدا الغضب في صوته وهو يقول:
"لازم نتصرف… الموضوع كبر أوي، ضرب نار ورسايل تهديد، كده الموضوع أكبر من مجرد ورق خايفين إنه يتكشف."
نظر عمر إلى عمه بتفكر، ثم قال:
"إنت صح ياعمي. اللي يخليهم يعملوا اللي عملوه ده… مش مجرد تجربة ولا شوية معادلات كيميائية وخلاص، أكيد في حاجة أخطر من كده بكتير، والسي دي ده… هو المفتاح، هو اللي هيعرفنا كل حاجة."
ردّ عليه حسن وهو يهزّ رأسه ببطء:
"بس ده معناه إننا دخلنا سكة مفيهاش رجوع، لازم تكون مستعد لأي حاجة منهم لأنك كده هتكمل مشوار أبوك الله يرحمه."
قال عمر:
"أنا مستعد… من أول ما عرفت إن أبويا مات وهو بيخبّي السر ده، وأنا مستعد."