الفصل الرابع:
المشهد الاول:
استفاق عمر في الصباح الباكر، جلس على سريره متثاقلًا، وحاول النهوض رغم شعوره بالتعب الذي ما زال يثقل جسمه. بعد لحظات، قرر أن يبدأ يومه. ارتدى ملابسه بسرعة، ثم خرج إلى المطبخ حيث كان عمه وزوجته قد بدأوا في تناول الإفطار.
حسن مبتسمًا وهو يرى عمر يدخل:
"صباح الخير يا بطل، صحصح كده فين الهمة أومال؟"
عمر بهدوء، وهو يحاول إخفاء تعبه:
"صباح الخير يا عمي... أنا خلاص صحيت."
جلس عمر على الطاولة، أخذ لقمة من الإفطار وهو يشعر بشيء من الإرهاق.
حسن بحنان وهو يلاحظ حالة عمر:
"أنا مش زعلان منك يا عمر، كانت ساعة شيطان وراحت لحالها. ما تفكرش في اللي حصل، إحنا كلنا بشر، وكل واحد فينا بيغلط."
عمر وهو يرفع رأسه وينظر إلى عمه:
"كنت حاسس إني ضيعت فرصتي الأخيرة معاك... مكنتش عايز أخسرك يا عمي."
حسن بحنان وأبوة وهو يربت على يده:
"مفيش حاجة ضاعت، ولازم تركز في اللي جاي. الندم مش هيحل حاجة، المهم تتعلم وتمشي لقدام."
زينب وهي تكمل وضع الطعام على المائدة بابتسامة لطيفة:
"بالظبط، متشيلش هم، اللي فات مات، أحنا ولاد النهاردة وكل حاجة هتكون أحسن. تفائلوا بالخير تجدوه."
أومأ عمر برأسه، محاولًا أن يتقبل كلمات عمه وزوجته. تناول كوبًا من الشاي، وأخذ نفسًا عميقًا كأنه يحاول طرد كل مشاعره السلبية.
حسن وهو ينتهي من إفطاره:
"يلا بقى، هنروح نشتغل شوية في المخزن ونعمل شوية ترتيبات كده. ونحاول نخلص قبل الضهر."
عمر وهو يستعد للنهوض:
"تمام يا عمي، أنا جاهز."
نهضا معًا، وخرجا من المنزل متجهين إلى المخزن الذي خلف البيت. كانا يعلمان أن العمل سيكون شاقًا، لكنهما مستعدان لمواجهته معًا، بروح الفريق الواحد.
المشهد التاني:
بعد ساعات من العمل الشاق في ترتيب وتنظيف المخزن، كان الجو مليئًا بالغبار والحرارة، لكن عمر وعمه كانوا لا يزالون يعملون بجد، على أمل أن ينتهوا من المهمة سريعًا.
حسن وهو يمسح العرق عن جبهته:
"بص يا ابن الحلال، أنا خلاص مش قادر. أنا هطلع الحاجة دي برة وأروح أرتاح. إنت كمان بعد ما تخلص تعالي خد نفسك شويه."
عمر وهو يواصل العمل:
"حاضر يا عمي، بس في كام برميل كده على كام كرتونة هطلعهم وبعدين هاجي."
أومأ حسن برأسه وأخذ بعض الأشياء ليخرجها من المخزن، بينما أكمل عمر عمله ببطء، محاولًا إتمام ما بدأه. لم يكن يعتقد أن المخزن يخفي هذا الكم من الفوضى.
بعد فترة من الوقت، وبينما كان عمر يرفع بعض الصناديق الثقيلة، وقع نظره على حقيبة جلدية مهملة فوق أحد الرفوف. اقترب منها، وأخذها بيده ثم نظر إليها بعناية. كان مكتوبًا على الحقيبة اسم والده باللغة الإنجليزية "jad". تحسّس الحقيبة بيديه قبل أن يقرر فتحها.
عندما فتحها، كانت المفاجأة، فقد وجد داخلها صورة قديمة لوالده جاد وهو يقف في مختبر مع مجموعة من الدكاترة الذين كانوا زملاءه في العمل، وقد بدت الصورة وكأنها التقطت في أيامه الأولى كمشرف على الأبحاث. كان جاد في الصورة يبدو شابًا مليئًا بالحماس، محاطًا بأشخاص يرتدون معاطف المختبر البيضاء.
بينما كان يفحص الصورة، سقطت بعض الأوراق من الحقيبة. التقطها عمر سريعًا وبدأ في النظر إليها. كانت معادلات كيميائية معقدة، وكأنها جزء من دراسة أو بحث علمي لا يفهمه تمامًا، لكن على أحد الأوراق كان هناك عنوان مكتوب بالخط العريض: "كود 1%". لم يفهم معنى العنوان، لكن شيئًا ما في قلبه جعل هذه المعادلة تبدو وكأنها كانت بداية لشيء أكبر.
ثم وجد ملفًا آخر داخل الحقيبة. فتحه بحذر ليكتشف أنه يحتوي على قرص مضغوط(CD).
أثناء بحثه داخل الحقيبة، عثر على ورقة قديمة كانت ملفوفة بعناية. قرأ عمر الرسالة، وكان مكتوبًا فيها بخط يد والده:
"حسن، اللي كنت خايف منه بدأ يحصل، والضغط عليا بقى مش طبيعي. هم بيضغطوا عليا علشان أستسلم لرغباتهم، والموضوع بقى خطر بجد. لو حصلي أي حاجة، خلي بالك من عمر. أبعده عن أي خطر، لأنهم مش هيسيبوه في أمان لو حطوه في دماغهم، أنا ماليش غيرك يا حسن أوصيه على ابني... وأنا عارف إن لو حصل حاجة ليا أو لسحر إنت هتعتبره زي ابنك وهترعاه."
توقّف عمر لحظة عند قراءة الكلمات، وابتلع ريقه، شعر بحيرة غريبة وقلق شديد. كان يتساءل: "من هم هؤلاء الذين كانوا يضغطون على والده؟ ولماذا كان يخشى ما كان يحدث وكأنه كان على علم بأنه سيُقتل؟"
المشهد الثالث:
عمر دخل البيت وفتح الباب بهدوء، وهو يحمل الحقيبة الجلدية في يده. وضعها على الطاولة أمام عمه، ثم نظر إليه مباشرة وسأله:
"تعرف إيه عن عملية كود 1% يا عمي؟"
عمه تجمد للحظة، واتسعت عيناه قليلاً من الصدمة، لكنه تمالك نفسه ولم يرد في البداية. شعر بعمر يراقب كل حركة منه، فحاول أن يبقي ملامحه عادية، لكنه بدا مشوشًا.
عمر مستمرًا وهو يمد يده بالجواب: "ومين الناس اللي كانوا بيضغطوا على أبويا وكان خايف منهم عشان كده بعتلك الجواب ده بيوصيك عليا فيه؟"
عمه كان يتجنب النظر إلى الورقة التي في يد عمر، لكنه أخذ نفسًا عميقًا وحاول أن يظهر هدوءه.
حسن بصوت منخفض: "عمر... الموضوع ده أكبر مما تتصور."
عمر وضع يده على الطاولة، عيناه مشتعلة بالفضول والحيرة، وحس بقلبه ينبض بسرعة. نظر إلى عمه، وقال بصوت حازم لكنه ممتلئ بالغضب:
"إيه اللي إنت مخبيه عليا يا عمي؟ أبويا وأمي مين قتلهم و ليه؟"
حسن أخذ نفسًا عميقًا، وتنهد. ثم نظر إلى عمر في عينيه بجدية، وكأن الوقت قد حان أخيرًا للكشف عن الحقيقة.
حسن: "جاد كان شغال على تجربة لعلاج مرض نادر جدًا، مرض بيصيب نسبة قليلة من الناس في العالم... وكان الهدف الأساسي من التجربة دي هو إنقاذ حياة الناس. لكن المشكلة إن المنظمة اللي كان بيشتغل معاهم كان عندهم هدف تاني مختلف تمامًا."
عمر سكت للحظة، وهو يحاول استيعاب كلام عمه، لكن حسن أكمل، صوته مليء بالحزن:
"هما شافوا في شغله حاجة تانية... المعادلة اللي اكتشفها كانت بتفتح أبواب تانية، أكبر من مجرد علاج. كانوا عايزين يستخدموها في حاجة تخصّهم... حاجة تمس الوعي البشري."
عمر بدهشة: "يعني كانوا بيستغلوه؟"
أومأ حسن برأسه:
"بالظبط. وأول ما رفض يتعاون معاهم... بدأوا يضغطوا عليه. تهديدات، ومراقبة، وحاجات كتير. ولما ما أستسلمش... كل حاجة اتقلبت."
عمر شعر بصدمة وهو يسمع عن الضغوط التي تعرض لها والده، فقال بصوت مرتفع:
"كانوا بيهددوه؟! يعني كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يوصلوا لهدفهم؟!"
حسن هز رأسه ببطء، وأجاب بصوت منخفض لكن ثابت:
"الناس دي مبتهزرش... مش ساهلين أبداً، دول ممكن يعملوا أي حاجة، وأقل حاجة ممكن يعملوها هي القتل."
عمر ابتلع ريقه بصعوبة، وعيناه يغمرهما الصدمة والغضب. ثم نظر إلى عمه، وعيناه مليئة بالألم والحزن العميق:
"يعني... هما اللي قتلوا أبويا وأمي؟"
اجاب حسن بإنكسار:
"أنا معنديش دليل مباشر على كده... بس اللي حصل، وكل التهديدات اللي كانت بيتعرض ليها جاد، بتقول إنهم هما."
عمر صوته ارتفع، وعينيه امتلأتا بالدموع والدهشة. شعر وكأن الأرض تحت قدميه قد انهارت فجأة. وقفت كلماته في حلقه قبل أن يصرخ بها بمرارة:
"يعني انت كنت عارف كل ده من الأول وخبيت عليا... ليه يا عمي؟ ليــــه؟"
حسن اخفض نظره للحظة، كأن الكلمات ثقيلة عليه. ثم رفع رأسه ببطء وقال بصوت هادئ، لكنه مليء بالندم:
"لأنها كانت وصية جاد... قالّي: خبّي عليه، خليه يعيش حياة طبيعية بعيد عن كل ده. احميه بأي تمن. وأنا... حاولت أنفذ الوصية."
سكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة صادقة:
"كنت عايز أقولك والله يا ابني... بس كنت خايف، خايف تتسرّع، وتتهور، وتعمل حاجة تعرّضك للخطر. والناس دي يا عمر، مش بترحم."
نظر عمر إلى القرص المضغوط بين يديه، ثم رفع رأسه ونظر إلى عمه بنبرة حادة:
"السي دي ده فيه إيه يا عمي؟"
زفر حسن تنهيدة طويلة، ونظر لعمر بنظرة حزينة:
"والله يا ابني أنا معرفش هو حاطط فيه إيه بالظبط... بس جاد قالّي إن السي دي ده معمول بحماية خاصة، وإنت الوحيد اللي تقدر تفتحه."
اقترب حسن بخطوة وهو يكمل:
"قالّي: لو حصلي حاجة، السي دي ده عمر بس اللي يقدر يشوف اللي جواه... كده كده عمر مش هيعرف يوصله بسهولة، وده يطمنّي إن الموضوع عليه حماية، وإن السر مش هيطلع إلا في الوقت الصح."
سكت لحظة، ثم قال بجدية:
"جاد كان عارف إن الناس اللي وراه مش هيسيبوه في حاله... فكان بيحاول يدفن السر ده بعيد عنهم، ولو مات، يبقى الموضوع مات معاه... إلا لو أنت فتحته بنفسك."
حدّق عمر في عمه بعينين ممتلئتين بالدهشة والارتباك، ثم رفع القرص بيده وقال:
"طب إزاي يعني أنا الوحيد اللي أقدر أفتحه؟! أنا وقتها كنت طفل صغير! هو ازاي عمل كده؟"
نظر حسن إلى عمر بنظرة تحمل مزيجًا من الحذر والحنين، ثم يقول:
"جاد كان عبقري يا عمر... السي دي ده مش عادي. هو محطش البيانات عليه بشكل مباشر، لأ، عمل برنامج تشفير معقد، وفعّل عليه حماية تشتغل مع جهاز معين هو اللي صممه بنفسه... جهاز صغير، بيشتغل بمسح بيولوجي: بصمة صوباع، نبضة قلب، أو حتى تردد صوت."
توقف لحظة وهو ينظر إلى السي دي ثم اكمل:
"الجهاز ده مربوط بيك... يعني السي دي مش هيتفتح غير لما يتحط في الجهاز ده، ويتأكد إن اللي بيشغله هو انت. هو مكانش واثق في أي حد غيرك."
المشهد الرابع:
بعد أن أمضى عمر ليلته يتقلب في فراشه، وعقله يدور حول ما اكتشفه، قرر في اليوم التالي أن يذهب إلى الجامعة ومعه الملف الذي يحتوي على المعادلات الكيميائية المعقدة. كان بحاجة إلى عقل آخر يثق به... أو هكذا ظن.
وقف أمام مكتب الدكتور محمود رياض، أستاذ الكيمياء الحيوية المعروف بهدوئه وغموضه. كان جاد، والد عمر، قد تعاون معه منذ سنوات في بعض الأبحاث، لكن عمر لم يكن يعلم عن هذا التعاون سوى القليل.
عمر بإبتسامة:
"صباح الخير يا دكتور محمود، أنا كنت محتاج مساعدة حضرتك في حاجة كده لو سمحت."
الدكتور محمود بإبتسامة خفيفة:
"أهلاً يا عمر، خير يا ابني؟"
عمر:
"أنا لقيت شوية ورق فيه معادلات كيميائية معقدة جدًا... ومش قادر أفهم منها حاجة. فقولت يمكن حضرتك تساعدني في فهم المعادلات دي."
الدكتور محمود وهو يتصفح الورق:
"ممم... المعادلات دي مش بسيطة خالص... ده شغل حد عبقري، مش مجرد طالب ولا حتى دكتور."
عمر بحذر:
"يعني حضرتك ممكن تساعدني؟"
الدكتور محمود وهو يرفع عينيه عن الورق:
"هحاول... بس قولي... إنت جبت الورق ده منين؟"
عمر بهدوء مصطنع:
"ورق قديم لقيته في بيتنا... يمكن تبع شغل قديم كان متساب، بس عندي فضول أعرف اللي جواه."
الدكتور محمود بابتسامة خفيفة:
"ماشي يا عمر... سيبهولي كده يومين، هبص عليه كويس، وأقولك أنا وصلت لأيه."
غادر عمر المكتب، غير مدرك أن الدكتور محمود لم يكن ينظر إلى تلك المعادلات لأول مرة. بل يعرفها عن ظهر قلب... يعرف صاحبها، وتاريخها، والأهم، خطورتها. فقبل سنوات، كانت المنظمة قد جندته خصيصًا لمتابعة جاد... واليوم، اقترب من هدفه الحقيقي: عمر.
و في ساعة متأخرة من الليل، أغلق الدكتور محمود ملف المعادلات بعناية، ثم أخرج هاتفًا قديمًا مخصصًا للاتصال بالمنظمة. ضغط على زر الاتصال، وانتظر دون أن يتكلم.
ثوانٍ مرت... ثم جاءه صوت على الجانب الآخر، بارد، خالٍ من أي مشاعر:
"أتكلم."
الدكتور محمود بنبرة منخفضة:
"الولد ظهر."
الصوت:
"عمر؟"
الدكتور محمود:
"أيوه... جالي بنفسه. جاب الورق بتاع جاد. ميعرفش حاجة لسة، بس واضح إنه لسه بيجمع خيوط الموضوع."
الصوت بهدوء مرعب:
"إياك يغيب عن عينك. ولو بدأ يقرب من الحقيقة... بلغني فورًا."
الدكتور محمود:
"تمام. هحطه تحت المراقبة... بس تحب نتحرك؟"
الصوت:
"لسه... بس لما ييجي الوقت المناسب، أنا هبلغك."
أغلق الدكتور محمود الخط دون كلمة أخرى، ثم وضع الهاتف في صندوق معدني صغير، أغلقه بعناية وأعاده إلى الدرج. جلس في كرسيه للحظة، وأغمض عينيه، ثم فتحهما على ابتسامة خفيفة، باهتة، تحمل مزيجًا من القلق والانتصار.
كان يعرف أن اللعبة بدأت من جديد ولكن مع الشبل الصغير.