كود واحد في المئة - الفصل الثالث: - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: كود واحد في المئة
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث:

الفصل الثالث:

المشهد الأول: أشرقت شمس الصباح على المنزل الهادئ، وخرج عمر من غرفته مرتديًا بنطال جينز أزرق داكن وتيشرت أبيض عليه سترة جلدية باللون الأسود كالمعتاد، إلا أن لزقة طبية صغيرة أسفل شفته كانت تفضح أثر ما حدث الليلة الماضية. مرّ بجوار المطبخ حيث كانت تقف زينب، فابتسم وقال بهدوء: "صباح الخير يا طنط." زينب: "صباح النور يا حبيبي." تابع طريقه نحو غرفة الجلوس، حيث كان حسن جالسًا يقرأ الصحيفة بصمت. تقدّم نحوه بخطوات مترددة، ثم وقف أمامه: "حقك عليّا يا عمي… متزعلش مني. أنا آسف." لم يرد حسن، وواصل تقليب صفحات الجريدة دون أن ينظر إليه. اقترب عمر أكثر، وانحنى ليطبع قبلة على رأس عمه، ثم استدار وكاد أن يغادر. لكن صوت حسن أوقفه: "مش هتفطر؟" التفت عمر، ونظر إليه بعين حزينة وقال بابتسامة باهتة: "طول ما انت واخد على خاطرك مني… الأكل مهيبقالوش طعم بالنسبالي." ثم أكمل طريقه نحو الباب بهدوء، تاركًا خلفه مشاعر متشابكة في وجوه الجميع. بعد أن أغلق عمر الباب خلفه وغادر المنزل، عمّ الصمت المكان، كأنّ كلماته الأخيرة قد خلّفت أثرًا لا يُمحى في الأجواء. وقفت زينب في مكانها، تنظر نحو الباب بعينين تغمرهما القلق، بينما ظلّ حسن جالسًا مكانه، يحدّق في الجريدة دون أن يقرأ منها حرفًا. نظرت إليه زينب، ثم قالت بنبرة خافتة يعلوها العتاب: "شوفت نظرته كانت عاملة إزاي؟ الولد محطم من جواه وانت ساكت كده يا حسن؟" لم يرفع حسن عينيه، بل أجاب بصوت منخفض، يخالطه ألم لم يُفصح عنه: "يمكن أكون أتعاملت معاه بقسوة... لكن ده من خوفي عليه." اقتربت منه زينب قليلًا، وقالت بنبرة أكثر حنانًا: "يبقى اظهرله اللي جواك، إثبتله إحساسك ده. عمر محتاج يحس إنك لسه شايفه، لسه شايل همه، مش بس بتقسى عليه." وضع حسن الجريدة على الطاولة، وتنهد بعمق، وكأنّه يحمل ثقلًا كبيرًا لا يستطيع الإفلات منه: "بحاول يا زينب، بحاول بس مش عارف أوصله من كتر ما هو قافل على نفسه." ردّت زينب بلطف: "هو بدأ يفتح الباب النهارده... بس لو ملقاش اللي وراه حنين، هيقفله تاني ومش هنعرف نفتحه بعد كده." سكت حسن، ثم نظر نحو الباب للحظة، وكأنّ قلبه خرج مع عمر، يراقبه من بعيد بصمتٍ موجع. المشهد الثاني: وصل عمر إلى مبنى الكلية، يسير بخطوات ثابتة رغم التعب الذي يسكُن ملامحه. ما زالت اللزقة الطبية تحت شفته تُخفي أثر الصفعات، لكنها لم تُخفِ الشحوب الذي بدأ يظهر على وجهه. دخل من البوابة، وألقى السلام على بعض زملائه الذين ردوا عليه بود، ثم توجه مباشرة إلى المدرج الكبير حيث تُقام المحاضرة الصباحية. جلس في مكانه المعتاد، وما هي إلا لحظات حتى جاء كريم، صديقه المقرب، وجلس بجانبه. كريم بابتسامة خفيفة: "صباح الخير يا نجم، إيه الأخبار؟ شكلك مرهق النهاردة." عمر بنبرة مرهقة: "صباح النور... أنا تمام، بس منمتش كويس." كريم بقلق: "في حاجة ولا إيه؟" عمر مبتسم ابتسامة باهتة: "كل حاجة تمام... محاضراتنا إيه النهاردة؟" قبل أن يُكمل كريم الحديث، دخلت فتاة إلى المدرج ذات شعر بُني مموج وعيون خضراء. كانت تسير بخفة وثقة، عيناها تتأمل المكان كمن يزوره لأول مرة. توقفت عند الصف الذي يجلس فيه عمر وكريم، ونظرت حولها قليلًا فلم تجد مكاناً آخر، ثم جلست بجوار عمر مباشرة. ألقى عمر نظرة سريعة نحوها دون أن يُظهر الكثير من الاهتمام، لكن كريم لم يتمالك فضوله. كريم وهو يهمس: "أوبــا، أول مرة أشوفها... دي جديدة هنا ولا إيه؟" عمر بهدوء: "معرفش... سيب الناس في حالهم يا كريم وإتلم." نظر له كريم وقال: "يا عم القفل متبقاش قطاع أرواق عالصبح!" رد عمر عليه وهو يلكزه بمرفقه: "بقولك إتلم و ركز في اللي إنت فيه." ابتسم كريم بخبث خفيف، بينما أخرج عمر دفتره وبدأ في تحضير نفسه للمحاضرة، لكن شيئًا في حضور تلك الفتاة جعله يُلقي نظرة جانبية أخرى، سريعة، وكأن هناك ما شدّه دون أن يدرك بدأت المحاضرة، والطلاب يجلسون منتظرين أن يبدأ الدكتور عماد شرح الموضوع. عمر كان جالسًا في مكانه، عينيه تتابع الملاحظات في دفتره بينما ذهنه مشغول بشيء آخر. فجأة، رفع الدكتور عماد عينيه عن أوراقه ونظر إلى الطلاب، ثم ألقى سؤالًا نحو الحاضرين. الدكتور عماد بصوت قوي: "لو عندنا مريض بيعاني من ارتفاع ضغط الدم وقررنا نديله دوا يحتوي على مادة الإنالابريل، إيه هي التفاعلات الكيميائية الرئيسية اللي هتحصل في الجسم؟" رفع عمر يده ليجاوب على سؤال. ابتسم الدكتور عماد وقال: "أها، ابن الدكتور جاد الراوي! عبقري الدفعة! قوم يا بطل جاوب." تردد عمر للحظة ثم وقف قائلاً: "شكراً يا دكتور...الإنالابريل هو دواء من فئة مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (اختصاراً ACE). لما بندخله الجسم، بيقلل من مستوى الأنجيوتنسين 2، وهو هرمون بيعمل على انقباض الأوعية الدموية. بتوسيع الأوعية الدموية، الإنالابريل بيقلل من ضغط الدم، وده بيحسن تدفق الدم وبيخفف العبء عن القلب." الدكتور عماد ابتسم وقال: "إجابة رائعة يا عمر! فعلاً، دي الآلية الرئيسية لعمل الإنالابريل. تمام، يلا نكمل." جلس عمر ليتابع المحاضرة بينما كانت الفتاة بجانبه تنظر له بإندهاش. الفتاة بدهشة: "أنت ابن الدكتور جاد الراوي؟!" عمر، الذي كان في البداية في حالة من التردد، ابتسم بهدوء وأجاب بتواضع: "أيوة أنا." المشهد الثالث: بعد انتهاء المحاضرة، الطلاب بدأوا في مغادرة المدرج. وعمر قرر التوجه إلى الكافتيريا لاحتساء القهوة في اجواء هادئة. دخل الكافتيريا، وطلب كوبًا من القهوة، ثم توجه إلى طاولة بالقرب من النافذة. جلس، ورفع الكوب إلى فمه، مستمتعًا بحرارة القهوة وهدوء المكان. الفتاة كانت مع مجموعة من زملائها، ولاحظت عمر. تقدمت نحوه بابتسامة خفيفة وقالت: "استأذنك ممكن أقعد، دا لو مش هتقل عليك طبعاً." عمر رفع نظره إليها، وقال بابتسامة بسيطة: "لا طبعًا، اتفضلي." جلست أمامه، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ الحديث: "أنا سارة...، وبصراحة كنت عايزة أقولك إني كنت من محبي الدكتور جاد الله يرحمه. سمعت عن نظرياته في الكيميا وأنا صغيرة، حتى هنا في الكلية بيتكلموا عن انجازاته وابحاثه العلمية لحد دلوقتي." عمر شعر بشيء من الحزن في قلبه، لكن ابتسم وقال بهدوء: "أيوة، الدكتور جاد كان شخصية عظيمة. للأسف ملحقتش أتعلم منه شخصيًا... هو توفى وأنا عندي أربع سنين. لكن اتعلمت من كتبه والملاحظات اللي كان سايبها." سارة نظرت إليه بحزن وقالت: "أنا أسفة جداً إني بقلب عليك المواجع كده، أكيد كنت بتتمنى تقضي وقت أكتر معاه. بس على الأقل هو سايبلك إنجاز علمي كبير." عمر: "صحيح، هو فعلاً سايبلي حاجات كتير، وأنا دايمًا بحاول أمشي في طريقه." سارة: "أنا بجد حبيت شغفه بالكيميا. كان دايمًا بيؤمن إن العلم مش بس دراسة، لكن كمان شغف وحب للمجال." عمر: "أيوة، كان بيقول: العلم مش بس معرفة، ده رحلة صبر وشغف، واللي يصبر عليها يلاقي روحه فيها." سارة ابتسمت وقالت: "كلامه كان حكيم جدًا. أنا شخصيًا كنت دايمًا بحب أقرأ في كتبه ونظرياته. الله يرحمه." عمر: "الله يرحمه... والله يعيني على إني أكمل مشواره." سارة: "أنا متأكدة إنك هتنجح وتكمل على خطاه، خاصة إنك عبقري زيه." المشهد الرابع: عاد عمر إلى المنزل متثاقلاً، خطواته بطيئة و وجهه شاحب. فتح الباب بهدوء، ثم أغلقه خلفه وهو يتنهد تنهيدة طويلة تعبر عن يومٍ ثقيل مرّ عليه دون راحة أو طعام. زينب، التي كانت في المطبخ، سمعت صوت الباب ونادت من الداخل: "عمر؟ إنت جيت يا حبيبي؟" عمر بصوت خافت: "أيوة... لسه داخل أهو." خرجت زينب من المطبخ بسرعة، ولما رأته على حاله، رفعت حاجبها وقالت بقلق: "إيه يا ابني مالك؟ وشك أصفر كده ليه؟" جلس عمر على الكرسي القريب من الباب، وأسند ظهره إلى المسند، ثم قال وهو يضع يده على رأسه: "يوم تقيل أوي يا طنط... لا فطرت ولا اتغديت... وحاسس دماغي بتلف." أسرعت زينب نحو المطبخ، وهي تقول بنبرة متعجلة: "طب استنى، هسخنلك حاجة تاكلها حالًا. نفسي أعرف بتعمل في نفسك كده ليه؟" أغمض عمر عينيه وهو يرد بصوت مرهق: "مكنش ليا نفس طول اليوم... بس دلوقتي حاسس إني ممكن يغمى عليا." عادت زينب بعد لحظات ومعها كوب عصير بارد، ناولته له وقالت بلطف ممزوج بالعتاب: "إمسك اشرب ده الأول، وبعدها تاكل. والله لولا إني عارفة إنك بتعافر، كنت ضربتك عشان تبطل عنادك ده." ابتسم عمر ابتسامة باهتة وقال ممازحاً: عمر: "مش كفاية الضرب اللي أكلته من عمي امبارح؟ يا جدعان ارحموني، هو انا مغري للضرب للدرجادي!" ضحكت زينب بخفة وجلست أمامه، ثم قالت بنبرة أكثر جدية: "بص يا عمر، بعد ما تاكل ياحبيبي وتروق حالك شوية، عايزاك تنام بدري النهاردة." عمر: "ليه؟ في حاجة؟" زينب: "أيوة، عمك محتاجك تساعده بكرة في تنضيف المخزن اللي ورا البيت. قال هيبتدي يروّقه من بدري." أومأ عمر بتعب وهو يرتشف من العصير: "تمام يا طنط... أخلص وأدخل أنام علطول." راقبته زينب بحنان وهي ترى ملامحه الشاحبة، وقالت وهي تنهض: "ربنا يقويك ويكتبلك الخير كله يا ابني... قوم غيّر هدومك وأنا هجهزلك الأكل." نهض عمر ببطء وهو يتمتم بشكرٍ خافت، ثم توجه إلى غرفته، بينما ظل صدى كلمات زينب يدور في ذهنه، يشعر من خلالها بالحنان الوحيد الذي بقي له في هذا البيت. بعد مرور ساعتين... دخل حسن إلى البيت بعد يومٍ شاق من العمل، وما إن أغلق الباب خلفه حتى استقبلته زينب بابتسامة: زينب: "حمد الله على السلامة يا حسن." "الله يسلمك يا زينب. عمر رجع ولا لسة؟" زينب: "رجع، بس كان تعبان أوي يا حبة عيني... وشه مصفر ومهبط، وقالي مأكلش من الصبح." حسن بقلق: "مأكلش؟ ليه؟" زينب بهدوء: "بيقول أنه مكنش له نفس طول اليوم." تغيّرت ملامح حسن، وظهرت على وجهه لمحة ندم، لكنه لم ينطق، فقط جلس على أقرب كرسي، مطأطئ الرأس. زينب: "الولد قلبه طيب يا حسن، وحاسس انه زعلك... و ده مأثر عليه." حسن بصوت منخفض: "وانا قولتلك مزعلتش منه... انا زعلت عليه، اتضايقت من تصرفاته... حسيته في لحظة هيضيع نفسه." زينب وهي تضع يدها على كتفه: "عارفة، بس هو كمان بيتعلم... ومش هيعرف الصح من الغلط غير لما يغلط. وانت عارف كده." ظل حسن صامتًا للحظة، ثم تنهد بعمق، وقال: حسن: "ماشي يا زينب... بكرة الصبح أكلمه، وأصلّح اللي بينا." زينب بابتسامة راضية: "ربنا يهدي النفوس... هو محتاجك يا حسن أكتر ما انت متصور."