الفصل الثامن
القصر هالمرّة ما كان هادي.
ما فيه صراخ.
ما فيه فوضى.
لكن فيه توتر يمشي بين الممرات.
الخدم يتكلمون بصوت أخفض من العادة.
الأبواب تنقفل بهدوء.
حتى الساعات المعلقة على الجدران… صوتها صار مزعج.
الشك دخل بينهم.
وإذا الشك دخل بيت…
ما يطلع بسهولة.
سراج طلب اجتماع عاجل في المجلس الكبير.
المجلس واسع، السقف عالي، والثريات مضيئة… لكن الجو ثقيل.
جلسوا كلهم حول الطاولة المستديرة:
سراج في المقدمة، هادي… لكن عيونه تقرأ الوجوه واحد واحد.
كنان صامت، ملامحه مشدودة، يده متشابكة قدامه.
ريان رغم إصابته، أصر يحضر. جلسته مستقيمة… نظرته أعمق من قبل.
وسن تضم يديها لبعض، كأنها تحاول تمسك شي يتفلت.
ديم قدامها ملفات مرتبة بعناية.
ومشاعل… مبتسمة بهدوء، كأنها داخلة اجتماع عمل عادي.
سراج بدأ الكلام بصوت موزون:
"من اليوم وطالع، أي خطوة تخص الأرض أو المشروع… لازم تكون واضحة قدام الجميع. ما عاد في أسرار."
كلمة أسرار علّقت في الجو.
ريان قال بنبرة خفيفة… لكنها حادة:
"واضح إن الأسرار موجودة من زمان."
كنان التفت له بنظرة تحذير.
ريان ما أنزل عيونه.
التفاصيل اللي تكشف أكثر من الكلام
سراج كمل:
"فهد بدأ يتحرك قانونيًا. فيه استفسارات رسمية عن الملكية."
ديم فتحت ملف قدامها:
"وصل طلب مراجعة لسند الأرض الأصلي. وفيه طلب ثاني لمراجعة وثائق الورثة."
وسن همست:
"يعني الموضوع مو إشاعة بس؟"
ديم:
"لا. الموضوع رسمي."
مشاعل عدلت جلستها.
وقالت بهدوء:
"عشان كذا… لازم نسبقهم بخطوة."
الكل نظر لها.
مشاعل تكشف ورقتها
طلعت جهازها اللوحي.
حطته في وسط الطاولة.
عنوان خبر إلكتروني جاهز للنشر:
"مشروع عائلة معروفة تحت شبهة نزاع ملكية."
وسن شهقت:
"مشاعل! وش هذا؟!"
ريان ضرب الطاولة بخفة:
"احتياط؟! هذا تدمير!"
مشاعل رفعت حاجبها:
"أحيانًا لازم نتحكم بالرواية قبل لا تتحكم فينا."
ديم ردت بصرامة:
"نشر خبر بهالشكل بدون إثبات قانوني… يفتح علينا باب أكبر."
مشاعل نظرت لها مباشرة:
"وأنتِ متأكدة إن القانون بيحمينا؟"
الصمت رجع.
سراج كان ساكت… لكن مركز عليها.
قال بهدوء عميق:
"متى كتبتي الخبر؟"
مشاعل:
"من يوم جا فهد."
عيونه ضاقت.
"كأنك كنتِ متوقعة كل شي."
ابتسمت بخفة:
"أنا دايم أتوقع الأسوأ."
سراج ما اقتنع.
في شي بطريقتها… مرتب زيادة عن اللزوم.
كأنها مو بس تتوقع.
كأنها تعرف.
ريان فجأة التفت لكنان.
"يمكن مو بس فهد اللي يلعب علينا."
الجو تجمّد.
كنان قال ببرود:
"وش تقصد؟"
ريان نظر لمشاعل لحظة… ثم رجع لأخوه.
"يمكن أحد قريب جدًا… يعرف أكثر منا."
وسن قالت بسرعة:
"وقفوا… تكفون."
كنان قام واقف.
"لو عندك شي تقوله، قوله واضح."
ريان وقف رغم الألم.
"واضح؟ طيب واضح. من يوم الحادث، الرسائل، الملف، الفحص… كل شي طلع بترتيب غريب. كأن أحد يدفعنا نتصادم."
سراج قال بحدة خفيفة:
"اترك الاتهامات بدون دليل."
ريان رد:
"أنا ما أتهم… أنا أربط."
نظر لمشاعل مباشرة:
"وأنتِ دايم موجودة في النص."
مشاعل ما اهتزت.
"وجودي مو جريمة."
لكن لأول مرة… ابتسامتها ما كانت ثابتة بالكامل.
ديم وقفت.
صوتها ثابت، قوي:
"اللي يصير بينكم أخطر من أي خبر. إذا الشك دخل بينكم… العائلة انتهت."
نظرت للتوأم مباشرة:
"DNA ما يحدد الأخوّة. ولا المال يحدد القيمة."
ثم أضافت بصرامة:
"وأي ضغط إعلامي الآن… راح يخدم فهد أكثر مما يخدمنا."
سراج هز رأسه ببطء.
"ما راح يننشر شي."
مشاعل شدّت يدها على الجهاز.
لكن سكتت.
بعد الاجتماع…
المجلس فاضي.
سراج وقف عند الباب.
"مشاعل، دقيقة."
وقفت قدامه.
الصمت بينهم كان مشحون.
سألها بصوت منخفض:
"هل لك علاقة بالرسائل اللي توصل لريان؟"
ابتسمت ببطء.
"تتهمني؟"
"أسأل."
اقتربت خطوة.
"وأنت تخاف مني لهالدرجة؟"
عيونه ثابتة:
"أنا ما أخاف… أنا أراقب."
قالت بهمس خفيف:
"لا تراقبني كثير… يمكن تشوف شي ما يعجبك."
وقبل ما تمشي، قالت جملة أخطر:
"مو كل اللي يصير… أنا سببه."
مشت.
سراج وقف مكانه.
يفكر.
إذا مو هي… مين؟
في غرفتها…
وسن كانت تمشي ذهاب وإياب.
العائلة تتفكك قدامها.
فتحت درجها.
طلعت الورقة القديمة اللي احتفظت فيها من سنوات.
وثيقة فيها اسم عبدالله.
كانت دايم تحب تقراها… لأنها تذكرها بالأمان.
لكن هالمرة…
انتبهت لشي جديد.
تحت الاسم، بخط خفيف جدًا، يكاد ما يُرى:
"الوصي: فهد عبدالله."
تجمدت.
فهد.
عبدالله.
نفس اللقب.
لكن ليش "وصي"؟
ليه ما كان مجرد شريك؟
قلبها بدأ يدق بسرعة.
همست:
"كان قريب… أكثر مما كنا نعرف."
في مكتب مظلم بعيد عن القصر…
فهد جالس قدام مستند رسمي.
شعار المحكمة في الأعلى.
العنوان:
"طلب مراجعة شرعية لنسب الورثة."
وقع باسمه الكامل:
فهد عبدالله.
رفع رأسه.
قال بهدوء:
"المواجهة الجاية… بتكون علنية."
ثم أخذ نفس طويل.
"والحقيقة… لما تطلع قدام الناس، ما ترجع تختبئ."
في نفس الليلة…
كنان كان واقف قدام نافذة غرفته.
ريان دخل بدون استئذان.
وقف جنبه.
لفترة… ما تكلموا.
بعدين ريان قال بهدوء:
"لو طلع مو أنا…"
كنان قاطعه:
"لا تعيدها."
ريان كمل:
"لو طلع مو أنا… لا تخاف علي."
كنان لف له.
"أنا ما أخاف عليك عشان النسب."
صمت لحظة.
"أنا أخاف عليك… عشانك أنت."
ريان بلع ريقه.
ولأول مرة… عيونه لمعت.
لكن السؤال ظل بينهم.
إذا الحقيقة طلعت…
هل يقدر الحب يصمد قدام الدم؟
نهاية الفصل
في غرفة مظلمة…
شاشة كمبيوتر تفتح ملف جديد.
عنوانه:
"تبديل — 26 سنة."
والفيديو اللي يشتغل…
مشهد قديم من غرفة ولادة.
صوت ممرضة تقول:
"الطفل الثاني—"
ينقطع التسجيل.
لكن فيه يد واضحة.
يد تلبس خاتم.
حرفه محفور:
A
العاصفة ما قربت.
العاصفة بدأت.
وهالمرة…
ما راح يكون فيها رابح بدون خسارة.