الفصل الثاني:
المشهد الأول:
كان الوقت يقترب من الثانية عشر ظهراً، وقد بدأ ضوء الشمس يتسلل بخجل إلى نوافذ المعمل الواسع في كلية الطب. خلا المعمل من الطلاب تقريبًا، إلا من شاب واحد يقف منهمكًا أمام طاولته، يراقب بعناية تفاعلًا كيميائيًا دقيقًا بين مركبين، بينما يسجل ملاحظاته بخطٍ سريع في دفتره.
في تلك اللحظة، فُتح باب المعمل بهدوء، ودخل رجل مسنّ، يرتدي معطفًا أبيض طويلًا ونظارة نظر طبية. توقف عند المدخل لحظة، يتأمل الشاب بنظراتٍ غامضة.
رفع الشاب رأسه عندما شعر بوجوده، وقال بأدب: "حضرتك محتاج حاجة يا دكتور؟"
اقترب الرجل منه بخطى بطيئة، وابتسم ابتسامة دافئة: "اسمك إيه يا ابني؟"
"عمر... عمر الراوي، في سنة خامسة."
ساد صمت قصير، ثم تغيرت ملامح الرجل، وظهرت عليه دهشة ممزوجة بحزن قديم: "الراوي؟... ابن الدكتور جاد؟"
تجمد عمر في مكانه، ثم أومأ برأسه ببطء: "أيوه... هو حضرتك كنت تعرفه؟"
اقترب الدكتور منه أكثر، وصوته بات أكثر رقة: "كنا زمايل... اشتغلنا مع بعض لسنين. أبوك كان عبقري حقيقي يا عمر، دايمًا كان سابق اللي حواليه بخطوة."
تأمل وجه عمر جيدًا ثم قال: "وإنت... سبحان الله، شبهه جدًا. نفس النظرة ونفس التركيز."
لم يرد عمر، واكتفى بنظرة متأملة في طاولة المعمل.
همّ الدكتور بالمغادرة، لكنه توقف عند الباب، ونظر إليه نظرة طويلة، قبل أن يقول: "أبوك كان دايمًا بيقول: اللي في دمه العلم الحقيقي... عمره ما بيموت. بيسيب أثره في الحياة، حتى لو الدنيا حاولت تمحيه."
ثم رحل بصمت.
وقف عمر مكانه للحظة، وأصابعه تشد على دفتره بين يديه. لم يفهم تمامًا لماذا أثرت فيه الجملة بتلك الطريقة.
المشهد الثاني:
في غرفة المعيشة بمنزل حسن، جلست زينب على الأريكة، ممسكة بفنجان القهوة بين يديها، لكن عقلها كان بعيدًا عن كل شيء حولها. كانت عيونها شاردة، وكأنها تعيش في ذكريات مؤلمة. تحدثت بصوت خافت، وكأنها تخاطب نفسها أكثر من مخاطبة حسن.
زينب:
"حسن، بكرة ذكرى وفاة جاد وسحر. انت عارف إن كل سنة اليوم ده بيبقى أصعب من اللي قبله."
حسن، الذي كان يقف بجانب النافذة يتأمل الغروب، نظر إليها من زاوية عينه قبل أن يرد بصوت منخفض:
"عارف يا زينب... عمر في اليوم ده بيكون مش طبيعي. مش قادر احدد بالظبط هو بيعمل إيه، بس بيبقى متغير."
زينب، بنبرة قلقة:
"ومش خايف عليه؟"
حسن، بتنهيدة عميقة، ابتسم ابتسامة حزينة ثم قال:
"خايف، لكن مش عارف اعمل إيه... هو شال هموم تقيلة في قلبه من وهو ابن اربع سنين، اللي زيه كان بيتبسط مع ابوه وامه إلا هو يا حبيبي، بيميل للعزلة بعيد عن الناس كلها. لازم نكون جنبه، مش هينفع نسيبه لوحده."
زينب، بنظرة قلق على وجهها:
" انا قلقانة أوي من اليوم ده."
حسن:
"إحنا معاه... وإن شاء الله يعدي اليوم ده زي غيره."
في تلك اللحظة، دخل عمر من باب البيت، وكان يبدو عليه الإرهاق الشديد. لم يتبادل الحديث مع أحد، وذهب مباشرة إلى غرفته. حاولت زينب أن تفتح معه حديثًا، فقالت له بلطف:
"عمر يا حبيبي، حمدلله على سلامتك، ثواني هقوم احضرلك الغدا."
عمر نظر إليها بنظرة شاحبة، ورفض بهدوء:
"لا مش جعان، ماليش نفس."
ثم تابع طريقه إلى غرفته، وعندما أغلق الباب خلفه، قال بصوت خافت، غير راغب في مزيد من الحديث:
"عايز أبقى لوحدي."
زينب نظرت إلى حسن، وعينيها مليئتان بالقلق، فتنهد حسن وقال بهدوء:
"كل سنة نفس الموضوع... ربنا يعديها على خير."
ساد الصمت بينهما للحظات، وعيناهما تراقبان الباب المغلق، بينما في غرفة عمر كان الشاب يقف أمام نافذته، ينظر إلى السماء بقلب حزين.
المشهد الثالث:
صباح اليوم التالي...
دخلت زينب إلى غرفة عمر، وكان هدفها إيقاظه ليبدأ يومه. لكن عندما فتحت الباب، اكتشفت أنه غير موجود. نظرت حولها في الغرفة، التي كانت كما هي، والسرير فارغ. ارتبكت قليلاً، ثم خرجت مسرعة إلى حسن.
زينب، بقلق:
"حسن، مش لاقياه في أوضته! عمر مش في البيت."
حسن نظر إليها للحظات، ثم وضع الجريدة جانبًا. بدا عليه بعض القلق، لكنه حاول أن يظهر هدوءه.
"يمكن لبس وراح الجامعة من برة لبرة."
زينب، بلهجة متوترة:
"مش عارفة، بس انا قلقانة عليه ياحسن."
حسن أخذ نفسًا عميقًا، ثم رد بهدوء:
"مفيش داعي للقلق يا زينب، دي مش أول مرة يعمل كده. هو دايمًا بيختفي اليوم ده بيفك عن نفسه وبعدين بيرجع، مفيش حاجة جديدة يعني."
زينب، قلقها واضح في صوتها:
"متحاولش تطمني وانت ذات نفسك قلقان. متنكرش إنه اليوم كله بيبقى مختفي ومبنعرفش بيعمل ايه ولا بيروح فين."
حسن، محاولًا تهدئتها:
"إن شاء الله لما يرجع هنعرف. خليكي هادية واطمني."
المشهد الرابع:
في الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، كان عمر جالسًا مع أصدقائه في أحد المقاهي الشعبية المظلمة(غُرزة)، الضحكات العالية والموسيقى الشعبية تملأ الأجواء. كانوا يشربون السجائر ويتعاطون المخدرات، بينما عمر كان غارقًا في حالة من الصمت، يبتسم لزملائه ولكن عقله مشغول تمامًا بشيء آخر.
"تعالى يا عمر، جرب دي بقى يا دكترة، هتخليك تشوف الدنيا بطريقة تانية!" قال سامح، أحد أصدقائه، وهو يمرر له سيجارة مخدرة.
عمر أخذ نفسًا عميقًا وهو يرد قائلاً: "لا تانية ولا تالتة. مافيش حاجة بتتغير، واللي بيروح مبيرجعش."
ولكن بعد لحظات من الإصرار من سامح، أخذ عمر السيجارة وسحب نفساً منها وبدأ يشعر بشيء غريب يغزو عقله.
بينما كان الجميع يتكلمون ويتعاطون المخدرات، شعر عمر أن كل شيء من حوله بدأ يتلاشى، والأصوات أصبحت بعيدة. كل شيء أصبح غير واضح، وكأن الزمن توقف فجأة.
فجأة، وجد نفسه في مكان مظلم تمامًا. كان صغيرًا، في الرابعة من عمره. أمامه، على الأرض، كان والده جاد ممددًا في بركة من دمه نتيجة إصابة بطلقة في الرأس، بينما أمه سحر كانت بجانبه، ميتة أيضًا بنفس الطريقة.
صوت خطواته كان خافتًا، وعينيه اتسعت من الصدمة. "ماما... بابا؟ " همس بها وهو يراقب المشهد، لكنه لم يجد إجابة.
ثم شعر بشيء مظلم يقترب منه، يسحبه إلى الظلام، فركض في محاولة للهروب، لكن قدميه كانت مشلولة، والوقت كان وكأنّه قد توقف. كانت اللحظة وكأنها أبدية، وهو عالق في هذا المشهد المريع.
استفاق عمر فجأة من هذا الكابوس، عينيه متسعتين، وتنفس بسرعة وكأن قلبه سينفجر. كان عقله ما يزال مشغولًا بتلك الذكرى القديمة، وعينيه تجولان في المكان بذهول.
"إيه يا عم مالك؟ انت كويس؟" سأل أحمد، أحد أصدقائه، وهو يراه في حالة غريبة.
رد سامح بسخرية:"شكل دماغك خفيفة يا مان ومش قد الشرب."
لكن عمر لم يرد، وبدون أن يتكلم، نهض من مكانه مسرعًا، وخرج من المكان وكأنّه يحاول الهروب من شيء كان يطارده.
المشهد الخامس:
في تمام الساعة الواحدة صباحًا، كان البيت يغمره الصمت، إلا من همسات الرياح في الخارج. فجأة، سمعت زينب صوت الباب الخارجي يُفتح.
"أنا سامعة صوت باب الشقة يا حسن!" قالت زينب وهي جالسة على سريرها.
حسن رفع رأسه وقال بهدوء: "دا أكيد عمر."
ثم سمعوا خطواته وهو يدخل، وبعد لحظات، أغلق باب غرفته بقوة.
زينب تنهدت وقالت: "شكله لسة على نفس حالته، متغيرش."
حسن، وقد بدا عليه القلق، قال: "أنا هقوم أتكلّم معاه."
زينب نظرت إليه وقالت: "وأنا هاجي معاك."
دخلوا إلى غرفة عمر ليجدوه مستلقيًا على سريره بشكل عشوائي، كما لو أنه قذف نفسه عليه، جسده في حالة من الفوضى واللامبالاة. كانت علامات الإرهاق واضحة على ملامحه، وعينيه شبه مغلقتين.
جلس حسن بجانب عمر على السرير، ووجهه مليء بالقلق.
حسن: "وبعدهالك يا عمر؟ هتفضل تعمل في نفسك كده كتير يا ابني؟ انت كده بتدمر نفسك ومستقبلك. ابوك مكنش هيرضيه حالك كده. ده مش طريقك، ولا دي سكتك، ولا ده اللي هو كان عايزه ليك."
عمر اعتدل على السرير وجلس، وضحك بسخرية، عينيه مليئتان بالقهر وقال:
"كلام جميل، جميل جداً... بس هو فين؟"
حسن تفاجئ وصمت لثواني قبل أن يرد:
"نعم؟"
عمر: "هو فين أبويا؟ فين؟ كان المفروض هو اللي يقعد مكانك دلوقتي ويقولي الكلام ده... لكن هو ميت. فمتاخدش دور مش دورك."
حسن حاول ان يتمالك نفسه، وملامح وجهه تغيرت بين القلق والضيق، لكنه ظل صامتاً.
بينما كان حسن صامتًا، كان عمر لا يستطيع إيقاف كلامه، استمر بصوت متوتر مليء بالانفعال وقال:
"أقولكوا انتوا شايفني ازاي؟ عمر، العيل الفرفوش اللي بيضحك، وضارب الدنيا طناش، الدحيح اللي كل سنة بيبقى الأول على دفعته... دماغه مافيهاش إلا التعليم والروقان وبس... حد منكم فكر أنا جوايا إيه؟"
حسن هز رأسه قليلاً، ابتلع غصة في حلقه، وشعر بالحزن العميق، لكنه ظل صامتًا، لا يعلم ماذا يقول.
عمر استمر في حديثه بنبرة مرتفعة، عينيه مليئتين بالحزن والغضب، وهو يكمل كلامه:
"أنا طول الوقت لابس قدام الكل القناع ده، قناع الضحك واللامبالاة عشان محدش يعرف اللي جوايا طول السنين دي، عشان مشوفش نظرة شفقة من حد. لكن أنا جوايا أسئلة كتير مالهاش إجابات، جوايا نار قايدة مبتتطفيش."
نظر لحسن بتحدي، وكأن كل كلمة يقولها كانت تثقل قلبه أكثر:
"انت خسرت أخ كنت نادراً ما بتزوره وتقعد معاه. لكن أنا... أنا خسرت أب وأم، خسرت الأمان والحضن اللي كان بيحتويني، ملحقتش أشبع بوجودهم جنبي. كنت في المدرسة ببقى لوحدي منبوذ، كلهم ليهم والديهم وأنا... أنا كنت يتيم ماليش حد."
نظر للأسفل قليلاً قبل أن يكمل بصوت منخفض، ودموعه تكاد تغلبه:
"أنا أكتر واحد اتألم فيكم، ومتكلمتش، كل واحد منكم عايش حياته عادي وبيشوف مصالحه ونسي كل اللي حصل، لكن أنا منسيتش... أنا كل يوم بحلم بيهم وهما ميتين قدامي وسايحين في دمهم ومبقدرش أعمل حاجة، حتى الصراخ مبقدرش عليه... وبعد كل ده مستخسرين فيا يوم... مجرد يوم أحاول أتنفس فيه! سيبني في حالي يا عمي... بالله عليك سيبني في حالي."
حسن ظل صامتًا للحظة، ثم انفجر فجأة وصفع عمر على وجهه. كان قلبه مليئًا بالغضب، بينما عمر ظل في مكانه، مدهوشًا من رد فعل عمه.
قال حسن، بصوت منخفض ولكنه مليء بالحدة: "قوم من الضياع اللي بتغرق نفسك فيه ده!"
عمر، الذي كان في حالة من الصدمة، نظر إلى عمه بعيون مملوءة بالألم، لكنه لم يرد. حسن لم ينتظر ردًا، وصفع عمر مرة أخرى، هذه المرة أقوى: "فوق قبل ما تخسر روحك وكل حاجة تضيع من بين ايديك!"
ثم ضربه مرة أخرى، والدم بدأ ينزل من زاوية فمه: "أبوك كان نفسه يشوفك راجل... راجل يقدر يحقق حلمه ويتحمل مسؤولية نفسه! على الأقل احترم كل اللي تعب فيه وبناه عشانك!"
فجأة، تدخلت زينب، وركضت نحو حسن ممسكةً بذراعه، وقالت بصوت حاد: "كفاية يا حسن! كفاية عشان خاطري!"
بينما كانت زينب ممسكة بحسن بقوة، كان حسن ينظر إلى عمر بنظرة حادة وعينيه مليئتان بالغضب. تنفس بعمق قبل أن يوجه كلماته لعمر.
قال حسن بصوت خافت، لكنه مليء بالقوة:
"أبوك ملحقش يربيك، لكن واضح إنك فاكرني ضعيف ومش هقدر أربيك بعد مابقيت شحط طول بعرض، لكن لأ."
ثم اقترب منه أكثر وقال بعنف، وكأن كل كلمة تخرج من فمه هي تهديد حقيقي:
"من هنا ورايح، لو شوفتك تاني في الحالة دي، هكسر رقبتك بإيدي. ومش هسمحلك تضيع ذكرى أخويا وتعبه بسبب ضعفك ده، إنت فاهم ولا لأ؟"
ظل حسن ثابتًا في مكانه، بينما كانت زينب تراقب الموقف بقلق، تحاول تهدئة الوضع بقدر ما تستطيع.
بعد أن ترك حسن وزينب الغرفة، ظل عمر جالسًا على السرير، جسده مرهق وعينيه مشوشة. تركا الباب مغلقًا خلفهما، وصوتهما تلاشى في الممر.
"لو شوفتك تاني في الحالة دي...هكسر رقبتك بإيدي. "
ظلت كلمات حسن تتردد في ذهنه. لم يعرف ما الذي يشعر به، هل هو غضب أم حزن؟ أم أنه صراع داخلي مع نفسه؟
أغمض عينيه للحظة، محاولًا تصفية ذهنه. شعر بالضياع، بالوحدة، وبأن كل شيء قد فات. "أنا أيه اللي وصلني لكده؟" همس بها بصوت منخفض.
دموعه تساقطت من عينيه، وهو يراجع ذكرياته القصيرة مع أبويه. هل كان فعلاً الشخص الذي يراه الجميع؟ الشاب المرح؟ أم كان هناك شيء آخر في قلبه لم يره أحد؟
وضع يده على رأسه وأغمض عينيه، وكأن كل شيء أصبح ضبابيًا الآن. لا أحد يستطيع أن يرى ما بداخله.
وأدرك أنه حان الوقت ليواجه نفسه، ليكتشف ما الذي يجري بداخله.