الفصل الأول:
المشهد الأول:
في أحد أركان معمل الدكتور جاد، حيث تتناثر أنابيب الاختبار والزجاجات المرموزة بأكواد غير مفهومة، كان الرجل يحدّق في الشاشة أمامه، حيث تتداخل معادلات مع رسومات عصبية وأرقام تتغير بسرعة. أضاءت عيناه بنظرة مركزة بينما كان يدوّن شيئًا على ورقة بالية تظهر عليها تعقيدات أشبه بشفرة لا تُفهم من أول وهلة.
لقد قضى سنوات في محاولة اختراق الحدود بين الجسد والعقل، وربما أبعد من ذلك. ما كان يبحث عنه لم يكن مجرد علاج لمرض نادر كما يظن البعض… بل كان على أعتاب تغيير جذري في فهم الإنسان لنفسه.
على الطاولة أمامه، كانت هناك ورقة واحدة، مطوية بعناية، تحتوي على خلاصة تجربته الأخيرة… الجزء الأهم من رحلته. ورقة لو وقعت في الأيدي الخطأ، قد تغيّر وجه العالم إلى الأبد.
رنّ الهاتف. لم يكن رقمًا معروفًا.
"دكتور جاد... إحنا من منظمة أيروس. شايفين إن تجربتك قربت تخلص، ومحتاجينك تكمل معانا لآخر خطوة. مستعدين نقدملك تمويل كبير... مبلغ يليق بحجم اللي بتشتغل عليه."
ساد صمت لثوانٍ، ثم رد جاد بصوت ثابت:
"أنا شغال معاكم من الأول... بس مش معنى كده إني هكمّل بالطريقة اللي إنتوا عايزينها."
الصوت الآخر جاء أكثر ضغطًا:
"دكتور جاد، التجربة دي مش بس مسألة علمية. إحنا بنتكلم عن قوة ممكن تغيّر موازين حاجات كتير. كل المطلوب إنك تسلّم النتايج وتساعد في تفعيلها. فكر كويس... الفرصة دي مش هتتكرر."
جاد نظر إلى صورة صغيرة له ولسحر زوجته، وابنه عمر، موضوعة بجوار الحاسوب. ثم قال بنبرة باردة:
"أنا فاهم كل حاجة... وعشان كده برفض عرضكم."
أغلق جاد الهاتف دون تردد، وظل جالسًا في مكانه للحظات، كأن هناك صوتًا ما في رأسه يحذّره من أن هذه اللحظة قد تكون بداية النهاية. كان يشعر بثقل الضغط الذي بدأ يحيط به من كل جانب.
دخلت سحر إلى الغرفة، حاملة طعامًا بسيطًا، وعينها متسائلة وقلقة.
"إيه يا جاد؟ مش كفاية شغل بقى... إرتاح شوية يا حبيبي."
نظر إليها جاد بتنهيدة عميقة، ثم خلع معطفه قائلاً:
"سحر... جالي اتصال من منظمة أيروس."
سحر توقفت في مكانها، وقلقها ازداد، وهي تقترب منه:
"منظمة أيروس؟ هما عايزين منك ايه بالظبط؟"
جاد أمسك رأسه بين يديه لثوانٍ، وكأن الأفكار تتصارع في رأسه، ثم رفع نظره إليها وقال:
"هما عايزيني أكمل التجربة بالطريقة اللي هما عايزينها. عايزيني أسلملهم النتايج وأساعدهم في تفعيلها. مقابل مبلغ كبير طبعاً."
سحر ارتجفت يدها، وعينها امتلأت بالقلق، وهمست:
"يعني ممكن يعملوا حاجة؟ لو استمريت برفضك ليهم، ممكن يضرّوك، مش كده؟"
جاد تمالك نفسه، وقال بهدوء محاولًا أن يبدو واثقًا:
"ممكن يعملوا أي حاجة. لكن لو انسحبت، هيكون اللي عملته لحد دلوقتي مالوش قيمة. لازم أكملها بطريقتي، أنا مستعد لأي حاجة ممكن يعملوها."
سحر اقتربت منه، وأمسكت بيده، كانت تشعر بحالة من التوتر الكبير، وقالت بصوت خافت:
"لكن ده خطر يا جاد، ده مش مجرد تحدي علمي. ده ممكن يجيبلك مشاكل أكبر من اللي أنت بتقول مستعدله ده."
جاد شد على يدها وقال بهدوء، وهو ينظر في عينيها:
"عارف يا سحر، بس كل اللي بنعمله ممكن يكونله عواقب. مش هقدر أوقف دلوقتي... التجربة دي مش بتاعتي لوحدي، ولا هي هتخدم مصلحتي الشخصية بس. دي حياة ناس، عشان كده لازم أستمر."
سحر سكتت للحظة، ثم نظرت له بنظرة مليئة بالحب والخوف، وهمست:
"أنا معاك في كل خطوة يا جاد، بس خلي بالك... لو في أي خطر بيهددك، أنا مش هقدر أتحمل."
جاد ابتسم لها بابتسامة خفيفة، وقال بصوت أكثر إصرارًا:
"إحنا هنتحمل مع بعض. ومتقلقيش، أنا مش هسمح لحاجة تضرنا."
في تلك اللحظات، كان عمر، ابنه ذو الأربع سنوات، يقف خلف الباب، يراقب والديه بحذر. كانت عيناه مليئة بالبراءة، لكن في أعماقه كان يشعر بشيء غريب، كأن هناك سرًا كبيرًا يخفونه عنه.
لكن سرعان ما تحولت تلك اللحظات إلى كابوس.
مع منتصف الليل، دوّت أصوات طرقات قوية على الباب، تبعها أصوات طلقات نارية.
"جريمة قتل. الدكتور جاد وزوجته سحر تم أغتيالهم في منزلهم."
كان هذا صوت المحقق الذي أتى مع قوات الشرطة، وكانت الدماء تسيل على الأرض، والجريمة كانت أكثر وحشية مما يتخيل أحد. وفي تلك اللحظة، كان عمر واقفًا في الزاوية، يراقب من بعيد، لا يفهم ما يحدث.
لم يكن يعلم أن تلك اللحظات ستكون بداية الفصل الأول من حياته المظلمة. الفصول التي لن تعرف الرحمة، التي لن تدعه يفلت منها.
من تلك اللحظة، أصبح عمر يعرف أن حياته لن تكون أبدًا كما كانت.
المشهد الثاني:
داخل قسم الشرطة، كان الجو مشحونًا بالحزن والقلق. الضباط مشغولون بالتحقيقات، والجميع يتحدث عن جريمة قتل الدكتور جاد وزوجته سحر. عمر، الطفل الصغير، كان جالسًا في ركن القسم، عينيه مملوءة بالدموع، وجهه يعكس الصدمة والحيرة. كان لا يزال صغيرًا، لكن المصيبة التي حلت بعائلته كانت أكبر من أن يفهمها.
دخل حسن، عم عمر، بسرعة وهو يرتدي معطفه، وكان وجهه يحمل ملامح القلق والتوتر. توجه نحو الضابط المسؤول، الذي كان يقف خلف المكتب.
"إيه اللي حصل لجاد؟ إزاي يتقتل في بيته هو ومراته بالسهولة دي؟" سأل حسن، صوته مشدود بالغضب والحزن.
أجاب الضابط وهو يحاول أن يظل هادئًا:
" إهدى يا استاذ حسن، الجريمة كانت بشعة. بس مفيش شهود أو أدلة واضحة، لكن في مؤشرات بتدل على أن الموضوع مش جريمة قتل عادية بهدف السرقة، والتحقيقات لسة مستمرة."
"وعمر؟" سأل حسن بلهفة وهو ينظر إلى عمر.
"الطفل في حالة صدمة شديدة، مش قادر يتكلم أو يعبر عن اللي شافه. لازم يكون في مكان آمن، لأن حالته النفسية صعبة أوي. وبالنسبة لإجراءات الدفن ف لسة الطب الشرعي بيشرح الجثث، بعدها تقدر تستلمهم بعد ماتخرج تصريح الدفن." أجاب الضابط.
حسن شعر بثقل الكلمات، لكن لم يكن لديه خيار آخر سوى أن يأخذ الطفل. توجه نحو عمر وجلس بجانبه بلطف، وحاول أن يربت على كتفه:
"تعالى يا حبيبي، متخافش، هنخرج من هنا دلوقتي."
توجه حسن إلى الضابط، الذي كان قد أعد استمارة استلام الطفل. طلب منه الضابط أن يوقع على استلام عمر من القسم. حسن أخذ القلم، ووقع في المكان المخصص له، ثم نظر إلى عمر وابتسم له ابتسامة خفيفة.
"يلا بينا يا عمر، هنروح البيت." قال حسن، وهو يأخذ يد الطفل ويخرج به من القسم.
بينما كانوا في طريقهم إلى الخارج، كانت أفكار حسن تتسابق في رأسه. ما حدث لم يكن مجرد جريمة قتل، بل كان بداية لشيء مظلم أكبر، وكان عمر الآن في وسط هذا المجهول.
المشهد الثالث:
وصل عمر مع عمه حسن إلى البيت، وكان الجو هادئًا في الحي. دخلوا من باب الحديقة، وعين حسن مليئة بالقلق على حالة عمر.
لحظة دخولهم، خرجت زينب، زوجة حسن، من غرفة الجلوس. عندما رأت عمر، توقفت لحظة.
"إيه الأخبار؟" سألَت زينب بقلق.
حسن نظر إلى عمر، ثم قال بحزن شديد وعينيه تترقرقان بالدموع:
"للأسف الخبر حقيقي، جاد اتقتل هو ومراته ومش هقدر استلمهم قبل ما الطب الشرعي يشرح الجثث، والولد مصدوم من اللي شافه، مش قادر يتكلم. اللي حصله كان صعب جدًا."
زينب تقدمت نحو عمر، وضعت يدها على كتفه وقالت برفق:
"مفيش حاجة تخوفك يا حبيبي، إنت في أمان هنا."
عمر نظر إليها بصمت، عيونه مليئة بالدموع، لكنه لم يتحدث.
حسن تنهد، ثم قال:
"الموضوع شكله كبير يازينب. في حاجة غريبة بتحصل."
زينب أجابت:
"خلينا نشوف موضوع الدفن والجنازة الأول، ونشوف هنعمل ايه مع المسكين اللي إتيتم بدري ده، وبعدين كل حاجة هتتكشف مع الوقت."
المشهد الرابع:
مرّت السنوات، وكبر عمر ليصبح شابًا في منتصف العشرينات من عمره ذو شعر بني كثيف و عينين بنيتين كوالده الدكتور جاد، كان في السنة الخامسة بكلية الطب. هادئ الطباع أمام الجميع، لكنه يحمل في داخله طوفانًا من الأسئلة والهموم. تفوّقه في الكيمياء والفيزياء لفت أنظار أساتذته، حتى أن بعضهم بدأ يعتمد عليه كمساعد غير رسمي.
في نهاية إحدى المحاضرات، قال دكتور نبيل أحد دكاترة الجامعة ذات يوم وهو ينظر لعمر بنظرة فخر:
"الولد ده لو استمر على نفس المستوى، هيعمل إنجاز يتهزله العالم كله!"
ضحك كريم، زميله المقرب، وقال وهو يلكزه بخفة:
"إبسط يا عم، ده أنت بقيت تمشي في المدرج الناس بتصورك كأنك عالم ذرة ولا فنان مشهور."
ضحك عمر وردّ بسرعة وهو بيرفع يده في وجه كريم:
"يا عم الله أكبر في عينك... إنت هتقُر يالا ولا إيه؟ خف ياحبيبي مش ناقصة عينك، الحال واقف لوحده."
ضحكوا سويًا، ثم تفرقوا كل واحد منهم إلى طريقه.
عاد عمر إلى بيت عمه في نهاية اليوم، فتح الباب بهدوء كعادته. من المطبخ، سمع صوت زينب:
"أنت جيت يا عمر؟ الغدا جاهز، كلك لقمة قبل ما الأكل يبرد."
رد حسن من الصالة:
"تعالى يا ابني، شكلك هلكان ووشك أصفر من التعب."
دخل عمر، جلس وهو ينزل حقيبته من على كتفه وقال:
"يوم طويــل... بس عدى الحمد لله."
رد حسن بابتسامة هادئة:
"أهو كلها سنتين وتخلص، شد حيلك بقى يا بطل."
زينب قدمت له طبق الشوربة بلسان العصفور والدجاج:
"كُل يا عمر... شكلك هفتان ومش عاجبني خالص."
رد عمر وهو يضحك:
"ما أنتِ طول عمرك شايفاني هفتان، إيه الجديد، اتعودي بقى."
جلسوا على السفرة الصغيرة، وكان البيت دافئًا على بساطته... دافئًا كفاية ليخفي برودة العالم في الخارج.