انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل السابع والثلاثين - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع والثلاثين

الفصل السابع والثلاثين

رزان كانت واقفة في الممر قدام اوضة مراد ، بتبص لبلال بنظرة كره صافي.. نظرة شخص مش طايق حتى يشم النفس اللي بلال بيتنفسه. مكنتش مصدقة إن "العشرة" تهون عليه كدة، وإن الوش الهادي ده مخبي وراه وحش كاسر. لو كان أذاها هي، كان ممكن قلبها يلين وتسامح، لكن يلمس مراد؟ يوصله للسرير ده وبين الحياة والموت؟ دي اللي مفيش فيها غفران ليوم الدين. وقبل ما رزان تنطق بكلمة لوم واحدة، فجأة هدوء الممر اتكسر. مروان وسامر ظهروا من بعيد، وأول ما مروان لمح بلال واقف قدام رزان، كأنه اتحول لبركان وانفجر. طار في الممر زي الريح، مكنش شايف قدامه غير وش بلال اللي "خان" كل حاجة. مروان هجم على بلال وزقه في الحيطة وهو بيصرخ بوجع وقهر "يا واطي! يا خاين! بقى إنت يا بلال؟ إنت اللي تبيعنا وتبيع مراد عشان شوية فلوس وراجل وسخ مشغلك؟ إنت توصل بيك القذارة إنك تبعت وراه مقطورة تهرسه؟" مروان مأداش لبلال فرصة يرد، ونزل فيه لكمات وضرب بجنون، وسامر كان بيحاول بكل قوته يشد مروان ويبعده وهو بيزعق "اهدى يا مروان! مش كدة.. إحنا في مستشفى!" بلال مكنش بيرد الضرب، كان بس بيحاول يحمي وشه ب إيده، ولما سامر قدر يشد مروان بصعوبة، بلال وقف وهو بينهج وبيعدل ياقة قميصه ببرود غريب، ومسح خيط دم رفيع نازل من شفته. سامر بص لبلال بحدة وعينيه بطلع شرار وسأله "إنت بتعمل إيه هنا يا بلال؟ ليك عين تيجي وتورينا وشك بعد اللي عملته في مراد؟" رزان هنا رمت القنبلة وصوتها لسة بيترعش من أثر الخنق "ده مش جاي يطمن يا سامر.. في واحد جا عشان يخلص على مراد جوه والظاهر انه يعرفه ! شكله اللي بعته هو اللي قتل العم البحار المسكين في الأوضة اللي جنبنا.. هما جايين يقفلوا المحضر بدمنا كلنا!" مروان وسامر اتسمروا مكانهم. مروان عينه جت على رقبة رزان، وشاف علامات صوابع زرقاء ومحمرة مكان الخنق. في اللحظة دي، كان بجد هيدبح بلال، صرخ فيه وهو بيقرب منه بخطوات مرعبة "وحياة دمعة مرات اخويا دي، ودم مراد اخويا اللي مغرق الأرض، ما هسيبك يا بلال! لو القانون مجابش حقنا، أنا هجيب حق صاحبي بإيدي.. هنهيك يا بلال!" بلال حاول يبرأ نفسه بلهجة فيها اضطراب بسيط "أنا مبعتش حد! ده أنا اللي لسة مساعدها أصلا " سامر قاطعه بجمود وصوت قاطع "وفر كلامك يا بلال.. أنا هقولك نصيحة أخيرة، روح سلم نفسك. إحنا لسه مخلصين مع الشرطة وادينا إفادتنا، واسمك بقى رقم واحد في المحضر.. السكة اللي إنت ماشي فيها آخرتها سودة." بلال بص لسامر، وبعدين بص لمروان اللي كان واقف قدامه زي السد المنيع، مروان همس له بصوت مليان غل "إنت مابقتش واحد مننا يا بلال وده من زمان .. ودلوقتي إنت بقيت "جثة" ماشية على الأرض بالنسبة لنا. اطلع بره قبل ما أرتكب فيك جناية هنا." هنا، بلال ملامحه اتغيرت فجأة. الارتياب اختفى، ورسم على وشه "ابتسامته المستفزة" المشهورة، وهز كتافه ببرود وهو بيقول "شرطة؟ إفادة؟ وروني هتعملوا إيه.. إنتو معاكم كلام وبس، لكن دليل واحد يربطني بالحادثة أو باللي حصل هنا مفيش. القانون مابيمشيش بالنيات يا حضرة الاصحاب." وبعدها سكت لحظة، وملامحه بقت حجر، وبص لرزان نظرة قصيرة ، وبعدين بص لسامر ومروان وقال بلهجة تحذير أخيرة "أنا حذرت مراد قبل كده ، قلت له بلاش تفتح أبواب مقفولة وبلاش تلعب مع الكبار.. هو اللي ركب دماغه ووصل نفسه للسرير ده. ودلوقتي الدور عليكم.. ابعدوا عن السكة دي عشان ميبقاش مصيركم زيه." و لف ضهره ومشي بكل برود في المرر، وسابهم يغلوا من القهر.. عرف يضربهم في مقتل، لأنهم فعلاً عارفين الحقيقة، بس "الدليل" غرق مع البحار في المية، وتاه في زحمة المستشفى. ______ بعد ما بلال اختفى في آخر الممر، مروان ضرب كف على كف بقلة حيلة، وبص لسامر ورزان وقال بنبرة مليانة مرار "أنا مش عايز أعترف بالهزيمة، بس الخاين ده عنده حق.. إحنا فعلاً معندناش دليل مادي يربطه باللي حصل. كلامنا قصاد كلامه، والشرطة مابتمشيش بالنيات فعلا " سامر سحب نفس طويل أوي، ومسح على وشه بتعب، وقال بصوت واطي ومهموم "فعلاً يا مروان، حادثة المينا متخطط لها صح، والبحار اللي كان شاهد مات وسره معاه.. مفيش ورقة ولا صورة تثبت إن بلال هو اللي بعت المقطورة، لكن..." سكت فجأة، وبص لمروان ورزان بنظرة فيها "جدية المحامين" اللي بيظهر في وقت الأزمات. رزان قربت منه بلهفة هي ومروان وسالوا " لكن ؟!" سامر وطى صوته خالص، وخلاهم يقربوا منه في دايرة ضيقة "مراد قبل الحادثة دي بفترة، قالي على شكوكه في حادثة العربية اللي حصلتلك إنتي وهو ليلة الحفلة.. فاكراها؟" رزان عقدت حواجبها بحيرة، وصورتها وهي مرعوبة في العربية ليلتها جت قدام عينيها "أيوة طبعاً فاكراها، بس إيه علاقة ده ببلال؟ إنت قصدك إن الحادثة دي كمان كانت..." شهقت شهقة مكتومة وحطت إيدها على بوقها بذهول "مدبرة؟!" سامر أومأ براسه بجدية "مراد كان شاكك، بس مكنش عنده "عين" شافت الحقيقة.. لحد ما ظهرت العين دي." مروان سأله بسرعة ومن غير صبر "عين مين يا سامر؟ مين اللي شاف بلال؟" سامر بص لرزان وقال بوضوح "الآنسة منة.. بنت خالة مراد." رزان عينيها وسعت من الصدمة "منة؟! منة شافت حاجة ؟!" سامر أكد كلامه بهدوء " الانسة منة شافت بلال ليلتها وهو بيعمل حاجة "مريبة" في عربية مراد قبل ما تتحركوا من قدام الفندق ، وبعدها بدقايق الحادثة حصلت والفرامل خذلتكم. يعني لو حضرتعا شهدت إنها شافته بيلعب في الميكانيكا بتاعة العربية، يبقى معانا "شروع في قتل" رسمي، ودي الخيط اللي هيسحب بلال من رقبته للتحقيق." مروان عينيه لمعت بأمل "يعني لو شهدت، نقدر نلبسه قضية ونقاضيه ونحبسه؟" سامر هز راسه "أيوة.. وبمجرد ما يتدبس في قضية شروع قتل قديمة، الشرطة هتفتح ملفاته كلها، وهنضغط عليه في التحقيق لحد ما يقع ويجر معاه "الراجل الكبير" ده، وساعتها حادثة المينا وحق البحار وحق مراد كلهم هيرجعوا في خبطة واحدة." رزان بدأت تفرك إيديها بارتباك وتوتر "بس يا سامر، منة شغالة عند بلال في الشركة وليها اسمها وحياتها تفتكر هترضى تدخل في معمعة زي دي؟ بلال مش سهل وممكن يهددها أو يأذيها." سامر بص لغرفة العناية اللي فيها مراد، وقال بقوة "ده الحل الوحيد اللي قدامنا يا رزان. لو الانسة منة خافت، حق مراد هيضيع، والراجل الكبير هيفضل يلف حوالينا لحد ما يخلص علينا واحد ورا التاني. لازم تتكلم، ولازم مراد لما يفوق يلاقينا جهزنا المشنقة ." _______ الأوضة كانت غرقانة في ضلمة كحل، مفيش فيها غير خيط رفيع من ضوء القمر داخل من الشباك العالي، راسم لوحة كئيبة على الأرض. فجأة، السكون ده اتكسر بصوت "لطمة" قلم قوية رنت في المكان زي ضربة الكرباج، خلت بلال يترمي على الأرض ووشه يلف الناحية التانية من قوة الضربة. قدامه كان واقف إسحق العتوري.. راجل طول بعرض، في أواخر الخمسينات، ملامحه محفورة بقسوة السنين اللي قضاها في الشوارع كبياع غلبان لحد ما ذكاؤه الشيطاني وقوته الجسدية خلوه "مرابي" وبتاع "أعضاء" بيبيع ويشتري في لحم البشر. مصانع الأحذية اللي بيملكها كانت مجرد ستارة لكل القذارة اللي بيعملها، وهي دي السكة اللي سحبت بلال لما كان برا وتعرف عليه، وفتحت له أبواب جهنم اللي فاكرها أبواب رزق. الراجل اللي لابس الكاب الأسود كان واقف في الركن، زي خيال المآتة، مراقب المشهد ببرود بعد ما فتن على بلال وقال لإسحق إن بلال "دخل ومنع قتل مراد" وفسد الليلة كلها. إسحاق وطى بجسمه الضخم على بلال، ومسكه من ياقة قميصه رفعه لفوق وهو بيهمس بصوت زي فحيح التعابين "إنت فاكر نفسك كبرت يا بلال؟ فاكر إنك بقيت ليك رأي وبتقرر مين يعيش ومين يموت؟ أنا لما بشغّل كلب عندي، بيبقى عشان ينفذ.. مش عشان يعملي فيها بطل تراجيدي وينقذ صاحبه القديم." إسحاق رماه على الأرض بقرف، وقعد على كرسي الجلد العالي بتاعه، وطلع منديل قماش وبدأ يمسح إيده ببرود غريب، ورسم على وشه ابتسامة باهتة تخلي الدم يتجمد في العروق "بص يا شاطر.. الحكاية دلوقتي باظت، والشرطة أكيد بدأت تشمشم. بس تحب أقولك مين اللي هيلبس الليلة دي من ساسه لراسه؟ إنت." بلال زحف على ركبه وهو بيلهث برعب "يا باشا.. يا باشا والله أنا عملت كدة عشان ميبقاش فيه شوشرة في المستشفى، والشرطة كانت برا.. وبعدين هما معندهمش دليل! مراد نايم دلوقتي بين الحياة والموت، ومفيش ورقة واحدة ضدنا." إسحق ضحك ضحكة مكتومة ومن غير روح "ولو صحي يا روح أمك؟ لو فاق ونطق؟ ساعتها إنت اللي هتتحاسب.. وهتطلع في الصورة إنك عملت كدة بدافع "الغيرة" من نجاحه ومن حياته. وإياك.. إياك لسانك يغلط ويجيب سيرتي، لأنك ساعتها مش بس روحك اللي هتطلع، ده أنا هحرق عيلتك كلها قدام عينيك وإنت حي. هتلبس القضية لوحدك وتخرس خالص.. فاهم؟" الراجل اللي لابس الكاب نطق بجمود "لو كنت سابني خلصت عليه يا باشا، كنا زمانا قفلنا الملف ده للأبد وريحنا دماغنا من وجع الدماغ ده." بلال هز راسه بجنون وهو بيحاول يقنع إسحق "يا باشا صدقني، مفيش دليل خالص! مروان وسامر والشرطة، كلهم بيخبطوا في حلل.. مفيش خيط واحد يوصلهم لسيادتك ولا حتى ليا في حادثة المينا. سيبوني بس أتصرف وأنا ههدي اللعب خالص." إسحق بص لبلال بنظرة احتقار، ورجع ضهره لورا وسند راسه "قدامك فرصة واحدة يا بلال.. لو مراد ده نطق بحرف واحد، أو لو حسيت إن رجلك بدأت تخونك في التحقيق، اعتبر نفسك "قطعة غيار" في مصنعي الجاي.. اطلع من قدامي دلوقتي." بلال قام وقف بوجع، وشه كان مورم وقلبه بيدق رعب، خرج من الأوضة الضلمة وهو حاسس إن الحبل بدأ يضيق على رقبته، وإن "الباشا" اللي كان سنده، بقى هو أول واحد مستعد يضحي بيه. أول ما بلال خرج من الأوضة وهو بيجر أذيال الخيبة والرعب، السكون رجع تاني يسيطر على المكان، بس كان سكون يقطع النفس. إسحاق العتوري فضل باصص للباب اللي قفل ورا بلال بنظرة خالية من أي رحمة، وكأن بلال بالنسبة له بقى "كرت محروق" ومستني اللحظة اللي يرميه فيها في النار. إسحاق التفت ببطء للراجل اللي لابس الكاب، اللي كان واقف زي الصنم في الضلمة، وشاور له بصباعه بمنتهى الحزم "عينك متبعدش عنه ثانية واحدة.. أي خطوة يخطيه، أي بني آدم يكلمه، أي مكالمة يعملها.. تكون وراه زي خياله." إسحاق سحب نفس طويل من سيجاره الفخم وطلع الدخان ببطء وهو بيكمل بصوت واطي ومرعب "بلال ريحته بقت "خوف"، والخايف ده أول واحد بيغدر عشان ينجي برقبته. ثقتي فيه اتهزت، ولو حسيت بس إنه بيفكر يفتح بقه للشرطة أو يحن لصاحبه مراد.. تخلّص عليه فوراً ومن غير ما ترجعلي. فاهم؟" الراجل اللي لابس الكاب نزل راسه علامة على الطاعة والاحترام الشديد، ورد بنبرة فيها تشفي وكأنه كان مستني اللحظة دي "تمام يا باشا.. بلال تحت رجلي، واللحظة اللي هيغلط فيها هتكون آخر لحظة في عمره. اعتبر الموضوع منتهي." إسحاق ابتسم ابتسامة باردة وهز راسه، وكأنه بكده بيعلن إن "اللعبة" دخلت ليفل جديد، وإن بلال اللي كان دراعه اليمين، بقى دلوقتي هو الهدف رقم واحد لو الأمور خرجت عن السيطرة. _______ تاني يوم الصبح، المستشفى كانت زحمة بأهل مراد اللي وصلوا وشوشهم مخطوفة، آسيا ماسكة في إيد رنيم، ومعاهم خالة مراد وجوزها ومنة. رزان كانت واقفة زي "الوتد" رغم التعب، حاولت تطمنهم بكلمتين صابرين، وسابتهم يدخلوا لمراد العناية بالتناوب. مشهد آسيا ورنيم وهما شايفين "سند البيت" ممدد وصامت وبين الأجهزة كان يقطع القلب، دموعهم كانت نازلة بقهره على الراجل اللي طول عمره شايلهم...الاب والاخ و الصاحب والسند.. رزان في الوقت ده عينيها كانت بتدور على "منة". بصت لمروان وسامر وأومأت ليهم، وراحت ناحية منة اللي كانت قاعدة جنب مامتها. رزان استأذنت خالة مراد في كلمتين مع منة، والخالة بصت لبنتها بضيق وهمست لها "هي عايزة منك إيه دي؟" منة اتنهدت وقالت لمامتها بحدة مكتومة "يا ماما اهدي بجد مش وقته"، وقامت مشيت ورا رزان. اتجمعوا الأربعة (رزان، وسامر، ومروان، ومنة) في ركن بعيد عن عيون الأهل والتمريض. الجو كان مشحون، ومنة رفعت حاجبها بذكاء، حست إن فيه "مطب" كبير جاي في الطريق، بس سكتت وسابت رزان تبدأ. رزان خدت نفس عميق، ومسكت إيد منة وقالت بتمهيد وصوت واطي "منة انا مش هطول عليكي ،اللي حصل ده مع مراد مش مجرد حادثة طريق عابرة.. مراد كان بيحفر ورا ناس وحوش، والوحوش دول قرروا يسكتوه للأبد. إحنا محتاجينك يا منة، محتاجين حق مراد وحق الغلبان اللي مات بسببه ميروحش هدر... مراد قال لسامر قبل الحادثة انه...انه بلال سبق ودبر مكيدة لينا ولعب بالسيارة وانت شفتيه . " منة عينيها ضاقت بتفكير "يعني إنتي متأكدة إنها مدبرة؟ ومستر بلال.. هو اللي عمل كدة فعلاً؟" سامر اتدخل بمنطقية وهدوء "بصي يا انسة منة، إحنا معندناش دليل مادي يربط بلال بحادثة المينا النهاردة، بس عندنا خيط يربطه بمحاولة قتل قديمة.. الحادثة اللي حصلت لمراد ورزان ليلة الحفلة. مراد قالي إنك شوفتي بلال وهو بيلعب في عربيته ليلتها.. شهادتك دي هي "المفتاح" اللي هيخلينا نجر بلال للتحقيق، وساعتها كل بلاويه هتتفتح." مروان أكد على كلامه بحماس "يا منة، إنتي الوحيدة اللي في إيدك تلبسيه قضية شروع في قتل، وده اللي هيخليه ينهار ويعترف بمين الكبير اللي مشغله." رزان ضغطت على إيد منة وعينيها مليانة رجاء وحب "عشان خاطر مراد يا منة.. إنتي الوحيدة اللي تقدري تساعدينا." منة بصت لإيد رزان، وبعدين رفعت راسها وبصت في عينيها، شافت صدق وحب لمراد خلى قلبها يلين. ابتسمت بوضوح وأومأت براسها "مراد ابن خالتي وقبل كدة هو أخويا.. وأنا طبعاً مش هسيب حقه يضيع، وهشهد بكل اللي شفته يا رزان، متقلقيش." رزان من فرحتها، من غير ما تحس، اترمت في حضن منة وعانقتها بقوة. منة اتفاجئت في الأول بس بعدين بادلتها الحضن وهي مبتسمة. سامر ومروان بصوا لبعض بابتسامة نصر وراحة، أخيراً بقى معاهم خيط حقيقي. لما رزان بعدت، سامر قال بجدية "بس يا منة، لازم تعرفي إنك بمجرد ما تشهدي، علاقتك بالشركة وببلال انتهت، وممكن تفقدي وظيفتك فوراً." منة ردت ببرود وثقة "أنا أصلاً كنت ناوية أقدم استقالتي من فترة.. أنا ناوية أسافر برا مصر، الظاهر إني ملقيتش راحتي هنا، وعايزة أعمل حاجة صح قبل ما أمشي." رزان استغربت "هتسافري يا منة؟" منة ابتسمت لها "أيوة يا رزان، بس المهم دلوقتي مراد يقوم بالسلامة." سامر اتفق معاها إنها تقدم استقالتها وتروح معاه المركز، ورزان أصرت تروح معاهم. وفي وسط كلامهم، ظهرت رنيم فجأة وهي بتقول بلهفة "يا جماعة، الدكتور جاي يعمل فحص لابيه دلوقتي.. إنتو واقفين كدة ليه؟" رنيم استغربت لمتهم دي، بس مروان بسرعة "شغل" حبيبة قلبه، مسك إيدها وبدأ يسحبها وهو بيقول "يا قلبي خضيتينا، طب يلا بينا نشوف الدكتور قال إيه"، وخدها ومشي عشان ميسيبش لها فرصة تسأل. رزان بصت لمنة بامتنان أخير وقالت لها "شكراً يا منة، بجد شكراً"، وراحوا كلهم ناحية أوضة مراد والقلوب بدأت تدق بأمل جديد. ______ الكل كان واقف حابس أنفاسه، العيون كلها متعلقة بشفايف الدكتور وهو بيراجع "المونيتور" والتقارير اللي في إيده. الدكتور عدل نظارته وبص لآسيا ورزان وقال بنبرة هادية بس فيها دقة طبية "بصوا يا جماعة، عشان أكون صريح معاكم.. الحالة المستقرة اللي فيها مستر مراد دلوقتي تعتبر معجزة قياساً بالحادثة. النزيف الداخلي وقف تماماً، والعلامات الحيوية زي ضغط الدم والنبض ونسبة الأكسجين في الجسم كلها رجعت للمعدلات الطبيعية المستقرة . كمل وهو بيشاور على الأشعة "خبطة الراس عملت نوع من الارتجاج الشديد وتورم بسيط، وده اللي مخلي حالة الوعي لسه متأثرة. إحنا حالياً بنسحب الأدوية المنومة تدريجياً، والمخ محتاج وقت عشان يرجع لنشاطه الطبيعي ويبدأ يستعيد "درجة الوعي" مسألة استيقاظه دلوقتي مبقتش جراحية، هي مسألة وقت وقدرة جسمه على الاستجابة للتحفيز.. يعني مراد بيه دلوقتي في حالة "نوم عميق" والجسم بيصلح نفسه، وفوقانه ممكن يحصل في أي لحظة." رزان في اللحظة دي، حست إن الحمل تقيل أوي على كتافها. ضغطت بقبضتها على قلبها، وكأنها بتحاول تثبته مكانه عشان ميطلعش من صدرها. غمضت عينيها وهي بتتنفس بصعوبة وتهمس لنفسها بيقين "هيقوم.. مراد قوي ومستحيل يكسر قلبي. هيقوم وهيشوف بلال وهو بيدفع تمن كل وجع سببهولنا." كانت بتطمن نفسها إن الخطة بدأت، وإن الكماشة بدأت تضيق على رقبة بلال، وإن مراد أول ما يفتح عينيه، هيلاقي حقه وحق "مهدي" والبحار بيرجع قدام عينيه _______ بقية اليوم كانت عبارة عن طوفان من البشر، المستشفى اتحولت لخلية نحل وممر العناية مافضاش لحظة واحدة. موظفين وموظفات شركة "النواة" كلهم جم، من أصغر عامل بوفيه لحد كبار المديرين، والوجع كان باين في عينيهم بجد.. مراد مكنش بالنسبة لهم مجرد "مدير بيقبضهم"، ده كان الأخ والسند اللي عمره ما كسر بخاطر حد فيهم. حتى عم البواب وحراس الأمن، جم وهما ماسكين سبحاتهم وبيدعوا له بدموع حقيقية. شريك مراد في المشروع، اللي هو أصلاً مدير بلال، جه ووشه كان مليان أسف وحزن من اللي سمعه، وحاول يطمن رزان ويأكد لها إن الشغل مش هيقف وهيفضل أمانة لحد ما "البطل" يقوم بالسلامة. في وسط الزحمة دي، مامت رزان رتيبة وصلت وأول ما شافت بنتها خدتها في حضنها بقوة، كأنها بتسحب منها الوجع، وطمنتها بكلمات الأم الحنينة، وراحت لآسيا وسلمت عليها بحرارة، وقعدوا الاتنين يواسوا بعض في مصابهم. بشرى كمان جت، ماشية بالعافية وبطنها قدامها وخلاص أيام وتولد، حضنت رزان أوي وهمست لها "اجمدي يا رزان.. مستر مراد مش هيسيب "النواة" تقع، ولا هيسيبنا نربي العيال دي من غيره.. هو راجع، والله راجع." الخبر طبعاً طار زي النار في الهشيم، والصحافة والقنوات ملوا الساحة اللي قدام المستشفى، والمصورين مابطلوش فلاشات. "سامر" بذكائه وخبرته عرف إن ده الوقت الصح عشان يقلب الطاولة. خرج برا المستشفى، وقف قدام الميكروفونات بكل هيبة وثقة، ملامحه كانت حادة ونظرته فيها تحدي مرعب. مأداش تفاصيل عن "بلال" أو "الراجل الكبير" لسه، بس كلامه كان "رسايل مشفرة" تحت الحزام. سامر بص للكاميرات وقال بنبرة صوت قوية هزت المكان "يا جماعة، مراد شاكر مش مجرد اسم في سجلات التجارة، مراد شاكر هو المدير التنفيذي لكيان "النواة"، يعني عمود فقري لاقتصاد وشركات كتير. اللي حصل ده مش حادثة طريق عادية، والتحقيقات هتكشف المستور.. بس أحب أقول للي بيسمعوني، مراد مش الشخص اللي يختفي في صمت زي اللي قبله.. مراد وراه جيش، وأي شعرة تمسه هتقلب البلد مش بس الشركة." كان بيقصد بكلامه إن مراد مش "مهدي" الغلبان ولا "البحار" اللي ملوش حد، ده راجل تحت الضوء، واللعب معاه معناه اللعب مع "الأسد" في عرينه. سامر كان بيستغل الصحافة كدرع حماية لمراد، عشان "الراجل الكبير" يعرف إنه لو فكر يلمسه تاني، الدنيا كلها هتقوم مش هتقعد. ______ رزان كانت واقفة مع رنيم بيحاولوا يهدوا بعض، وفجأة لمحت وشوش مألوفة جاية من بعيد.. رهف، صاحبة عمرها، ومعاها جوزها اللي شغال مع مراد في الشركة، وابنهم الصغير اللي مراد بيعزه جداً وسبق وبات عندهم ليلة كاملة مالي البيت ضحك ولعب. أول ما رزان شافت رهف، ملقيتش نفسها غير وهي بتجري عليها، واترمت في حضنها كأنها بتدور على حتة من ايام زمان الهادية. رهف شددت من ضمتها لرزان، وبعدين بعدت شوية ومسكت وش رزان بين إيديها بلهفة، وبدأت تتفحص ملامحها بدقة وهي بتلومها بحنية "إيه يا رزان؟ إيه اللي جرى لوشك ده؟ إنتي خسيتي كدة ليه يا بنتي؟ مابتأكليش؟ مابتناميش؟ حرام عليكي نفسك، مراد لو قام وشافك كدة هيتجنن!" رزان ضحكت ضحكة باهتة، طالعة من وسط الوجع "آكل إيه بس يا رهف؟ هو فيه نفس لأي حاجة ومراد جوه؟" رهف طبطبت على كتفها بقوة "هيقوم يا حبيبتي، والله هيقوم.. مراد سبع أرواح، والشركة كلها والناس دي كلها واقفة على رجليها بسببه، ربنا مش هيخذلنا فيه." في اللحظة دي، رزان نزلت عينيها للولد الصغير اللي كان واقف ماسك في فستان مامته وباصص يمين وشمال ببراءة. الولد شد إيد رزان وسألها بصوت واطي "طنط رزان.. هو عمو مراد فين؟ هو نايم جوه بجد؟ " رزان حست بغصة في حلقها، نزلت لمستوى طوله وقعدت على ركبها قدامه، ومسكت إيديه الصغيرة وابتسمت والدموع بتلمع في عينيها "يا حبيبي يا بطل.. عمو مراد تعبان شوية وواخد قيلولة صغيرة، بس هو وعدني إنه أول ما يصحى هيرسم معاك أحلى طيارة في الدنيا، وهنلعب كلنا زي آخر مرة.. فاكر؟" الولد وشه نور وفرح جداً وقال "ماشي.. أنا هستناه، وقولي له إني شاطر وبسمع الكلام." رهف اتنهدت تنهيدة طويلة وهي بتبص لصاحبتها؛ هي عارفة إن رزان بتستمد قوتها من الوعود دي، وعارفة إن قلب رزان دلوقتي متعلق بكلمة اللي الولد لسه قايلها لمراد في خيالها.. رزان كانت بتحاول تطمن الطفل، وهي أكتر واحدة محتاجة اللي يطمنها إن الرسمة الجاية مش هتتمحي أبداً..