صديقي الجزء الثالث🧑🏻🤝🧑🏻
صديقي
الجزء الثالث: المسافة
1 ـ ما بعد الغياب
مرّت أيام بعد آخر لقاء بيننا…
لم نختلف… ولم نتصالح أيضًا.
كنا نتحدث أحيانًا،
رسائل قصيرة… وردود مختصرة…
كأننا نحافظ على شيء لا نعرف كيف نعيده.
لم يعد الصمت مريحًا…
ولا الكلام كافيًا.
2 ـ المحاولة
بعد أيام الصمت… قررنا نتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
خرجنا للمشي مساءً.
تكلمنا عن أشياء عادية جدًا…
الطقس… العمل… الناس…
كنا نحاول… وهذا كان واضحًا.
ضحكنا مرتين…
لكن الضحك انتهى بسرعة.
قبل أن نفترق قال:
"حلو إننا رجعنا طبيعيين."
هززت رأسي…
لكنني لم أشعر بذلك.
3 ـ التفاصيل الصغيرة
بدأت ألاحظ أمورًا لم أكن أراها سابقًا.
يرد متأخرًا.
ينشغل بالهاتف أثناء حديثي.
يعتذر كثيرًا… لكن بلا شرح.
ليست أشياء كبيرة…
لكنها تتراكم بصمت.
وفي إحدى المرات توقفت عن الكلام فجأة.
سأل:"ليش سكت؟"
قلت:"ولا شيء."
لكن الحقيقة…
كنت أفتقد الشخص الذي كان يفهم صمتي دون سؤال.
4 ـ اليوم الخطأ
اتفقنا نلتقي صباح الجمعة.
انتظرت ساعة… ساعتين…
ثم أرسل:"آسف، انشغلت."
لم أغضب…
لكنني لم أرد أيضًا.
في تلك اللحظة فهمت:
الانتظار عندما يكون اختيارًا… مؤلم أكثر من الغياب.
5 ـ الشرخ
التقينا مساءً.
قال:
"أنت مكبر الموضوع."
نظرت إليه طويلًا.
"أنا مو زعلان لأنك تأخرت…
أنا زعلان لأنك ما لاحظت إني انتظرت."
سكت.
أضفت:
"زمان كنت تحس فيني قبل ما أتكلم."
قال بهدوء:
"زمان كنا شخصين ثانيين."
كانت أول مرة أشعر أن الماضي انتهى فعلًا.
6 ـ ما لم يُقل
بعد أسبوع تقريبًا… وصلتني رسالة قصيرة:
"نقدر نتكلم؟"
لم أتردد.
أرسلت الموقع القديم… ساحة الجامعة.
وصلت قبله هذه المرة.
جلست على الطاولة… نفس الطاولة التي عاد عندها أول مرة.
عندما وصل… لم يبتسم.
جلس مقابلي وقال مباشرة:
"أنا ما هربت منك بس."
نظرت إليه دون كلام.
أكمل بهدوء: "هربت من نفسي… من خوفي إني أكون عبء على أحد… حتى عليك."
لأول مرة فهمت… لم يكن يريد الابتعاد…كان يخاف أن يُثقلني معه.
قال: "كنت أعرف إنك راح تتمسك فيني… وأنا ما كنت أقدر أضمن إني أبقى."
سألته: "فقررت تختفي؟"
خفض نظره:
"قررت أحميك بطريقتي… حتى لو كانت غلط."
7 ـ الحقيقة
تنفست ببطء.
"أنت ما جرحتني يوم رحت…"
رفع عينيه نحوي.
"جرحتني لأنك قررت عني."
ساد صمت طويل.
أضفت:
"كنت مستعد أتحمل… بس مو مستعد تنساني."
اهتز صوته:
"أنا ما نسيتك يوم."
قلت:
"بس خليتني أتعلم كيف أعيش بدونك."
8 ـ الإدراك
جلسنا طويلًا بلا كلام.
هذه المرة لم يكن صمتًا ثقيلًا…
كان صمت فهم.
أدركت شيئًا بسيطًا:
لم نعد نفس الشخصين الذين التقيا في المدرسة…
لكن هذا لا يعني أننا فقدنا بعض.
بعض العلاقات لا تعود كما كانت…
بل تصبح أوضح.
قال بهدوء:
"ما أقدر أعوض السنتين."
أجبته:
"ولا أنا أقدر أرجع اللي كنت عليه."
نظر إليّ وقال:
"طيب… نبدأ من الآن؟"
9 ـ الاختيار
لم أجب مباشرة.
لم أكن خائفًا من فقده هذه المرة…
بل من العودة لنفس الدائرة.
قلت:
"نبقى… لكن مو لأننا خائفين نفترق."
سأل:
"طيب ليش؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"لأننا نختار."
لأول مرة…
لم يكن بقاؤنا نتيجة تعلّق…
بل قرار.
10 ـ اليوم الطويل
مرّت الأيام التالية بطيئة.
لم نعد نتشاجر…
لكننا لم نعد قريبين أيضًا.
وفي إحدى الأمسيات اتصل بي فجأة.
صوته كان مترددًا:
"فاضي؟"
قلت:
"إيه."
سكت لحظة ثم قال:
"أحتاج أمشي شوي."
خرجت فورًا.
التقينا في الطريق المؤدي للجامعة…
ومشينا طويلًا دون كلام.
11 ـ الاعتراف المتأخر
قال فجأة:
"كنت متأكد إنك بتتجاوزني."
نظرت إليه باستغراب:
"ليش؟"
تنهد:
"لأنك أقوى مني… وأنا كنت أضعف من إني أبقى."
توقفت خطواتي.
"أنت ما رحت لأنك ضعيف…
أنت رحت لأنك خفت."
لم ينكر.
قال بصوت منخفض:
"كنت أخاف تصير حياتك مربوطة فيني… وأنا ممكن أختفي بأي لحظة."
سألته:
"طيب الآن؟"
أجاب:
"الآن أخاف إنك ما تحتاجني."
12 ـ المواجهة
وقفنا قرب بوابة الجامعة.
قلت بهدوء:
"أنا ما كنت أحتاجك عشان أعيش…
كنت أحتاجك عشان أكون أنا."
نظر إليّ طويلًا.
أكملت:
"بس لما اختفيت… تعلمت أكون بخير وحدي."
سأل بصوت خافت:
"وهذا يعني… انتهى؟"
هززت رأسي:
"هذا يعني… إذا بقينا، بنبقى لأننا نريد… مو لأننا نخاف نفترق."
13 ـ المطر
بدأ المطر خفيفًا…
لم نتحرك.
قال:
"طول الوقت كنت أحاول أرجع كل شيء مثل قبل."
قلت: "وأنا كنت أحاول أمسكه مثل قبل."
سكتنا لحظة…
ثم قال: "يمكن لازم نترك الماضي مكانه… عشان نقدر نمشي."
اقترب خطوة: "وأنت… تبغى تمشي معي؟"
نظرت إليه… هذه المرة دون خوف من الغياب… ودون خوف من البقاء.
أجبت: "إيه… بس هالمرة بدون وعود."
ابتسم.
ووقفنا تحت المطر…
ليس لأننا خائفين من النهاية…
بل لأننا أخيرًا لا نخافها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ✨
14بعد سنين
مرت سنوات منذ تلك الليلة الممطرة.
لم تعد الجامعة كما كانت…
المقاعد تغيرت… الوجوه تبدلت…
حتى نحن تغيّرنا. كبرنا بطريقة لم نشعر بها.
أصبح لكلٍ منا عمله… مسؤولياته… وأيامه المزدحمة.
لم نعد نلتقي كل يوم كما في السابق…
لكننا لم نعد نغيب أيضًا.
تعلمنا شيئًا بسيطًا: القرب لا يُقاس بعدد الساعات… بل بالاطمئنان.
أحيانًا تمر أيام دون أن نتحدث…
ثم تصلني رسالة قصيرة:
"وينك؟" فأبتسم… لأنني أعرف أنه لا يسأل عن مكاني،
بل يطمئن أنني ما زلت هنا.
الخاتمه
وفي إحدى الأمسيات عدنا إلى ساحة الجامعة.
جلسنا على الطاولة نفسها…
لكن هذه المرة لم يكن هناك خوف… ولا استعجال… ولا وداع يلوّح في الأفق.
نظر إليّ أحمد وقال:
"تصدق… كنا نحسب الفراق نهاية."
قلت: "كان بس استراحة طويلة."
ضحكنا.
لم نعد نخاف من الطرق…
ولا من السفر… ولا من الغياب. لأننا عرفنا أخيرًا:
بعض العلاقات لا يحفظها اللقاء الدائم…
بل يحفظها الأثر الذي يتركه شخص في قلبك. وهو الأثر الذي… لا يختفي أبدًا.
النهاية ✨