الفصل الثامن والثلاثون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
كانت تجلس في مقعدها المعتاد، في ذلك الركن الذي اعتاد أن يجمعها بين هواجس والعنود، لكن روحها لم تكن هناك. كان جسدها فقط هو الذي يحضر المحاضرة، أما عقلها فكان يحلّق بعيدًا، في مكانٍ آخر، في زمانٍ آخر، حيث تخطط لليلٍ تعرف أنه سيكون فاصلاً بين حياتين.
لم تكن تأبه لصوت الدكتورة وهي تشرح، ولا لوقع الكلمات وهي تتناثر في القاعة. كانت تمرر عينيها على كل شيء حولها؛ وجوه رفيقاتها، حركات أيديهن، صوت احتكاك الأقلام بالأوراق، ظل النافذة المنعكس على الجدار، حتى ملامح الدكتورة وهي تشير إلى السبورة. كل شيء يمكن أن يُشتاق إليه… كل شيء قد يصبح ذكرى بعد ساعات.
وكزتها هواجس برفق، وهمست بصوتٍ خافت /ركّزي.
التفتت إليها رتيل، وابتسمت ابتسامة ساخرة، مالت نحوها وھمست /كأني راح أكمل دراستي.
لم تُبدِ هواجس أي تعليق، لم تلتفت لتهكمها ولا لمرارة كلماتها. كانت تعرف. كانت تجزم أن عقل رتيل ليس هنا، وأن قلبها يخوض معركةً لا تُرى. عادت تكتب في دفترها، لكن عينيها كانت تراقبانها بطرف خفي، كمن يخشى أن يضيع منه شيء.
انتهت المحاضرة، وسمحت لهن الدكتورة بالخروج. نهضت الفتيات معًا، وتدفقن إلى رواق الجامعة الذي امتلأ بالضحكات والهمهمات. وقفت رتيل بجانب هواجس، وعلى شفتيها ابتسامة باهتة، تراقب وجوه صديقاتها واحدةً واحدة، كأنها تحفظ ملامحهن في قلبها.
وفجأة، ودون سابق إنذار، تقدمت نحو أجراس والعنود، واحتضنتهما بقوة. كان عناقًا طويلاً، مشدودًا، كأنها تقول "الوداع… فلن أراكما مجددًا"
تبادلت أجراس والعنود نظرة دهشة، لكنهما بادرتاها العناق. كانت هواجس تقف خلفهن، تضع يدها على جبينها بخوفٍ حقيقي، كأنها تخشى أن ينكشف أمرهما من فرط عاطفة رتيل.
أبعدت العنود رتيل قليلًا، وقالت بمزاح وهي تضحك /وش فيك لصقتي فينا مثل الحشرة؟ كأنك مو راح تشوفينا مرة ثانية .
ضحكت رتيل ضحكة باھتة ..._نعم ھذه المرة الأخيرة_ وضربت كتف العنود بخفة /أشتاق لكِ يا دبة وش راح أسوي!
شهقت العنود، ورفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة /أنا دبة؟ هذي الرشاقة تقولين عنها دبة؟!
تعالت ضحكاتهن، ضحكات عادية في ظاهرها، لكنها كانت بالنسبة لرتيل وداعًا مؤلمًا لا يُقال.
رنّ هاتف هواجس. ابتعدت قليلًا لتجيب، وعادت بعد دقائق وهي تحاول أن تبدو طبيعية/يلا بنات، راح أطلع الحين، أخوي ينتظر برا.
ثم أمسكت بيد رتيل وأضافت بسرعة /يلا معي، عشان تاخذين فساتينك اللي جبتيها لي مبارح.
ابتسمت العنود بخبث /لا يكون انخطبتي وما قلتي يا حيّة؟
ضحكت هواجس وهي تسحب رتيل /يخبطك جن! يلا سلامممم.
لوّحت لهما العنود وأجراس، بينما غادرتا عبر بوابة الجامعة.
وقفتا قرب السيارة. التفتت هواجس إلى رتيل، وأمسكت بكلتا يديها، عيناها ممتلئتان بالجدية والقلق /حبيبتي، أرسلت رسالة لمازن، وضحت له كل شي. وقلت له يجي ياخذنا عشان يفهم منك الموضوع. الوقت مو بصالحنا، لازم نسرع ويحجز لك بأول طيارة. الحين راح نطلع، وتحكين له كل شي مثل ما حكيتي لي، ولا تخفين عنه شي. اعتبريه أخوك… اتفقنا؟
أومأت رتيل برأسها، ثم اندفعت تحتضنها بقوة /لو ما كنتِ معي… وش كان راح يصير فيني؟
ربتت هواجس على كتفها، وقالت بمرحٍ مصطنع /لين متى تنكرون قيمتي؟ لين متى؟
ضحكت رتيل بخفة، وابتعدتا كلٌ منهما نحو باب السيارة. جلست ھواجس في المقعد الأمامي، بينما جلست رتيل في الخلف.
رفعت هواجس نقابها، وسلّمت على أخيها.
كان مازن يمسك المقود بيده اليسرى. التفت إليهما، وابتسم ابتسامة خفيفة ساحرة. شعره الأسود ينسدل بلولبات خفيفة على أول جبينه، كأن خيوط الليل اختارت أن تستريح هناك، فتؤطر ملامحه بظلٍ وادعٍ يزيده هيبة ووقارا. بشرته سمراء بسمرةٍ هادئة، أنفه مستقيم حاد كنصل سيف، عيناه بلون بندقي عميق، وحاجباه مرسومان بقسوةٍ طاغية، وذقنه بارز يمنحه حضورًا لافتًا. كان يرتدي تيشيرت أخضر ملكي بنصف كم، يبرز اتساع كتفيه وعضلات ذراعيه، وسروالًا كلاسيكيًا بلمسة رياضية، وحذاء Nike أبيض و استقرّت ساعة Rolex الفضية على معصمه كوشاحٍ من الفخامة، ولون داخلها يعكس هدوءه وثقله، مشابِهًا لون تيشيرته.
قالت هواجس بجدية /قريت الرسالة؟
تنهد، وأدار وجهه نحو رتيل /قريتها… بس الحين ودي أسمع من رتيل.
بدأت رتيل تسرد ما حدث، بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا، ثم قالت أخيرًا /ودي أطلع لبلد أجنبي… ودي أبعد عنهم.
مسح مازن على وجهه، ثم شغّل السيارة وقال بنبرة مطمئنة /سوي مثل ما قلت لك هواجس. جهزي أغراضك، وراح أكلم رفيقي يحجز لك أول رحلة لإيطاليا.
اتسعت عينا رتيل /إيطاليا؟
قال بحزم /ما عندنا خيار يا رتيل. إيطاليا ما أتوقع يلاقونك فيها، وفيها جامعات ممتازة تقدرين تكملين دراستك. سألت رفيقي، وأقرب رحلة الساعة اثنين ونص. تروحين بيتكم، تمثلين إنك موافقة، تعتذرين، تقولين لهم إنك بتنامين وما تبين إزعاج. وأنا وهواجس ننتظرك بالسيارة ورا البيت، عند الباب الخلفي. تنطّين من الشباك… مو أول مرة تسوينها. سويتيها قبل أنتِ وهواجس ببيتنا وبعلو أكبر.
ضحكت هواجس، وابتسمت رتيل رغم ثقل الموقف، إذ تذكرتا حماقاتهما الصبيانية.
أكمل مازن بنبرة صارمة /وما أذكّرك يا رتيل… أي غلطة راح تخاطرين بحياتك.
أومأت بصمت.
وصلوا أمام بيتها... التفتت هواجس إليها /لا تضيعين هالفرصة. احذري، ولا تتراجعين وتضيعين مستقبلك. اتفقنا؟
قالت بهدوءٍ قاتل/اتفقنا.
نزلت، دخلت البوابة الكبيرة ،وقفت أمام النافورة في الساحة و جلست على حافتها وأدخلت يدها في الماء تحركه ببطء، كأنها تودع طفولتها المنعكسة على سطحه.
نهضت، نفضت يدها واتجهت إلى الباب و دخلت... كان الجميع في الصالة.
نهضت والدتها فور أن رأتْها /وين كنتِ؟
رمت حقيبتها أرضًا بانزعاجٍ خفي، نزعت نقابها وعباءتها /بالجامعة.
ضحكت والدتها باستهزاء /ليكون بعلمك، هذا آخر يوم لك بهالجامعة لي صدعتينا بسيرتها. مدري وش راح تسوين بدراستك، ابن عمك ما يبي هالخرابيط.
نظرت إليها رتيل… نظرةً ممتلئة بالعتاب...بالاشمئزاز... بالقرف و بكل ما يمكن أن يحمله القلب من سواد.
ثم اقتربت من والدھا و حبت راسه وقالت بجزن اجادت تمثيله/أعتذر يا يبه… أعتذر إني عارضت كلمتك... اللي تشوفه مناسب هو الصح… موافقة.
ابتسم والدها برضا /معذورة يا بنتي. كنت أعرف إنك رزينة وما راح تضيعين الفرصة.
كانت النيران تشتعل في صدرها.... أتظنونني غبية لأتزوج ذلك السافل؟ سأتحمل… من أجلي أنا وفقط
اقتربت من إخوتها و اعتذرت. نهض عاصم واحتضنها، ثم كرر جاسر الشيء نفسه وقال بعد أن قبّل جبينها /متأكدة إنك موافقة؟
أومأت وابتسمت. وفي داخلها كانت تصرخ
"يا شينكم من إخوة… اللي يسمعكم يقول عطيتوني فرصة أقبل أو أرفض. الله ياخذكم ويعيشكم نفس الألم اللي عيشتوني فيه ويحرمكم من كل اللي تبونه…
ابتعدت قليلًا، حملت حقيبتها وقالت /أنا طالعة أنام عشان بكرا الصبح ودي أنزل للمول اتسوق.
ضحكت والدتها بسخرية موجعة/الحمدلله رجع لك عقلك. الأغراض سهلة المهم عقلك معك... يلا اطلعي نامي وارتاحي.
ابتسمت وهي تحاول ان تضبط نفسها بصعوبة /معك حق… يمّه لا تصحيني للعشا. ما أبي أحد يصحيني لين بكرا. تصبحون على خير.
صعدت الدرج مسرعة. دخلت غرفتها، أغلقت الباب بهدوء، ورفعت أناملھا المرتجفة عن المفتاح.
أخرجت حقيبة متوسطة الحجم من خزانتھا.
تحركت بخفة وحذر، كأن الأرض قد تفضحها إن أصدرت صوتًا. وضعت أوراقها الثبوتية، جواز سفرها، بعض الملابس، كتبها و كل ما تحتاجه. أغلقت الحقيبة، وأخفتها تحت السرير.
أطفأت الضوء و ارتدت ملابسها وعباءتها وحجابها لم يبق إلا النقاب.
جلست على سريرها، وفتحت مصحفها. بدأت تقرأ آياتٍ بصوتٍ خافت علّها تكون شفاءً لما يختبئ في صدرها. قلبت الصفحات واحدة تلو الأخرى حتى
ارتفع أذان المغرب، معلنًا غروب شمس هذا اليوم… ودخول ليلٍ حالك.
وضعت المصحف في الحقيبة، وأدخلت سبحتها ... آخر ما تبقى لها من جدتها التي كانت تحبها أكثر من أبنائها. اغرورقت عيناها فلو كانت هنا… لما سمحت بهذا... لما اضطرت للھرب.
مسحت دموعها واتجھت الى الحمام ،توضأت ثم صلت ركعاتٍ خاشعة أطالت السجود فيها حتى كاد قلبها ينفطر بين يدي الله. طوت سجادة صلاتها ولباسها، وضعتهما في الحقيبة ووقفت عند النافذة، تتأمل السماء الداكنة، المرصعة بنجومٍ لامعة كعيونٍ تراقبها من بعيد.
تذكرت فجأة أسوارها الذهبية.أسرعت إلى خزانتها و مدّت يدها بين الملابس، أخرجت صندوقًا خشبيًا منقوشًا بزخارف جميلة... فتحته، وأخرجت أساورها الذهبية و وضعتها في الحقيبة.
على الأقل… سيكون معها ما يسندها إن تعثرت.
جلست على طرف السرير، تحدّق في النافذة التي ينعكس منھا نور القمر على أرضية الغرفة....تنتظر مرور الساعات بفارغ الصبر، وقلبها يخفق بين خوفٍ وأمل… بين نهايةٍ تعرفها، وبدايةٍ تجهل كل ملامحها...