جذور الرمال - الفصل السابع - بقلم وسن حمد | روايتك

اسم الرواية: جذور الرمال
المؤلف / الكاتب: وسن حمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع

الفصل السابع

المستشفى — هدوء ما يطمن المستشفى كان هادي… بس مو هدوء راحة. هدوء ثقيل، كأنه شي ينتظر ينفجر. ريان حالته مستقرة. الأطباء يقولون ما فيه خطر. لكن اللي يعرفه يعرف إن الخطر الحقيقي مو في جسمه… في اللي يدور داخل رأسه. كل ما أحد سأله عن الحادث، يكتفي يقول: "ما شفت شي واضح." صوته ثابت. بس عيونه؟ عيونه ما كانت هادية. كانت تلاحق كل حركة. كل ظل. كل صوت باب. كأنه ينتظر أحد يرجع يكمل اللي بدأه. في نفس اليوم… ديم كانت في مكتبها بالمستشفى. المكان مرتب بشكل مبالغ فيه. هي دايم ترتب لما تكون متوترة. طلبت نسخة من ملف قديم باسم العائلة من أرشيف خاص كانت تتابعه من سنوات، لكن ما قدرت توصله إلا الحين. الممرضة دخلت وقالت: "هذا الملف اللي طلبتيه… قديم جدًا. كان محفوظ بالقسم السري." ديم أخذته. جلست. فتحت الغلاف البني المهترئ. غبار خفيف طلع منه. قلبت الصفحات بسرعة… تواريخ ميلاد. تواقيع أطباء. ملاحظات عن حالة الأم بعد الولادة. تفاصيل دقيقة… كأن أحد كان يسجل كل نفس. ثم— وقفت. ورقة بلون مختلف. عنوانها: "نتيجة فحص جيني – سري للغاية" نبضها تسارع. قرأت السطر الأول. ثم الثاني. ثم… أصابعها بردت. الجملة كانت واضحة: "نتيجة الفحص تشير إلى عدم التطابق الجيني الكامل بين أحد التوأم والوالد المسجل." أنفاسها ثقلت. في زاوية الورقة… ملاحظة صغيرة: "يوصى بعدم الإفصاح إلا بإذن مباشر من عبدالله." دخل كنان بهدوء. كان شكله متعب، لكن ثابت. "وش لقيتي؟" رفعت عيونها له ببطء. صوتها منخفض… لكنه واضح: "كنان… متى آخر مرة شفت شهادة ميلادك الأصلية؟" استغرب: "وش دخل هذا؟" رفعت الورقة قدامه. "الفحص هذا مسوي قبل ٢٦ سنة." سكتت لحظة… وكأنها تعطيه فرصة يتهيأ. ثم قالت: "والنتيجة تقول إن أحد التوأم… ما يحمل نفس البصمة الجينية الكاملة للأب." كنان حاول يحافظ على هدوءه. لكن عيونه خانته. "تقصدين… إن واحد منا—" ديم قاطعته بهدوء ثقيل: "مو ابن عبدالله بيولوجيًا." اسم عبدالله رجع يضربهم. هو الأساس. هو الاسم اللي ترتبط فيه الأرض… الثروة… النفوذ. كنان ابتعد خطوة. "مين…؟" ديم هزت رأسها. "النسخة ناقصة. الجزء اللي يحدد الاسم محذوف." "محذوف؟" "متعمّد." سكتت لحظة ثم أضافت: "وفي توقيع على الهامش… مو توقيع طبيب." كنان قرب يشوف. حرف واحد بس. A حرف بسيط. لكن كأنه يتكرر في كل مكان. الخاتم. الملف. الرسائل. داخل غرفة ريان. الستارة نص مفتوحة. نور خفيف يدخل. كنان دخل… وقف قدام السرير. ريان كان صاحي. ينظر له بنظرة مختلفة اليوم. أهدأ. لكن أعمق. كنان جلس. ريان قال بدون مقدمات: "لقيتوا شي." مو سؤال. حقيقة. كنان تردد. أول مرة يتردد قدام أخوه. ريان ابتسم ابتسامة خفيفة مرّة. "واضح من وجهك." كنان قال بهدوء: "في فحص قديم…" ريان قاطعه: "عنّا." صمت. كنان كمل بصوت منخفض: "يقول إن واحد منا… مو مطابق جينيًا للأب." الهواء صار ثقيل. ريان نظر للسقف لحظة. ثم ضحك ضحكة قصيرة، جافة. "يعني طول عمرنا نسمع إننا نسخة من بعض… وفي الأخير؟" كنان قال بسرعة: "هذا ما يغير شي." ريان لف له ببطء. عيونه كانت مليانة ألم حقيقي. "يغير كل شي." جلس مستقيم رغم الألم. "لو طلع مو أنا… وش يصير؟" كنان: "ولا شي." ريان شد صوته: "لازم نقولها! لو طلع مو أنا… وش يصير؟ تنسحب حصتي؟ ينتهي حقي؟" كنان وقف. "أنت أخوي قبل أي ورقة." ريان رد بمرارة: "الكلام سهل… بس الثروة ما تمشي بالعاطفة." الكلمة الأخيرة وقعت بينهم مثل سكين. الثروة. الأرض. الميراث. صار كل شي مربوط بسؤال واحد: مين ابن عبدالله الحقيقي؟ برا الغرفة… وسن سمعت آخر جملة. "الثروة ما تمشي بالعاطفة." دموعها تجمعت. همست: "لا… لا تفرقون." كانت دايم تشوفهم واحد. ما تقدر تتخيل واحد بدون الثاني. فكرة إن بينهم سر بهذا الحجم… كسرت شي داخلها. في مكتبها. مشاعل وصلتها رسالة: "الملف انفتح." ابتسمت. لكن هذه المرة… ابتسامتها كانت أبطأ. فتحت صورة قديمة للعائلة. صورتهم وهم صغار. التوأم واقفين جنب بعض. نفس الملامح. نفس الابتسامة. مررت إصبعها بينهم. وقالت بهدوء: "مين فيكم الحقيقة… ومين الكذبة؟" ثم فتحت درج مكتبها. طلع منه ظرف قديم. مكتوب عليه: "بديل" أغلقت الدرج بسرعة. كأنها تخاف من الكلمة نفسها. في مكان بعيد… فهد جالس قدام طاولة خشبية قديمة. الإضاءة صفراء خافتة. قدامه ظرف ثاني. فتح الظرف ببطء. داخله… نتيجة DNA حديثة. قرأها مرة. ثم مرة ثانية. ابتسم ابتسامة رضا. قال بهدوء: "الماضي كان غلطة…" وقف. نظر للنتيجة مرة أخيرة. "...بس أنا جاي أصححه." وأغلق الظرف. لكن قبل ما يطفي النور… قال جملة أخطر: "واللي مو من الدم… ما يبقى في البيت." في نفس الليلة… ريان كان صاحي. كنان نايم على الكرسي جنبه. ريان طالع فيه. لفترة طويلة. نظرة فيها حب… وفيها خوف. همس بصوت ما ينسَمع: "لو طلع مو أنت… أقدر أعيش بدونك؟" ما جاوب أحد. لكن الصمت… كان بداية الشرخ الحقيقي. العاصفة ما صارت برا. صارت بينهم. وصار الشك… أخطر من أي حادث.