الفصل الاول
الفصل الأول
أنتِ يا من رحلتِ دون وداع، أنتِ يا من قررتِ الانسحاب…
ألم نقطع عهدًا بالوفاء؟ ألم أكن رجلًا خلفك، أسدًا حماكِ، أبًا، أخًا، درعًا، حصنًا؟
ألم أكن لكِ ظلًا حين اشتدّ الحر، ونورًا حين أظلم الطريق؟
ثم أوليس الوفاء أن تمنحي الثقة العمياء؟ أليس الوفاء هو الصدق في الكبرياء، هو المنح، هو العطاء، وهو أن أحبّ لغيري ما أحببته لنفسي من خيرات؟
كبريتٌ شعلته حمراء، عود ثقاب، بنزين، زيت، حريق واحتراق…
شرارةٌ واحدة منكِ كانت تكفي لتُشعلني،
وكلمةٌ واحدة منكِ كانت تكفي لتُطفئني.
أحرقتِ قلبي، أحرقتِ نبضي، أحرقتِ صبري، وتركتِني في بحر العناء أتخبط بين رمادي ودخاني.
أتذكرين ذلك اليوم الذي سافرتِ فيه وتركتِني في جوف التمنيات؟
أتذكرين كيف كان صوتكِ يرتجف وأنتِ تقولين: “سأعود”؟
أتذكرين أول لقاء؟ وكم كنتِ بريئةً حينها؟
أم أن الذاكرة خانتكِ كما خنتِ قلبي؟
اليوم ليتني أنساكِ…
ليتني أنزع صورتكِ من عيني، وصوتكِ من أذني، وملامحكِ من قلبي.
عيناكِ، رمشكِ، نظرتكِ، تركاني أحول، بل أعمى لا يُبصر.
شفاهكِ، خدّكِ، أرنبة الأنف في أرقّ المقامات جعلتِ مني حافظًا للملامح، سجينًا للتفاصيل، عاشقًا لما لم يعد يملكه.
تركتِني جسدًا بلا قلب، جسدًا بلا روح، بلا عقل.
أمشي ولا أشعر، أتنفس ولا أعيش، أبتسم والوجع ينهشني من الداخل.
كيف استطعتِ أن ترحلي وكل هذا في صدري؟
كيف كنتِ خفيفة الظل، قليلة الكلام؟
كيف كنتِ بشوشة، مبشّرة بالحياة؟
كيف كنتِ تعدِين ثم تمضين؟
وهل هذه صفات المهاجر؟
وهل رقتكِ كانت اصطناعًا؟
أكانت ابتسامتكِ وعدًا كاذبًا أم حلمًا قصيرًا لم يُكتب له البقاء؟
ثم ماذا عن الوعود؟
أليس وعد الحرّ دينًا؟
أوليس خُلق الإنسان صدقه؟
ألم تعِديني بالبقاء؟
ألم تقولي إن الرحيل مستحيل؟
فلِمَ رحلتِ وتركتِني في عناء؟
فلِمَ جعلتِني أصدق أن الغد لنا، ثم أخذتِ الغد ومضيتِ؟
هيهات، هيهات… فدوام الحال من المحال.
كنتِ حالًا جميلًا، وكنتِ عمرًا كاملًا، وكنتِ وطنًا صغيرًا احتميتُ به،
فكيف صار الوطن منفى؟
ولا أدري إن كان هجركِ أبديًا أم كان اختبارًا من الله…
أأصبر لأنني أحببتُكِ؟
أم أرحل لأن كرامتي تناديني؟
فهل سأصبر؟
ولا أعلم إن كنتِ ستُطيلين الهجران…
كل يوم يمرّ يسرق منّي جزءًا،
كل ليلة بلا صوتكِ تكبر في صدري ألف فجوة.
صبري له حدود، وقلبي له طاقة، وجرحي له نهاية،
فاحذري أن يفوت الأوان…
فإن عاد قلبي يومًا إلى نفسه،
فلن يجد لكِ فيه مكانًا كما كان.
---