خمسة اشهر مع الشيطان - الفصل الثاني عشر - بقلم بيلا الفارسي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خمسة اشهر مع الشيطان
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر: شظايا الحقيقة.. وعرشٌ من الأكاذيب في تلك اللحظة الجحيمية، اقتحمت أليسيا المكان يرافقها حشدٌ من الصحافة كـذئابٍ تتربص بالفضيحة، وصرخت بصوتٍ مزق هدوء القصر: — "نعم، انظروا.. عائلةٌ مفككة! يظن الجميع أنني ابنة الخطيئة، لكن الحقيقة المرة هي أن والدي يعاني من العقم! وهذا يعني ببساطة أن بيلا ليست ابنته، وأن والدتها 'سيلين' القديسة في نظركم، لم تكن سوى خائنة سلمت نفسها لغيره!" تجمدت الدماء في عروق بيلا؛ كانت الكلمات كـمخدرٍ لعين شلّ أ٩ركان عقلها وهي تحاول إسناد والدها المنهار. وفجأة، تحول ذهولها إلى بركانٍ من الغضب الانتحاري؛ اندفعت نحو أليسيا كـالإعصار، قبضت على خصلات شعرها بـعنف وصرخت بـصوتٍ مخنوق بالانهيار: — "أنتِ العاهرة الوحيدة هنا! أمي أطهر من أن يلمس طيفها لسانكِ القذر.. أنا ابنة جاستينو وسيلين، أما أنتِ فـنبْتةُ شيطانٍ نمت في مستنقع الرذيلة!" تدخل ألكسندر بـسرعة، محتضناً بيلا لـينتزعها من بين براثن الغضب، وأمر رجاله بـحزمٍ يقطع الأنفاس بطرد الصحافة وأليسيا خارجاً. نظرت بيلا إلى جاستينو؛ كان يقف شاخصاً ببصره، غارقاً في صمتٍ جنائزي وكأنه يرى كوابيس عمره تتجسد أمامه، ثم استدار ومضى بـخطواتٍ مثقلة بالخيبة دون أن ينبس ببنت شفة، تاركاً إياها في تيهٍ لا قرار له. تقدم ماركو بـملامح يكسوها حزنٌ دفين وقال: "هيا يا بيلا.. العودة للمنزل لم تعد خياراً، والدكِ يحتاجكِ الآن في انكساره." ردت بـسخريةٍ مشوبة بالمرارة: "ألم تسمع صرخة الحقيقة؟ إنه عقيم.. لستُ ابنته! اذهب أنت إليه، فـأنا لم يعد لي مكانٌ في هذا العالم." لم ينتظر ماركو ردها، بل جذبها لـصدره بـقوة تملّكية، وهنا.. ولأول مرة منذ أن نطق الطبيب بحكم إعدامها بالمرض، انفجرت بيلا في بكاءٍ مرير، شهقاتٍ تمزق الروح وتعلن سقوط آخر حصون كبريائها. حملها ماركو بين ذراعيه ومضى بها نحو الخارج، تحت أنظار ألكسندر الذي كان يراقب رحيلها بـمزيجٍ من الحزن القاتل والغيرة المشتعلة؛ فـكيف لـذاك "العاهر" أن يتجرأ على احتضان "ممتلكاته الخاصة" وحملها أمام عينيه؟ أجلسها ماركو في السيارة بـهدوءٍ يقطر وجعاً، وربط لها حزام الأمان وهو يتأمل وجهها الذي استحال كـوجه الجثث؛ كانت شعلةً من التمرد تحرق من يقترب منها، والآن انطفأت لتصبح جسداً بلا روح. همست بيلا وهي تشرد في الفراغ قبل أن ينطلق: "هل حقاً كانت أمي عاهرة؟ هل سلمت جسدها لرجلٍ غير أبي؟" احتضنها ماركو بـأسى وتمتم: "آسف يا صغيرتي.. لكن الحقيقة مُرة كـالعلقم." صرخت بـنحيبٍ يمزق القلب: "أنت كاذب! والدتي ماتت مقهورة بـسببه!" تنهد ماركو بـحزن وأردف: "بل بـسبب من أحبته بـصدق، ولم يكن أباكِ. جاستينو كان يعشق 'سيلين' بـجنون، لكنها وهبت قلبها لرجلٍ لا يعبد سوى المال. وفي ليلة زفافها، صرخت في وجه جاستينو بـحقدها، مؤكدةً أنها لن تحبه أبداً. غادر جاستينو محطماً إلى الحانة، وهناك نصب له أعداؤه فخاً؛ خدروا شرابه ليصوروه مع عاهرة، لكن تلك المرأة دمرت الأدلة حين علمت أنها حامل بـابنتكِ 'أليسيا' من رجلٍ آخر، وأقنعت جاستينو الساذج حينها أنها حاملٌ منه لـيستر عليها. صدقها المسكين وأصبح يرى في أليسيا ابنةً له، بينما كانت 'فيكتوريا' تلهو مع عشيقها الحقيقي تحت سمعه وبصره، وعندما اكتشف الرجل في منزله، اتهمته فيكتوريا بالسرقة، وصمت جاستينو خوفاً على نفسية أليسيا، مكتفياً بـكتمان سر عقمه لـيمنع خيانتها مجدداً بـإبقائها داخل أسوار قصره." صمت ماركو لبرهة قبل أن يلقي القنبلة الأخيرة: "أما والدتكِ يا بيلا.. فـفي تلك الليلة التي سكر فيها جاستينو قهراً، جاء إليها حبيبها القديم، وقضى معها ليلتها الأولى كـزوجة، ومن ذلك اللقاء.. جئتِ أنتِ إلى هذا الوجود." كانت صرخات "أليسيا" أمام عدسات الصحافة لا تزال تتردد في أذني بيلا كطنينٍ قاتل، وهي تسترجع كلمات ماركو التي نهشت بقايا روحها؛ فجاستينو لم يكن يضرب والدتها "سيلين" إلا حين يكتشف خياناتها المتكررة، أو محاولاتها المستمرة للفرع إلى أحضان ذاك الرجل السراب. أما "فيكتوريا"، فقد استغلت جشعها لتمتص دماء القصر، محولةً الأم الشرعية إلى خادمةٍ ذليلة، تزيد من اشتعال النيران بينها وبين جاستينو بوشاياتها المسمومة. وفي ذلك اليوم المشؤوم الذي هوت فيه الأم من أعلى الدرج، لم يكن سقوطاً عابراً؛ بل كان انهياراً كلياً حين رأت بعينيها فيديو يوثق خيانة الرجل الذي باعت لأجله حياتها ودمرت منزلها بسببه. لذا كانت وصيتها الأخيرة لبيلا مغلفةً بمرارة الندم: "الحب وجعٌ لا يطاق.. فلا تقعي في فخه، ولا تثقي في أبيكِ أبداً"؛ ولم تكن تقصد جاستينو المخدوع، بل كانت تحذرها من والدها الحقيقي. غرقت بيلا في أصداء هذا الحديث الذي دار بينها وبين ماركو قبل أيام، ومضت خمسة أيامٍ طوال من الصمت القاتل، بينما غداً هو موعد زفافها الذي تنتظره كالمقصلة. خرجت إلى شرفة غرفتها تستنشق هواء الليل، لتلمح ألكسندر هناك، يستند إلى هيكل سيارته ببروده المعتاد، وعيناه لا تغادران نافذتها. شعرت بذهولٍ يكتسح كيانها؛ هل كان يزور طيفها كل ليلة؟ لم تتردد لحظة، هبطت الدرج ركضاً وارتمت في أحضانه بقوة، تحاول وأد عبراتها التي لم تجف منذ أيام، تماماً كنزيف أنفها الذي بات رفيقاً لا يغادرها، وفمها الذي لم يعد يجف من مذاق الدماء المالح. استنشق ألكسندر عبير عنقها بـهيامٍ حقيقي وتمتم: "اشتقتُ إليكِ بـحق، أيتها المتمردة الصغيرة". ضحكت بيلا من بين دموعها التي تمردت عليها وهبطت بغزارة، واستسلمت لدفء أحضانه داخل السيارة حتى الهزيع الأخير من الليل. وعندما عاد ألكسندر وقررت الدخول، كانت تفكر في تدابير الغد، لتصدم بـ ماركو أمامها؛ لقد رآها في أحضان "الشيطان"، لكنه دخل القصر بهدوءٍ مريب وكأنه لم يبصر شيئاً! ارتابت بيلا؛ لِمَ لم يغضب؟ هل يخبئ لها طعنةً بعد الزفاف؟ فتحت باب غرفتها لتذهب إليه، لكنها وجدته منتصباً أمام بابها كالقضاء المستعجل. دفعته للداخل وقالت: "الحمد لله، ادخل بسرعة". بدأ ماركو حديثه بهدوءٍ كسر حاجز القلق: "بيلا.. تعلمين أنني ظلكِ الذي يحميكِ دائماً؛ حين سترتُ خيانتي مع أليسيا التي لم تحبها قط، وحين حذرتكِ من قدوم جاستينو لئلا يراكِ مع ألكسندر براندو، وحتى حين حميتكِ من ذاك العجوز المتصابي الذي أظن أن ألكسندر قد تخلص منه نهائياً بعد أن أخبرته بأفعاله". ردت بيلا بجمود: "لكن الزفاف غداً، وأنا لا أريده يا ماركو. أنت تعلم أنني سأرحل عن هذا العالم قريباً، يجب أن أختفي من حياة الجميع. انتقامي انتهى بإلقاء العاهرتين في مكانهما الصحيح؛ فيكتوريا خلف القضبان، وأليسيا في المصحة النفسية بعد أن فقدت عقلها تماماً". أمسك ماركو يدها بـوهن، والدموع تترقرق في عينيه بصدقٍ جارح: "بيلا.. هناك أخبارٌ لم تصلكِ بعد، ولم أكن أود تمزيق قلبكِ بها". جلست بيلا وجلس أمامها، ونبرة صوته ترتعش بـانكسار: "أسف يا بيلا.. لم أرغب في قولها، لكن حبيب والدتكِ وعشيقها الذي جئتِ من نطفته.. لم يكن إلا والدي العاهر، فيكتور".