الفصل 5
مرّ وقت طويل منذ أن تجمعت المجموعة 217. تعرّفوا إلى بعضهم، و كل واحد قدّم نفسه باختصار. جلست لميس بينهم بهدوء، أخرجت هاتفها، و فتحت ملف المهام لتبحث عن تفاصيل المشروع. عندما وجدته، عرضته عليهم، و بدأوا يتناقشون حوله، ثم انقسموا لتوزيع الأدوار و العمل الجماعي داخل المكتبة.
انشغلوا لساعات بين الكتب و الملاحظات، أصواتهم منخفضة لكن أفكارهم متدفقة. كانت لميس مركزة، تكتب و تراجع و تدقق، كأن المشروع معركة صغيرة تريد أن تخرج منها منتصرة.
بعد وقت طويل، اقترح أحدهم أن يكملوا لاحقًا. وافق الجميع.
وقفت لميس و هي تجمع أوراقها و قالت
"سآخذ الأوراق الخاصة بي معي… كل واحد منكم يأخذ ما يخصه، هذا أفضل."
أومأوا موافقين، و تبادلوا كلمات الوداع، ثم غادرت بهدوء.
توجهت إلى الحمام لتغسل يديها و ترتب نفسها قبل أن تخرج. دخلت، وضعت أوراقها على المنضدة أمام المرآة، و نظرت إلى انعكاسها. أخرجت قلم المحدد الشفاف لتعدل أحمر شفاهها.
في تلك اللحظة، فُتح الباب فجأة.
لم تهتم في البداية… لكنها تجمدت عندما رأت جابر يدخل.
اتسعت عيناها، و صرخت
"هذا حمام نساء، أيها الأحمق!"
ابتسم بسخرية باردة
"هل ترينني أهتم؟"
اقترب منها ببطء، و عيناه انتقلتا إلى الأوراق الموضوعة على المنضدة.
"اخرج فورًا."
لم يجبها. مد يده و أمسك بالأوراق، رفعها أمام عينيه.
"مشروعك هذا، أليس كذلك؟"
مدّت يدها بسرعة لتسحبها، لكنه رفع ذراعه للأعلى، بعيدًا عن متناولها. فاتلصقت به بالخطأ.. قربه المفاجئ أربكها، فتراجعت خطوة، و قالت بصلابة تحاول أن تحافظ عليها
"أعطني أوراقي، و اخرج من هنا. كفى سخرية."
نظر إلى الأوراق لحظة، ثم إلى الماء الجاري من الصنبور.
و بلا تردد… ألقاها تحت الماء.
صرخت لميس، اندفعت تسحب الأوراق بسرعة، أبعدتها عن مجرى الماء، و ضغطت عليها بيديها المرتجفتين.
"لماذا؟! لماذا فعلت ذلك؟ هل جننت أم تريد فقط إزعاجي؟"
أجابها ببرود مخيف
"نعم… أريد إزعاجك. أخبرتِني أنني سأرى ما ستفعلينه إن آذيتُ أحدًا مرة أخرى. أريني الآن ماذا ستفعلين… عندما أؤذيكِ شخصيًا."
ارتجفت يداها من الغضب. رفعت يدها لتصفعه، لكنه أمسك بها بسهولة، و أدارها حول نفسها بسرعة ليصبح ظهرها ملاصقًا لصدره.
سحبها خطوة نحو المنضدة، و أوقفها أمام المرآة.
انعكاسها بدا مرتبكًا… ضعيفًا… محاصرًا.
وقعت عيناه على قلم شفاهها. التقطه، رفعه أمام وجهها للحظة، ثم بدأ يرسم به خطوطًا عشوائية على وجنتيها و جبينها، متعمدًا أن يبتعد عن شفتيها.
كانت تحاول أن تتحرر، لكن قبضته كانت أقوى من مقاومتها.
عندما انتهى، انحنى قليلًا، و همس بجانب أذنها، صوته منخفض لكنه حاد
"إياكِ أن تزعجيني مرة أخرى، هل فهمتي؟ لأنكِ إن فعلتي… سأجعلكي تكرهين وجودك في هذه الجامعة. و لن يكفيني إلا أن تغادريها."
أفلتها فجأة، فاختل توازنها قليلًا. استدار و خرج، أغلق الباب خلفه بقوة.
في الخارج، كان وسيم ينتظر. نظر إليه جابر نظرة قصيرة، أشار له ببرود أن يغادرا، ثم ابتعدا معًا… تاركين خلفهما صمتًا ثقيلًا، و مرآة تعكس وجهًا ملوّثًا بالغضب و الإهانة.