الفصل 11 :ظل المجهول
كانت دجى واقفة في نهاية الممر، تنظر إلى الباب المغلق وراءه، تشعر بخفقان قلبها وكأن كل جدار من جدران القصر يضغط عليها بصمت. الهواء كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الشموع القديمة والغبار، ومع ذلك كان هناك شيء أعمق… شيء لم تستطع تسميته.
صوت خطوات خفيفة جعلها ترتجف، لكنها لم تتحرك. لم يكن الصوت منتظماً، بل كما لو كان يتسلل من بين الظلال نفسها. فجأة، ظهر ظل طويل على الحائط، يتقدم بخطوات محسوبة، كل خطوة كأنها تعلن وجوده قبل أن يسمعها أحد.
ارتفعت يدها ببطء نحو الخاتم الذي لا تزال تخبئه في جيبها، الرمز المنقوش عليه يتوهج بضوء خافت كما لو كان يعرف الخطر القادم قبل أن تراه عيناها.
وفجأة، ظهر الحارس الغامض من الظل، تلك المرة بدون خوذة، وملامحه واضحة في ضوء المشاعل. عيناه السوداوان لم تكن قاسيتين، لكنها لم تكن مرتاحتين أيضاً.
"لم يكن ينبغي أن تُكشف الخريطة…" قال بصوت منخفض، ثقيل بالتحذير.
تجمّدت دجى، لا تعرف إن كان يجب أن تصدقه أم تخاف منه.
"كيف… تعرف ذلك؟" همست.
نظر حوله للحظة، ثم التفت إليها مباشرة:
"لأنني رأيت من دخل جناحك الليلة."
صرخت داخلياً: كل شيء يتشابك. الخريطة، الأمير، الحارس، الكتاب… والآن هذا الرجل يعرف أكثر مما يمكن أن تفهمه.
سكت للحظة، ثم أضاف:
"لا تثقي بأحد… لا بي، ولا بأي شخص آخر في القصر. ما يحدث لكِ ليس صدفة."
وبينما كانت دجى تحاول استيعاب الكلام، سُمعت خطوات سريعة في الرواق. اندفع الحارس إلى الظل مجدداً، واختفى كما جاء، تاركاً وراءه شعوراً بالارتباك والخطر.
رفعت دجى يدها نحو الخاتم، شعرت بحرارة غريبة تسري في جسدها. كل خطوة لاحقة ستكون محسوبة، وكل حركة قد تكشف أسراراً لم تكن تعرف أنها جزء منها.
وفي زاوية بعيدة من القصر، داخل غرفة مظلمة، جلس رجل يرتدي عباءة سوداء، يراقب كل شيء من نافذة صغيرة. أمامه نسخة كاملة من الخريطة، يبتسم ابتسامة باردة:
"دعوا الشكّ يأكلهم… قبل أن يروا الحقيقة."
دجى شعرت لأول مرة أن اللعبة لم تعد مجرد هروب أو اكتشاف أسرار القصر. كانت بداية سلسلة من الأحداث التي ستجعل كل شيء حولها… مشوشاً، غامضاً، وخطيراً أكثر مما تخيلت.
لم تكد دجى تلتقط أنفاسها بعد، حتى سمعَت خرير خطوات أخرى تأتي من الممر المقابل. قلبها خفق بعنف، لكنها لم تتحرك، فقط التقطت الخاتم وضغطت عليه في يدها.
من الظل، خرجت الخادمة القديمة، تبدو أكثر توتراً من أي وقت مضى، وتحمل في يدها ظرفاً صغيراً أسود. اقتربت منها بخطوات مترددة وهمست:
"آنستي… هذا وصل لي للتو. قالوا أن لا أحد يجب أن يعرف عنه."
فتحت دجى الظرف ببطء. بدا له خريطة مصغرة لممرات أخرى في القصر، لم ترها من قبل، وخط عليها رمز متعرج… نفس الرمز الذي يلاحقها منذ دخولها من المرآة.
قبل أن تتمكن من فهم ما يعنيه، سُمعت أصوات حوافر على الأرضية الرخامية. تحركت الظلال بسرعة، وكانت خطوات ثقيلة، مختلفة عن خطوات الحراس العاديين.
"إنهم هنا…" همست الخادمة بصوت منخفض.
دجى شعرت بالرهبة تتسلل إليها، لكن بدل الخوف، كان هناك شيء آخر… إحساس غريب بالقوة القادمة.
وفجأة، ظهر من آخر الممر شخص طويل، يرتدي عباءة داكنة بالكامل، وجهه مخفي تحت قناع معدني غريب.
"الآن حان الوقت…" قال بصوت خافت لكنه صارم.
الخادمة تراجعت خطوة، بينما دجى شعرت بأن كل شيء يتوقف حولها. الهواء أصبح أثقل، والظلال تتراقص بشكل غير طبيعي.
أمسك الحارس الغامض بكتفها فجأة، وسحبها إلى زاوية مظلمة، بعيدا عن الأنظار.
"من هذا؟" همست، والرهبة تتخلل صوتها.
"الذي يخطط لكل شيء في القصر… وكل شيء عنكِ." قال وهو يلتفت للظل المظلم في آخر الممر.
في تلك اللحظة، شعرت دجى أن الخطر ليس فقط على حياتها، بل على كل شيء تعرفه… وكل من حولها.
رفع القناع الشخص المظلم، ولم يُرَ وجهه بالكامل، لكن شيء في عينيه جعل الدم يتجمد في عروقها.
ابتسم ابتسامة باردة، ثم اختفى في الظلام بسرعة مذهلة، تاركاً وراءه صمتاً رهيباً.
الخادمة همست بصوت مرتعش:
"آنستي… القصر لم يعد كما كان. كل شيء تغير الليلة."
دجى شعرت لأول مرة أن كل خطوة قادمة ستكون اختباراً… اختباراً للحكمة، والشجاعة، والنجاة.
كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: اللعبة الحقيقية بدأت الآن.