بيننا خيط لا ينقطع - الفصل السابع والثلاثون بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع والثلاثون بعد المئة

الفصل السابع والثلاثون بعد المئة

" the writer Aridj " . . . مشت مسرعةً دون أن تدري إلى أيّ الجهات تمضي، وكأنّ قدميها تعرفان ما تجهله هي. لم يكن يهمّها الآن سوى أن تبتعد… أن تبتعد عن فوضى ذلك الخبر الذي سقط على صدرها كصخرةٍ ضخمة....سحقت أنفاسها تحت وطأتها. كانت تسير على الرصيف بخطواتٍ متعثّرة، ترفع يدها المرتجفة لتجفف دموعًا خانتها مرارًا، فمرّةً تنحدر ساخنةً على وجنتيها، ومرّةً تتوارى خجلى بين أهدابها، كأنها تتردّد في إعلان انهيارها. رفعت رأسها لتقطع الشارع، غير مكترثة بأصوات أبواق السيارات التي ارتفعت محتجّة، ولا بنظرات السائقين الغاضبة. عبرت ووصلت إلى الجهة الأخرى، ثم أسرعت خطاها أكثر… وأكثر، حتى توقفت فجأة..... لم تجد نفسها إلا أمام بيت رفيقة عمرها، وصديقتها، وملاذها الأخير… هواجس. تطلّعت إلى الباب الخشبي الكبير، بابٌ تعرفه كما تعرف تفاصيل قلبها. رفعت يدها لتطرق، لكنها ترددت. أنزلتها ببطء، وقلبها يخفق كطائرٍ حبيس. وقبل أن تستدير أو تخطو خطوةً إلى الخلف، انفتح الباب. وقف على العتبة شاب في العشرينات، ببشرةٍ خمرية دافئة، وشعرٍ مبعثر بنظامٍ دقيق، بلونٍ نحاسيّ يميل إلى البرتقالي، وعينين بلون أخضر زجاجي لامع، ينعكس فيهما ضوء النهار، وأنفٍ صغيرٍ مستقيم يضفي على ملامحه مسحةً من وسامةٍ هادئة. كان يرتدي قميصًا أسود بلا أكمام، يلتصق بجسده فيبرز عضلات صدره وبطنه بوضوح، مع سروالٍ رياضي رمادي اللون.....يامن توأم ھواجس تجمدت رتيل لحظةً في مكانها، وخجلت من وقوفه أمامها ، فأخفضت رأسها سريعًا، كأن الأرض صارت فجأةً أكثر أمانًا من النظر في عينيه. ابتسم يامن ابتسامةً دافئة، وقال بصوتٍ هادئ /رتيل، تفضلي… هواجس فوق بغرفتها. ثم ابتعد قليلًا ليفسح لها المجال. رفعت رأسها بخفة، وهمست بشكرٍ خافت لم يخرج كاملًا من بين شفتيها، ثم أسرعت بالدخول، وصعدت الدرج بخطواتٍ متلاحقة حتى وصلت إلى غرفة هواجس. فتحت الباب دون طرق، دون مقدّمات، دون سابق إنذار، وأغلقته خلفها بقوةٍ مكتومة، ثم أسندت ظهرها إليه، وانزلقت ببطءٍ حتى جلست على الأرض. كانت أنفاسها متقطّعة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، ودموعها تبلّل نقابها الذي لم يعد قادرًا على ستر انكسارها. نهضت هواجس من مكانها بصدمةٍ ودهشة، واقتربت بخطواتٍ سريعة /رتيل! وش فيك؟ لم تجبها رتيل فورًا. كانت تحمل في صدرها بحرًا من الكلام، بحرًا من الكتمان الذي طال أكثر مما ينبغي. لكنھا وصلت أخيرًا إلى بئر أسرارها. أسرعت هواجس إليها، وجلست أمامها، ثم رفعت نقابها برفق، وفكّت حجابها قليلًا لتتنفّس بهدوء. نهضت بعدها واتجهت إلى كأس الماء الموضوع فوق مكتبها، وعادت بسرعة، وناولته لرتيل، وساعدتها على الشرب. ثم بللت وجهها بقطراتٍ منه، تمرّر يدها بحنانٍ على جبينها. بعد دقائق طويلة، بدأت أنفاس رتيل تهدأ. رفعت عينيها إلى صديقتها، وابتسمت بسخريةٍ موجوعة وقالت بصوتٍ خافت /تعرفين وش صار اليوم؟ هواجس عقدت حاجبيها ببراءةٍ ممزوجة بالقلق /ما أعرف… وكيف راح أعرف؟ أكملت رتيل، وصوتها خالٍ من الانفعال، كأن النار اشتعلت في داخلها ثم احرقت كل شيء حتى صار رمادًا /أبوي بده يزوّجني بالزفة فارس. شهقت هواجس شهقةً خرجت من أعماقها، واتسعت عيناها بصدمة /وششش؟! وكيف؟! وليييش؟! أجابت رتيل بهدوءٍ مميت /ما أدري… حكولي الصبح إنهم راح يزوّجوني، وإنهم ما راح يلاقون أفضل منه، ومن هالحكي. هزّت هواجس رأسها بذهول /لا حول ولا قوة إلا بالله… والحل الحين؟ انتفضت رتيل من مكانها، ووقفت كأنها تحاول أن تهرب من الكلمات ذاتها /فرايك وش الحال؟ تبيني أتزوج فارس؟ كأنك ما تعرفين سواد وجهه! مستحيل أتزوجه يا هواجس... أنا ودي أكمل دراستي، أتخرج، أشتغل، وأصرف على حالي ، مو أسجن أحلامي في بيت نذل مثل فارس! كانت عيناها تقدحان بشرارةٍ من غضبٍ وألم. تقدّمت هواجس واحتضنتها بقوة، تربّت على كتفها بحنان /خلاص، خلاص… أنا راح أوقف معاك. كل اللي تبينه هواجس تنفذه. ابتسمت رتيل رغم دموعها، وهمست بامتنان /الله يحميك يا هواجس… أحبك. ابتعدت هواجس قليلًا، ولوّحت بيدها بمزاحٍ خفيف تخفي به تأثرها /رتييلو، تعرفيني… ما أحب هالمشاعر الفضفاضة. ضحكت رتيل، وصححت لها بخفة /اسمها فياضة. نهضت هواجس وساعدتها على الوقوف، ثم حرّكت يدها بلا مبالاةٍ مصطنعة /المهم إن الرسالة وصلت. ثم نظرت إلى ساعة معصمها فجأةً وقالت بفزع /راحت علينا المحاضرة! رفعت هواجس حاجبها باستنكار /أنتي عقلك خربان؟ نسيتي إن المحاضرة بعد ساعة كاملة! تنهدت رتيل بعمق، وارتمت على سرير هواجس، وظلت عيناها تتجولان في سقف الغرفة الزهري، تتأمل الثريا المتدلية، وكأنها تحاول أن تعلّق أفكارها بها. ثم قالت بهدوءٍ قاتل /مستحيل أتزوج. أجابتها هواجس وهي تعقد ذراعيها /فهمنا هالشي… وش ناوية تسوين؟ نهضت رتيل فجأة، وعيناها تلمعان بقرار تعزم على تنفيذه /راح أهرب. وضعت هواجس يدها على صدرها بفزع /يا لهوووي! قالت رتيل بجديةٍ لا تقبل الجدال /هواجس، أنا أتكلم من جد. مستحيل أرضى باللي يصير. أبوي مستحيل يزوّجني بأحد غير ولد أخوه المعفن… والحل إني أهرب. نهضت هواجس وبدأت تجول في أرجاء الغرفة ذهابًا وإيابًا، تفرك يديها بعصبية، وعقلها يعمل بأقصى سرعته. قالت رتيل بانزعاج /اجلسي وترتيني. ردّت هواجس وهي تشير بيدها /اششش… قاعدة أفكر. مرت دقائق ثقيلة، ثم أسرعت وجلست مقابلةً لرتيل وقالت بجدية /وأبوك وإخوانك إذا عرفوا باللي راح تسوينه؟ رفعت رتيل رأسها، وقالت بحزمٍ كأنها تلفظ حكمًا نهائيًا /يا أنذبح… يا أتزوج. تغيرت ملامح هواجس إلى الجدية التامة /ركزي معي… راح أكلم أخوي مازن. وأكيد راح يساعدنا. ارتبكت رتيل، واتسعت عيناها بخوف /لا لا لا لا! قالت هواجس بسرعة /لا تخافين. هو ما راح يرضى يصير لك كذا. وتعرفين إنه يحبك مثلي. ترددت رتيل، ثم قالت بصوتٍ منخفض /يعني… ما راح يخبر عاصم وجاسر؟ هزّت هواجس رأسها بثقة /أكيد لا ...راح يتفهمنا. الحين نطلع للجامعة، ولا تخبرين أحد. ولما نرجع المساء، نتكلم مع مازن، وهو يشوف لنا حل… ونطلعك من السعودية بكبرها. همست رتيل، وصوتها يحمل حلمًا بعيدًا /أبي بلد أجنبي ما يلحقني فيه أحد. نهضت هواجس واتجهت إلى خزانتها لتخرج ملابسها، وقالت بثبات /إن شاء الله خير. لكن ليكون بعلمك… أنتي مجبورة ترجعين بيت أهلك، وتمثلين إنك موافقة، عشان تاخذين جواز سفرك وأوراقك المهمة. أجابت رتيل دون تردد /مو مشكلة. ثم غاصت في أفكارها مرةً أخرى. كانت تتساءل في صمتٍ مرهق: هل ستستطيع تنفيذ ما يدور في رأسها؟ هل ستنجو فعلًا؟ أم ستقع بين قبضة إخوتها وأبيها؟ هل سيكون الهروب خلاصًا… أم بوابةً لمصيرٍ أشدّ قسوة؟ كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط… أنها، مهما كلّف الأمر، لن تكون عروسًا تُزَف الى فارس