الفصل 1
كانت ساحة الجامعة تعجّ بالحركة، أصوات الطلبة تختلط بضحكات متفرقة و خطوات مسرعة نحو القاعات. وسط ذلك الضجيج، كانت لميس تسير بهدوء إلى جانب تيا، تمسك بحقيبتها بيد و تستمع لثرثرة صديقتها التي لا تنتهي.
تيا لم تكن مجرد صديقة، بل كانت النسخة الأكثر جرأة من قلب لميس.. الفتاة التي تقول ما تفكر به دون تردد، بينما تكتفي لميس بالابتسام و مراقبة العالم بعينيها الهادئتين.
"أنا جائعة… جائعة لدرجة أنني قد ألتهم أول إنسان يمر أمامي"
تمتمت تيا و هي تضغط على بطنها بتذمر.
ضحكت لميس بخفوت و قالت:
"أخشى أن أكون الخيار الأقرب."
رمقتها تيا بنظرة سريعة قبل أن تبتسم بمكر:
"لا تقلقي، أنتي نحيلة… لن تشبعيني."
وصلتا إلى الكافيتيريا، لكن الطابور الطويل الممتد أمامهما جعل لميس تتوقف تلقائيًا في نهايته، مستسلمة لفكرة الانتظار. أما تيا، فقد حدّقت في الصف و كأنه عدو شخصي، زفرت بضيق، ثم أمسكت يد لميس فجأة.
"لن نقف هنا."
و قبل أن تعترض لميس، كانت تيا تشق طريقها للأمام بثقة وقحة، متجاوزة الطلاب واحدًا تلو الآخر، و كأن الطابور مجرد اقتراح لا قانون.
تبعتها لميس، و هي تهز رأسها مبتسمة بسخرية:
"كاسرة القوانين كعادتك."
أجابت تيا بلا مبالاة:
"القوانين وُجدت لتعقّد الحياة… و أنا أبحث عن البيتزا فقط."
خرجتا بعد مدة من الكافيتيريا، و بيد كل منهما قطعة بيتزا ساخنة. لم تكن تيا يومًا تشتري لنفسها فقط كلما أكلت، أرادت أن تُطعم لميس معها. لم يكن بينهما يومًا حساب للطعام أو المال، كل شيء كان مشتركًا بعفوية، لا كاتفاقٍ مكتوب، بل كصداقة حقيقية نمت مع الوقت حتى صارت تشبه القرابة.
و بينما كانتا تتجهان نحو المبنى الذي يضم قاعتهما الدراسية، ظهرت فتاة تُدعى عبير، اعترضت طريقهما و وقفت أمام تيا مباشرة، و عيناها تشتعلان غضبًا.
صرخت بصوتٍ عالي
"من الذي سمح لكي بأن تتكلمي مع حبيبي؟"
رفعت تيا حاجبها و هي تمضغ ما في فمها ببطء، غير آبهة بنبرتها. و قبل أن تنطق، جاء صوت لميس هادئًا كعادته… لكنه لم يحمل هذه المرة ذلك اللطف المعتاد.
"أنتي… تكلمي باحترام، و اخفضي صوتك."
التفتت عبير نحوها بازدراء و قالت
"و ما دخلك أنتي؟ من عيّنك حارسها الشخصي؟"
تقدمت لميس خطوة، و ثبات غريب يكسو ملامحها
"أنا صديقتها يا متخلفة… أم أنك وحيدة لدرجة أنه لا يوجد من يدافع عنكِ؟"
اشتعل وجه عبير غضبًا، و اقتربت بسرعة و هي تقول
"من المتخلفة يا... "
لكن تيا دفعتها قبل أن تكمل، و نظرتها تحولت إلى برود حاد
"إياكي أن تقتربي منها، فهمتي؟"
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة قاطعة
"أما حبيبك الأحمق، فهو من بدأ الحديث معي. و أنا لا أصدّ سائلًا. إن أردتي الحفاظ على علاقة صحية، فحاسبيه هو، لا تحاسبي من يتحدث معه."
ثم مالت قليلًا، و نظرتها تخترق عبير
"ليست مسؤوليتي أن أتجاهله… لكنها مسؤوليته أن يحافظ عليكي. هذا إن كنتي تستحقين."
أمسكت تيا بيد لميس، و استدارتا معًا، و غادرتا المكان بهدوءٍ تام…
كأن شيئًا لم يحدث، بينما بقيت عبير واقفة، تشتعل غيظًا في منتصف الممر.