في منتصف الليل - مفترق القمرين (الفصل الثاني) - بقلم Sarah Ghoneim | روايتك

اسم الرواية: في منتصف الليل
المؤلف / الكاتب: Sarah Ghoneim
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مفترق القمرين (الفصل الثاني)

مفترق القمرين (الفصل الثاني)

الهواء حوالين البابين كان تقيل… الشمس على الباب الأول بتنور بحرارة غريبة، كأنها وعد بالأمان. والقمر على التاني كان هادي… بس نوره بارد ومخيف، كأنه عارف سر محدش يعرفه. سلمى قربت خطوة من باب القمر. مش خوف… إحساس. يوسف لاحظ وقال: "حاسّة بإيه؟" همست: "الباب ده… مش بيرجعنا زي ما إحنا. بس حاسة إنه الحقيقة." باب الشمس فجأة لمّع بقوة، وصوت جه منه: "العودة… الأمان… النسيان." يوسف قلبه اتشد للكلمة الأخيرة. نسيان؟ يعني يرجعوا حياتهم عادي… من غير أرض الظل… من غير اختبارات؟ لكن القمر بدأ يلمع بهدوء… ومن وسط نوره خرجت نفس صورة المدينة اللي شافوها وهما بيقعوا. نار… وصوت صراخ… والعلامة اللي على سلسلته بتظهر في السماء. الصوت الغامض رجع: "الشمس تنقذكم… القمر ينقذ عالمكم." سلمى بصّت ليوسف، عينيها فيها خوف، بس كمان إصرار. "لو رجعنا ومحدش فاكر… هتفضل الحكاية ترجع تاني، صح؟" يوسف فهم. دي "دورة". ولو اختاروا الهروب… حد تاني هيدفع الثمن. مسك إيدها جامد. "المرة دي… نختار سوا." خطوا خطوة نحية باب القمر. الأرض تحتهم بدأت تتكسر… باب الشمس حاول يقفل بسرعة، وكأن في قوة مش عايزاهم يمشوا في الاتجاه ده. وقبل ما الباب يقفل، يوسف همس: "جاهزة؟" سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة، رغم الرعب: "لو معاك… آه." ولمسوا باب القمر. النور لفّهم… بس المرة دي مفيش سقوط. وقفوا على قمة برج عالي جدًا، والمدينة اللي كانت بتحترق قدامهم… لسه سليمة. لكن في السماء… نفس العلامة بدأت تتكون. وصوت الشاب صاحب العباءة جه من وراهم: "أهلاً بيكم في بداية الحرب." سلمى بلعت ريقها: "حرب ضد مين؟" الشاب رفع عينه للسماء… "ضد اللي خلق الدورة من الأساس." العلامة في السماء اكتملت… وانفتح منها شق أسود. ومن داخله… خرج أول ظل. أول ظل نزل من الشق الأسود كان مختلف… مش مجرد كتلة ظلام. كان له ملامح… عينيه بيضا من غير بؤبؤ، وجسمه متكوّن من دخان بيتحرك كأنه عايش. الناس في الشوارع بدأت تبص للسماء… لكن الغريب إن محدش كان شايف اللي شايفينه سلمى ويوسف. سلمى همست: "هو إحنا بس اللي شايفينه؟" الشاب صاحب العباءة رد بهدوء: "اللي اختار القمر… هو اللي يشوف الحقيقة." الظل بص عليهم مباشرة… وكأنه حاسس بوجودهم. وفجأة اندفع ناحيتهم بسرعة مرعبة. يوسف جذب سلمى ورا ضهره بشكل تلقائي، وسلسلته نورت فجأة… لكن المرة دي النور خرج منها زي خطوط فضيّة لفت حوالين إيده. الشاب قال بسرعة: "إنت مش فاكر قوتك… بس جسمك فاكر!" الظل وصل… ولما لمس الخطوط الفضية، صدر صوت زي زجاج بيتكسر، والهواء حوالين البرج اهتز. سلمى قلبها كان بيدق بعنف… لكن فجأة حسّت بحاجة في صدرها… حرارة خفيفة. بصّت لإيدها… ولقت نفس العلامة بتظهر على جلدها، بس بلون ذهبي. يوسف اتفاجئ: "إنتي كمان؟!" الظل رجع خطوة… كأنه اتلخبط. الشاب ابتسم لأول مرة: "واضح إن الدورة اتغيرت." الشق الأسود في السماء بدأ يكبر… ومنه نزلت ظلال أكتر. المدينة تحتهم لسه مش واعية بالخطر، لكن الوقت بيخلص. الشاب لف ناحيتهم: "لو عايزين توقفوا اللي بيحصل… لازم تقفلوا الشق من مصدره." يوسف سأل بسرعة: "فين المصدر؟" الشاب بص على العلامة في السماء… وبعدين بص لسلمى. "مش في السماء… المصدر فيكم." سلمى حسّت إن الأرض بتتهز تاني… وذكريات مش بتاعتها بدأت تيجي في دماغها — نفس البرج… نفس الشق… بس هي واقفة لوحدها. والمدينة… مدمرة. همست بخوف: "أنا شفت النهاية…" يوسف مسك إيدها: "إحنا هنغيرها." الظل الأكبر بدأ يجمع طاقة سوداء بين إيديه… ضربة واحدة ممكن تنزل على المدينة كلها. والعلامة اللي على إيد سلمى بدأت تنور أقوى… كأنها بتستجيب لقرار لسه متاخدش. الطاقة السودا اللي كان بيجمعها الظل كبرت… وبقت زي كرة ضخمة فوق إيده. الهواء حوالين البرج بدأ يصرخ، والزجاج في المباني البعيدة اتشقّق. سلمى كانت ماسكة إيد يوسف… والعلامة الدهبية على كفها بتنور أقوى، لدرجة إن النور بقى طالع منها زي خيوط رفيعة بتتحرك في الهوا. الشاب صاحب العباءة قال بصوت ثابت: "المصدر جواكم… لأن الشق اتفتح بطاقة رابط. رابط بين روحين." يوسف فهم فجأة. "إحنا… السبب؟" الشاب هز راسه: "مش السبب. المفتاح." سلمى حسّت بحرارة بتنتشر في جسمها، وذكريات بدأت ترجع — مش ذكريات عادية… ذكريات من دورة قديمة. هي ويوسف واقفين في نفس المكان… بس ساعتها هو اختار الشمس. ورجعوا عالمهم… والشق كبر… والمدينة اتحولت لرماد. دمعة نزلت من عينها. "إحنا قبل كده هربنا…" يوسف بص لها بصدمة. "وإنتي فاكرة؟" هزّت راسها. "أيوه… وكل مرة بنختار الأمان، حد تاني بيدفع التمن." الظل رفع الكرة السودا… والسماء اسودّت أكتر. الشاب صرخ: "لو الرابط بينكم اتفك… الشق هيقفل. بس الثمن—" يوسف قاطعه: "إيه الثمن؟!" صمت لحظة… "واحد فيكم ينسى التاني للأبد." الصمت كان أقسى من أي انفجار. سلمى بصّت ليوسف… كل الرحلة، الخوف، اللحظات الصغيرة بينهم… كل ده ممكن يختفي. يوسف حاول يبتسم رغم الرعب. "لو ده هيوقفها…" "لا!" قاطعته بسرعة. "مش هسيبك تختار لوحدك." الظل بدأ يرمي الضربة. في اللحظة دي، سلمى شدّت يوسف ناحيتها، وحطّت كفها على صدره، وهمست: "المرة دي… نضحي سوا." العلامتين — الفضية والذهبية — نورت بقوة هائلة، والخيوط اللي طالعة منهم اتشابكت… مش بتتفك. الشق في السماء اهتز. الطاقة السودا اتكسرت قبل ما توصل للأرض. الشاب بص بذهول: "مستحيل… الدورة كانت دايمًا بتطلب واحد." سلمى قالت وهي بتحس بقوتهم بتندمج: "يمكن لأننا عمرنا ما جربنا نواجهها مع بعض." النور انفجر من البرج، وطلع في السماء زي عمود ضخم ضرب الشق مباشرة. الشق بدأ يقفل ببطء… والظلال بتصرخ وهي بتتلاشى. لكن مع النور… ذكرياتهم بدأت تتشوّش. يوسف مسك وش سلمى بإيده المرتعشة: "لو نسيتك… دوري عليا." سلمى ابتسمت والدموع في عينيها: "حتى لو نسيتني… قلبي مش هينسى." النور غطّى كل حاجة. ولما فتحوا عينيهم… كانوا في حرم الجامعة. الدنيا عادية. الطلبة ماشية وبتضحك. يوسف كان واقف قدام سلمى… كأنه أول مرة يشوفها. بص لها وقال بأدب خفيف: "هو… إحنا نعرف بعض؟" وقلبها… دقّ نفس الدقّة اللي دقّها أول مرة. وفي معصمها… لمعة ذهبية خفيفة ظهرت واختفت.