في منتصف الليل - عالم اخر (الفصل الاول) - بقلم Sarah Ghoneim | روايتك

اسم الرواية: في منتصف الليل
المؤلف / الكاتب: Sarah Ghoneim
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: عالم اخر (الفصل الاول)

عالم اخر (الفصل الاول)

لم يكن الصوت في البداية واضحًا… مجرد همسةٍ خافتة تتسلل من بين جدران الغرفة، كأنها أنفاس شيءٍ يراقبني منذ زمن. ظننتها أوهامًا… حتى رأيت الظل يتحرك عكس اتجاه الضوء. منذ تلك الليلة، لم يعد الظلام مجرد غيابٍ للنور… بل صار كيانًا حيًا، يعرف اسمي، وينتظر اللحظة المناسبة ليُذكرني أن بعض الأسرار لا تُدفن… بل تعود. كن أؤمن بالحب من أول نظرة… لكنني آمنت بالفضول. كان يجلس دائمًا في آخر مقعد بالمحاضرة، صامتًا، كأنه لا ينتمي للمكان. لا يضحك مع أحد، ولا يلتفت إذا ناداه أحد باسمه. فقط ينظر من النافذة… وكأن الجامعة ليست وجهته الحقيقية. في ذلك اليوم، سقط من حقيبته كتاب قديم، غلافه أسود وعليه رموز لم أفهمها. التقطته قبل أن ينتبه أحد… وقبل أن أنتبه أنا لما سأفعله. فتحت الصفحة الأولى. لم تكن كلمات… كانت خريطة. وفجأة… شعرت بالأرض تهتز تحت قدمي، والهواء يثقل، وصوته يهمس خلفي: "ما كان يجب أن تلمسيه…" وعندما رفعت رأسي… لم أعد في الجامعة. لم أعد في الجامعة. الأرض التي أقف عليها لم تكن إسفلتًا ولا رخامًا… بل ترابًا داكنًا، يتنفس تحت قدمي كأنه حيّ. السماء فوقي بلون بنفسجي غريب، تتخللها شقوق مضيئة كأنها جروح في جسد الليل. التفتُّ ببطء… فوجدته يقف أمامي. لم يكن يرتدي ملابس الجامعة. كان يرتدي عباءة سوداء خفيفة تتحرك مع الريح التي لا أشعر بها. عيناه… لم تكونا كما أعرفهما. كانتا أعمق، أهدأ، وأخطر. "أين نحن؟" سألتُ بصوت بالكاد خرج. أجاب بهدوء: "في المكان الذي كنتِ تبحثين عنه… دون أن تعرفي." ارتجف قلبي. "أنا لم أبحث عن شيء." ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن لم تصل إلى عينيه. "بل كنتِ تراقبينني." شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهي، لكن قبل أن أرد، دوّى صوت عميق في السماء… كأنه زئير بعيد. اهتزت الأرض مرة أخرى، وظهرت في الأفق مخلوقات سوداء بأجنحة هائلة، تحلّق فوق مدينة مهدمة تلمع أنوارها الخافتة. اقترب خطوة نحوي وقال بجدية: "بما أنكِ فتحتِ الكتاب… أصبحتِ جزءًا من هذا العالم. ولن يسمحوا لكِ بالمغادرة بسهولة." "من هم؟" نظر نحو السماء ثم عاد بعينيه إليّ. "الذين يحرسون البوابة… والآن هم يعلمون أنكِ هنا." وفي اللحظة التي أمسك فيها بيدي ليجذبني خلف صخرة عالية، شعرت بشيء يتغير داخلي… كأن هذا المكان لا يخيفني فقط… بل يعرفني. شدّني خلف الصخرة قبل أن تهبط إحدى تلك المخلوقات بالقرب منا. كان صوت أجنحتها يشبه احتكاك الحديد بالحجر، حادًا ومزعجًا لدرجة أن أنفاسي اختنقت في صدري. همس لي: "لا تتحركي… لا حتى فكرة الهروب تخليها تحس بيكي." نظرت إليه بصدمة. "تحس بأفكاري؟!" لم يجب… لكن عينيه كانتا تقولان إن السؤال في غير وقته. مرّت لحظات ثقيلة كأن الزمن نفسه توقف، ثم ارتفعت المخلوقات من جديد واختفت خلف الشقوق المضيئة في السماء. عندها فقط ترك يدي ببطء. "لازم نمشي." قالها بصرامة. "نمشي فين؟ أنا عايزة أرجع!" ارتفع صوتي رغماً عني. نظر لي نظرة غريبة… مزيج بين الحزن والتحذير. "البوابة اتقفلت أول ما لمستِ الكتاب. ومش هتتفتح غير لما تختارك الأرض." "تختارني؟ أنا مش من هنا!" اقترب خطوة، وصوته انخفض: "ده اللي إنتِ فاكرة." سكتُّ… لأن شيئًا في داخلي… كان يعرف أن كلامه ليس جنونًا. فجأة شعرت بحرارة في راحة يدي. نظرت إليها بسرعة، فوجدت نفس الرموز الموجودة على غلاف الكتاب بدأت تظهر على جلدي، مضيئة بلون أزرق خافت. تراجعت بخوف. "إيه ده؟! أنا مش فاهمة حاجة!" مدّ يده ببطء وكأنه يخشى لمسي. "العلامة ظهرت أسرع مما توقعت…" "علامة إيه؟!" أجاب بعد لحظة صمت: "علامة الحارسة." الكلمة سقطت عليّ كصاعقة. وقبل أن أستوعب معناها، انشقت الأرض أمامنا قليلًا، وخرج منها ضوء أبيض قوي… ومعه صوت أنثوي عميق يقول: "عادت ابنة العهد." تجمّد في مكانه. ونظر إليّ بذهول حقيقي هذه المرة. همس: "هم كانوا مستنيينك… مش أنا." الضوء الأبيض ازداد قوة حتى اضطررت أن أغمض عينيّ. شعرت بحرارة تسري في عروقي… ليست مؤلمة، لكنها مألوفة، كأنها تعود لمكانها الطبيعي. الصوت الأنثوي عاد يتردد في الهواء: "حان وقت استعادة العهد…" صرختُ: "أنا مش فاهمة أي حاجة! أنا طالبة في الجامعة!" ضحكة خافتة، قديمة، خرجت من العدم. "كنتِ…" فتحتُ عينيّ فجأة. لم أعد أقف خلف الصخرة، بل وسط دائرة حجرية ضخمة محفورة بالرموز نفسها التي على يدي. الهواء حولي يدور كدوامة خفيفة، وأصوات بعيدة تهمس باسمي… لا، ليس اسمي الذي أعرفه. اسم آخر. اسم جعل قلبي يخفق بعنف. التفتُّ أبحث عنه، فوجدته خارج الدائرة، يحاول الاقتراب لكن حاجزًا شفافًا من الضوء يمنعه. "اطلعي من هناك!" صرخ، وصوته لأول مرة يحمل خوفًا حقيقيًا. "قولّي الحقيقة!" صرختُ بدوري. "أنا مين؟!" تجمّد للحظة… ثم قال بصوت مكسور: "إنتِ الحارسة الأخيرة. روحك اتبعثت في عالم البشر علشان تتخبّى… علشان ما يقتلوكِش." شعرت أن الأرض تميد بي. "مين يقتلني؟!" لم يحتج أن يجيب. السماء انشقت فجأة، وخرج منها ظل هائل، أكبر من أي شيء رأيته. لم تكن له ملامح واضحة… فقط عيون حمراء تلمع في العتمة. الصوت الأنثوي تغيّر، صار أكثر حدة: "الظلال وجدتكِ." ارتفعت يدي دون أن أشعر، والرموز أضاءت بقوة. شعرت بطاقة تتجمع في صدري… قوية، مرعبة… لكنها لي. نظر إليّ، وعيناه مليئتان بشيء لم أره من قبل. لم يكن خوفًا فقط… كان ندمًا. همس لنفسه: "سامحيني… كان لازم أجيبك." قلبي توقف لحظة. "إنتَ… جبتني هنا؟" لم يجب. لكن الظل في السماء بدأ يهبط. وبينما العالم يهتز من حولي… أدركت أن القصة لم تبدأ يوم فتحتُ الكتاب. بل بدأت يوم اختارني هو. الظل الهائل هبط ببطء، وعيونه الحمراء ثبتت عليّ وكأنها تعرفني منذ قرون. صوته لم يخرج من فمه… بل من داخل رأسي. "أخيرًا… الحارسة التي هربت." ارتجفت، لكن قدميّ لم تتحركا. الطاقة في صدري كانت تزداد، والرموز على يدي تحولت إلى خطوط من نور تمتد حتى كتفي. صرخت في وجهه: "أنا ما هربتش من حد!" ضحك الصوت، عميقًا وثقيلاً. "بل خُنْتِ العهد." تجمد الدم في عروقي. التفتُّ نحوه بسرعة. "هو بيقول إيه؟!" لكنه لم ينظر في عيني. كان يحدق في الأرض. همس بصوت بالكاد سمعته: "في حياتكِ الأولى… اخترتي الحب بدل الحراسة." سقطت الكلمات كالصاعقة. "حب مين؟!" رفع عينيه أخيرًا… وكان الألم واضحًا فيهما. "حبيته… وعدتي تسيبي البوابة عشانه." العالم دار حولي. الظل اقترب أكثر، وصوته أصبح أقرب: "والآن التاريخ يعيد نفسه." وفجأة… انكسر الحاجز الضوئي بيننا. ركض نحوي وأمسك بيدي قبل أن يلامسني الظل بلحظة. الطاقة بيننا انفجرت كوميض أبيض أعمى عينيّ. عندما فتحتها… لم يكن هناك ظل. ولا دائرة حجرية. كنا نقف على حافة مدينة مدمرة، والسماء عادت أهدأ… لكن ليس آمنة. أنفاسه كانت قريبة جدًا مني. قال بصوت منخفض: "أنا كنت الحارس المكلف يقتلك لو عدتي." قلبي توقف. "لكن في كل حياة… بختارك." سكتُّ… لأن داخلي كان يعرف الحقيقة. الظل لم يُهزم. هو فقط… ينتظر ابتعدتُ خطوة عنه، وأنفاسي متقطعة. "كنت هتقتلني؟" صوتي خرج أضعف مما أردت. أغلق يوسف عينيه لحظة، وكأنه يحمل ثقل قرون فوق كتفيه. "ده كان العهد… يا سلمى." أول مرة ينطق اسمي هنا. لكن طريقته في قوله جعلتني أشعر أن الاسم أقدم من الجامعة… أقدم من حياتي كلها. "وكل مرة…" تابع بصوت مبحوح، "كنتِ بترجعي بذاكرة ممسوحة، وأنا بفتكر كل حاجة. كنت بستناك تكبري… أراقبك… لحد ما العلامة تظهر. ولما تظهر، لازم أختار." قلبي انقبض. "تختار إيه؟" نظر في عيني مباشرة. "إما أنفذ الحكم… أو أفتح البوابة وأعرّض العالمين للخطر." الهواء حولنا بدأ يبرد فجأة. السماء أظلمت من جديد، والظل البعيد عاد يتشكل بين الغيوم. الصوت العميق تردد: "الحارس يتردد…" الأرض اهتزت، وتشققت الأحجار تحت أقدامنا. شعرت بطاقة الحراسة تتجمع في داخلي مرة أخرى. رؤى سريعة مرت في رأسي: بوابة عظيمة من نور. جيش من ظلال يحاول العبور. وأنا… أقف وحدي أمامهم. ثم صورة أخرى. يوسف… ينزف أمام البوابة. يسقط. بسببي. وضعت يدي على صدري وأنا أتنفس بصعوبة. "لو اخترت الحراسة… إيه اللي هيحصل لك؟" ابتسم ابتسامة حزينة. "هكون العدو." الصمت بيننا كان أقسى من أي صرخة. الظل بدأ يهبط مرة أخرى، وهذه المرة أقرب. صوته صار أشبه بعاصفة: "القرار الآن، يا سلمى." نظرت إلى يدي المضيئة… ثم إلى يوسف. وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة كاملة. العهد لم يكن يمنع الحب. العهد كان يختبره. رفعت رأسي نحو السماء، وصوتي خرج ثابتًا رغم ارتجاف قلبي: "أنا الحارسة… لكني لن أكون وحدي." التفتُّ إلى يوسف ومددت يدي له. "لو كنتَ الحارس المكلف بقتلي… فاختار تبقى الحارس اللي يقف جنبي." عيونه اتسعت بدهشة… ثم اشتعل فيهما نور مشابه لنوري. الظل صرخ بغضب. الأرض انفتحت خلفنا، وظهرت البوابة… أكبر وأعظم مما رأيت في رؤاي. المعركة لم تبدأ بعد. لكن هذه المرة… لن تكون سلمى وحدها. ويوسف لن يكون منفذ الحكم. بل سيكونان… كسر العهد. تقدّمت سلمى خطوة للأمام، والأرض تحت قدميها أطلقت ضوءًا أزرق خافتًا كأنها تعترف بها. قال يوسف بصوت منخفض: "إحنا مش هنا بالصدفة… حد جابنا." وقبل ما تكمل كلامها، ظهر قدامهم ممر طويل من أشجار فضية، أوراقها بتهمس… فعلاً بتهمس، مش مجرد صوت هوا. "الدم واحد… والباب اتفتح." سلمى حسّت بقلبها بيدق أسرع. "يوسف… انت سمعت؟" هزّ راسه ببطء. "أيوه… وقالوا الدم واحد." فجأة، ظهر قدامهم طيف بنت لابسة فستان أبيض قديم، شعرها طويل وملامحها شبه سلمى… بشكل مخيف. البنت ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: "أخيرًا رجعتي… يا حارسة البوابة." يوسف بصّ لسلمى بصدمة. "حارسة إيه؟!" لكن قبل ما ترد، الأرض بدأت تتشقّق، وظهر رمز غريب تحت رجلي سلمى… نفس الرمز اللي شافته في حلمها من سنين. الطيف مدّ إيده ناحية يوسف وقال: "هو المفتاح… وانتي القفل." والسماء فجأة اتحولت للون أحمر قاتم… وصوت ضخم جه من بعيد: "لو اتحدوا… العالمين هيندمجوا." سلمى مسكت إيد يوسف بقوة، وبصت له بعينين مليانين خوف وإصرار. "يبقى لازم نعرف الحقيقة… قبل ما كل حاجة تضيع." وفجأة… الأشجار بدأت تتحرك حواليهم كأنها بتحاصرهم. تقدّمت سلمى خطوة للأمام، والأرض تحت قدميها أطلقت ضوءًا أزرق خافتًا كأنها تعترف بها. قال يوسف بصوت منخفض: "إحنا مش هنا بالصدفة… حد جابنا." وقبل ما تكمل كلامها، ظهر قدامهم ممر طويل من أشجار فضية، أوراقها بتهمس… فعلاً بتهمس، مش مجرد صوت هوا. "الدم واحد… والباب اتفتح." سلمى حسّت بقلبها بيدق أسرع. "يوسف… انت سمعت؟" هزّ راسه ببطء. "أيوه… وقالوا الدم واحد." فجأة، ظهر قدامهم طيف بنت لابسة فستان أبيض قديم، شعرها طويل وملامحها شبه سلمى… بشكل مخيف. البنت ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: "أخيرًا رجعتي… يا حارسة البوابة." يوسف بصّ لسلمى بصدمة. "حارسة إيه؟!" لكن قبل ما ترد، الأرض بدأت تتشقّق، وظهر رمز غريب تحت رجلي سلمى… نفس الرمز اللي شافته في حلمها من سنين. الطيف مدّ إيده ناحية يوسف وقال: "هو المفتاح… وانتي القفل." والسماء فجأة اتحولت للون أحمر قاتم… وصوت ضخم جه من بعيد: "لو اتحدوا… العالمين هيندمجوا." سلمى مسكت إيد يوسف بقوة، وبصت له بعينين مليانين خوف وإصرار. "يبقى لازم نعرف الحقيقة… قبل ما كل حاجة تضيع." وفجأة… الأشجار بدأت تتحرك حواليهم كأنها بتحاصرهم. الظل مدّ جناحه أكتر… والهواء حوالين الباب بقى تقيل كأنه بيضغط عليهم. سلمى حست إن الصوت اللي بينادي من جوّه مش غريب… بالعكس، فيه حاجة مألوفة، حاجة قريبة لقلبها. همست: "يوسف… هو مش شر." يوسف بص لها بدهشة: "إنتي ازاي متأكدة؟!" الرمز اللي على كفهم بدأ يسخن… مش ألم، لكن طاقة. وفجأة ذكريات مش بتاعتها عدّت قدام عينيها — معركة قديمة، نفس البوابة، نفس الأجنحة المكسورة… وصوت حد بيقول: "اقفلي الباب… قبل ما يضحّي بنفسه." سلمى شهقت. "هو مش بيحاول يدخل… هو محبوس!" الطيف اتجمدت مكانها. "لا… مستحيل…" لكن الباب اتفتح أكتر، وظهر وش المخلوق — مش مرعب، بل حزين. عينه كانت مليانة تعب، كأنه مستني حد من زمان. يوسف ضغط على إيد سلمى. "إحنا قدام اختيارين… يا نثق في إحساسك… يا نقفل كل حاجة." الدخان الأسود بدأ يتكاثف من تحت الأرض، واضح إنه عايز يمنع خروجه. سلمى أخدت نفس عميق، ورفعت إيدها ناحية الباب. الرمز اتحول لنور أبيض صافي، وضرب في الدخان الأسود فاختفى جزء منه. صوت المخلوق جه ضعيف: "أنا… الحارس الأول." الطيف صرخت: "هو السبب في خراب أريثيا!" لكن فجأة صورة تانية ظهرت في ذهن سلمى — الطيف نفسها وهي بتخون الحارس الأول علشان تاخد قوته. سلمى بصت للطيف بصدمة. "إنتي اللي بدأتي الخراب." عيون الطيف اتحولت لسواد كامل… وابتسامتها بقت باردة. "لو مش أنا… مكنش هيبقى ليكي دور." الأشجار الفضية بدأت تتحول لسودا، والسماء بقت أغمق. يوسف وقف جنب سلمى بثبات. "قولّي أعمل إيه." سلمى عينيها لمعت. "هنفتح الباب… بس مش علشان يهرب. هنرجّع التوازن." الرمز على كفهم اتوحّد، وبقوا ماسكين إيد بعض بقوة. النور انفجر حوالينهم… والباب اتفتح بالكامل. والحارس الأول خرج… أجنحته المكسورة بدأت تلتئم بالنور. لكن الطيف اتحولت لكائن ضخم من الظلال… واندفعت عليهم. وقفت سلمى قدام البوابة الحجرية، وإيدها لسه في إيد يوسف… الرمز اللي كان منقوش على السلسلة بدأ يلمع أقوى، كأنه بيعرف إنهم قرروا يدخلوا. يوسف بص لها وقال بهدوء: "لو دخلنا… مفيش ضمان نرجع." سلمى حاولت تبان شجاعة، رغم إن قلبها كان بيدق بسرعة: "بس لو مدخلناش… هنفضل طول عمرنا بنسأل: إيه اللي كان ورا الباب؟" وفجأة… الأرض تحت رجليهم اهتزت. البوابة بدأت تفتح ببطء، وصوتها كان عامل زي همس بعيد… كأنه حد بينادي اسمهم. أول ما عدّوا الخط الحجري، النور اختفى. ولما فتحوا عينيهم… كانوا واقفين في أرض غير الأرض. السماء بنفسجية، وفيها قمرين مش واحد. الشجر طويل وأوراقه بتلمع زي الزجاج، وكل خطوة على الأرض بتسيب أثر نور وراهم. سلمى همست: "إحنا فين؟" صوت جه من وراهم، عميق وغامض: "في أرض الظل الأزلي… ومفيش حد بيدخل هنا بالصدفة." لفّوا بسرعة… وشافوا شاب لابس عباءة سوداء، عينيه فضيّة، وفي إيده نفس الرمز اللي على سلسلة يوسف. قال وهو بيبصلهم نظرة فيها تحذير: "اللي فتح البوابة… مش عاوزكم تزوروا المكان ده. هو عاوزكم تختاروا." يوسف سأل بقلق: "نختار إيه؟" الشاب ابتسم ابتسامة خفيفة… "إما تنقذوا العالم بتاعكم… أو تعيشوا هنا للأبد." وسلمى فجأة حسّت إن في حاجة بتسحبها… القمرين في السماء بدأوا يقربوا من بعض… والهواء بقى تقيل كأن الزمن نفسه بيبطّأ. وقبل ما تلحق تسأل، الأرض انشقت تحتهم… ووقعوا في الظلام الوقوع مكنش عادي… مكانش سقوط في فراغ… كان كأنهم بيعدّوا خلال ذكريات مش بتاعتهم. سلمى شافت صور سريعة حوالينها — مدينة بتتحرق، ناس بتهرب، وولد صغير واقف لوحده وسط الدخان… ولما الصورة قربت، قلبها اتقبض. الولد كان… يوسف. صرخت باسمه، لكن صوتها كان مكتوم. وفجأة… السقوط وقف. فتحوا عينيهم لقوا نفسهم واقفين جوه قاعة ضخمة، سقفها عالي جدًا ومفيهوش نهاية. الأرض مرايات… وكل مراية فيها نسخة منهم، لكن بأعمار مختلفة. يوسف قرب من واحدة… شاف نفسه أكبر، وشعره أطول، وعينيه مليانة حزن. الصوت الغامض رجع تاني، لكن المرة دي كان أقرب: "أرض الظل الأزلي مش بس عالم تاني… دي اختبار." سلمى سألت بتوتر: "اختبار لإيه؟" الهواء قدامهم تشكّل… وبان نفس الشاب صاحب العباءة السودا، لكن المرة دي ملامحه كانت أوضح… وفي عينه الشمال… نفس العلامة اللي على سلسلة يوسف. قال بهدوء: "العلامة دي مش صدفة يا يوسف. إنت كنت هنا قبل كده." يوسف اتراجع خطوة: "مستحيل… عمري ما شوفت المكان ده." الشاب رد: "ذاكرتك اتاخدت منك… يوم ما اخترت تنقذها." وبصّ على سلمى. القلب بتاعها وقع. "تنقذني؟ أنا؟" الشاب هز راسه: "في كل دورة… العالمين بيتقاطعوا. واحد فيكم لازم يضحي بحاجة عشان التاني يعيش." القاعة بدأت تهتز… المرايات اتكسرت واحدة واحدة، وكل كسرة كانت بتطلع منها ظلّ أسود طويل، بيقرب منهم. يوسف مسك إيد سلمى جامد: "المرة دي… مش هسيبك تختاري لوحدك." الظلال أحاطت بيهم… وفجأة، سلسلة يوسف نورت بقوة لدرجة إنهم اضطروا يغمضوا عينيهم. ولما فتحوها… كانوا واقفين قدام بابين. واحد عليه نقش شمس. والتاني عليه نقش قمر. وتحتهم مكتوب بلغة غريبة، لكن سلمى كانت قادرة تقراها: "باب يرجّعكم… وباب يغيّركم." يوسف بص لها وقال بصوت واطي: "لو اخترنا الغلط… ممكن منرجعش خالص." سلمى بصّت للبابين… ولأول مرة حست إن القرار مش بس عنهم… ده عن العالم كله.