👍💓
رغم تلك اللحظة المشحونة، ورغم أنه أنقذ حياته من السم، إلا أن ياسمين لم تشعر بالامتنان. سحبت يدها بقوة وكأنها تعرضت للسع، ونظرت إليه بنظرات تملؤها الكراهية والاشمئزاز. كانت ترى في عينيه "هوساً" لا "حباً"، وسجناً لا حماية.
صرخة السجينة
"لا تلمسني بفمك الملطخ بالدماء!" صرخت ياسمين، وهي تمسح إصبعها في ثوبها بعنف، وكأنها تحاول إزالة أثره عن جلدها. "أنت لا تنقذني يا جونكوك.. أنت تملكني! أنت تحولني إلى قطعة من ممتلكاتك، إلى دمية تخاف عليها من الكسر لأنك تحب اللعب بها!"
تجمد جونكوك في مكانه. تلاشت نظرة الهيام من عينيه وحل محلها ذهول منكسر. كان لا يزال جاثياً على ركبتيه، والدم الملكي الذي امتصه من جرحها يترك طعماً معدنياً في فمه، يذكره بمدى بشريتها ومدى وحشيته.
"أكرهك.." همست ياسمين، والدموع تنهمر من عينيها، "أكره جدران هذا القصر، وأكره خوفك الذي يخنقني، وأكره حقيقة أنني لا أستطيع حتى جرح إصبعي دون أن تحول العالم إلى جحيم. الموت أرحم لي من أن أكون 'نبيذك' المفضّل."
رد فعل الوحش المنكسر
قام جونكوك ببطء، وبدا أطول وأضخم مما كان عليه، لكن كتفيه كانا مثقلين بخيبة أمل قاتلة. لم يغضب، لم يزمجر، بل ساد صمت مرعب في الغرفة. اقترب منها حتى شعرت ببرودة أنفاسه على جبينها، لكنه لم يلمسها.
"تكرهينني؟" سأل بصوت منخفض جداً، وكأنه يختبر الكلمة على لسانه. "جميل.. الكراهية عاطفة قوية، قوية بما يكفي لتبقيكِ مستيقظة وتفكرين بي طوال الليل. أفضل أن تكرهيني وأنتِ حية، على أن تحبيني وأنتِ جثة تحت التراب."
استدار بظهره نحوها، وذهب إلى النافذة الكبيرة التي تطل على مملكته المظلمة. قبض يده على إطار النافذة حتى تصدع الخشب تحت ضغطه.
الحصار الخانق
"بما أنكِ تكرهين حمايتي،" قال دون أن ينظر إليها، "فسأعطيكِ سبباً حقيقياً للكراهية. من هذه اللحظة، ممنوع عليكِ مغادرة هذه الغرفة. لا مطبخ، لا حدائق، ولا رؤية لضوء الشمس إلا من وراء هذا الزجاج."
التفت إليها فجأة، وكانت عيناه قد فقدتا كل بريق عاطفي، وأصبحت كبئرين أسودين لا قاع لهما:
"بما أن السم كان في مطبخي، فهذا يعني أن جدران قصري خائنة. ولأنني لا أثق بأحد.. سأكون أنا سجانكِ الشخصي. سأحضر لكِ الطعام بنفسي، وسأراقبكِ وأنتِ تنامين. كرهكِ لي هو الوقود الذي سيجعلني أتمسك بكِ أكثر."
خرج جونكوك من الغرفة وأوصد الباب الحديدي الضخم خلفه، تاركاً ياسمين في زنزانتها الذهبية. سمعت صوت القفل وهو يُغلق، وصوت خطواته الثقيلة وهي تبتعد، لكنها شعرت بشيء آخر.. شعرت بنبضات قلبه في عروقها، وكأن سحب السم قد خلق رابطاً لعوناً لا ينقطع.
الرابط الملعون: صدى النبضات
جلست ياسمين خلف الباب الموصد، تسند رأسها إلى الخشب البارد، لكن الصمت لم يكن هادئاً كما اعتادت. فجأة، بدأت تشعر بـ "إيقاع" غريب يتردد في أذنيها.. دب، دب، دب. لم يكن نبض قلبها، كان أبطأ، أثقل، وأكثر برودة.
لقد كان نبض جونكوك.
امتصاصه للسم الممزوج بدمها لم يشقِ جسدها فحسب، بل فتح نافذة محرمة بين روحهما. كانت تشعر بغضبه العارم وهو يسير في الرواق، تشعر ببرودة أعصابه وهي تتحول إلى نيران مستعرة.
ساحة الإعدام الصامتة
في ساحة القصر السفلية، كان جونكوك يقف أمام طاقم المطبخ بالكامل. لم يرفع سيفاً، ولم يصرخ. كان يكتفي بالنظر إليهم بعينين جاحظتين، بينما كانت ياسمين في غرفتها تشعر بكل "هجمة" غضب تجتاح كيانه.
قبض جونكوك يده، وفي الغرفة، شعرت ياسمين بألم مفاجئ في صدرها وكأن يداً تعتصر قلبها. صرخت بخفوت: "توقف.. توقف يا وحش!"
في الساحة، جثى رئيس الطهاة على ركبتيه وهو يرتجف: "جلالتك، أقسم أنني لم أضع شيئاً! السكين كان.."
قاطعه صوت جونكوك الذي بدا وكأنه آتٍ من أعماق الجحيم: "السكين جرحها. وهذا كافٍ لتكون نهايتك."
الصرخة التي عبرت الجدران
لم تتحمل ياسمين تدفق المشاعر المظلمة التي كانت تصلها عبر الرابط. شعرت برغبة جونكوك في القتل، وشعرت بلذته السادية في الانتقام لها. وقفت عند الباب وصرخت بكل ما أوتيت من قوة، ليس لطلب النجدة، بل لمخاطبة "الرابط":
"جونكوك! إذا قتلتهم، سأكره نفسي لأن دمي كان السبب! توقف إن كنت تريدني أن أتنفس!"
في الساحة، توقفت يد جونكوك التي كانت تمسك بعنق الخادم. تجمد مكانه، ورفع رأسه نحو نافذة غرفتها العالية. لقد سمعها.. ليس بأذنيه، بل بقلبه الذي ينبض في عروقها.
المواجهة في الزنزانة الذهبية
عاد جونكوك إلى الغرفة بعد دقائق. فتح الباب بعنف، وكان غبار المعركة النفسية لا يزال يكسو ملامحه. اقترب منها كالرعد، وحاصرها بين ذراعيه والحيط.
"كيف فعلتِ ذلك؟" سأل بلهث، وعيناه تتأرجحان بين السواد والاحمرار. "كيف استطعتِ اختراق عقلي ومنعي؟"
نظرت إليه ياسمين بعينين مليئتين بالدموع والكراهية المحضة:
"لأنك ربطتني بك بشيء مقزز. أنا أشعر بكل قطرة حقد في قلبك الآن. أنت لا تحميني، أنت تلوثني! كلما آذيت شخصاً لأجلي، أشعر وكأن السكين تجرحني أنا مجدداً."
ضحك جونكوك ضحكة منكسرة، مريرة، ودفن رأسه في عنقها، مستنشقاً رائحتها التي كانت تمنحه الهدوء رغم كرهها له.
"إذاً ابقي هكذا.. اشعري بي، اشعري بظلامي. ربما حين تدركين حجم الخراب الذي بداخلي، ستفهمين لماذا أتمسك بضوئكِ بهذه الطريقة الهستيرية."