الفصل 2
*[☜رواية الأنسة حنفي💛]*
*(part 3-4)*
`تابع قناة قناة موعد مع رواية 🎀🌷 في WhatsApp في واتساب:` https://whatsapp.com/channel/0029VbCLEIk5kg7Ce01NTR2X
🟦🟦🟦🟦🟦🟦🟦🟦🟦🟦🟪🟪🟪🟪🟪🟪🟪🟪🟪🟪
لتفعيل الوضع الليلي، تكبير الخط، نوع الخط
شاهد الآن
هَل لَديك القُدرة علي تَغيير القَدر ؟!.. أتَمتلك القُدرة علي مُخالفة مَا كُتب لَك ؟! بالتأكيد لا ..!!
مَن مِنا يَملك القُدرة علي تَغيير القَدر ؟! ليسَ إلاّ أمرٌ واقِع عليك تَقبُله ..
اللحظّة وَليدة الصُدفة هي أنّقي اللحظات التي تَحمل بين طياتِها مشاعر صَادقة نَابعة من القلب ..
جَلست "ليلي" علي مِقعد خشبي قديم داخل وَرشة تصليح السيارات تهز ساقيها بقوة و قلق ، لم تَنفك عن التطلع بساعة يَدها لمَعرفة الوَقت و التّأكُد أنها لنْ تتأخر عن موعدّها ذاك ...
بينما "سليم" فَـ كان يقف بأحد زوايا الورشة يتطلع إليها بـ صَمت ، لا زالت الصدمة تُجمده فَـ خلال ثلاثة أيام مُتتالية تجمعهما الصُدفة للقاء و آخرهم اليوم حينما إصطدمت سيارته بـ سيارتها التي تدمر الجزء الأمامي منها كـ مَن خرج من حرب سيارات طاحنة ..
ليَشرد بعينيه الخضراء بها مُتأملاً إياها في صَمت اللسان أما العقل فَـ لم ينفك للحظة عن الحديث و التَفكير بها ..
رَاقب بعَينيه حركاتها المُرتَبكة و جَسدها المُتحفز للإنقضاض علي الأُسطي الذي يُصلح السيارة و بين الحين و الآخر تنظر إلي سَاعة اليد و كأنّ هُناك مَوعد هام ..
أما عيناها العَسلية ...!
هُنا يقف بصمت طويلاً مُتأملاً عيناها ، بها شئ غريب لكنه ساحر ، عَسّلياتها تلتَمع بـ وَميض التمّرد ، تَشتعلان بِنار الغضب الذَّي لا ينطفأ و لم يتوقف للحظة عن إِحراق رَوحها يَتغلغلها الألم و الحزن الذي أزهق رَوحها و أبَكاها لليالي طويلة ...
لـ يَكتشف "سليم" من شروده بعينيها أنّ "ليلي" إمرأة خُلقت من رَحم الألم و التجَارب القاسية ..
أفاق من شروده علي صوتها الحازم وهي تَسأل المِيكانيكي:
-لا زال أمَامك كثير لـ تَنتهي من إصلاحها ..
تَوقف الأُسطي المِيكانيكي عن العمل و إلتفت إليها بوجهه المُتعب و يده السمراء المُزينة بـ الشّحم الأسود أما ملابسه فَقد تَزينب به ليُجيب:
-سيارتك يا أُستاذة تحتاج إلي يومين كي أنتهي من تَصليحها ..
شَهقت بصدمة قائلة:
-ماذا يومين ؟!
أومأ لها الأُسطي المِيكانيكي لتقول بحِقد و غضب:
-منه لله مَن كان السبب ، سيارتي الغالية لم تذهب لميكانيكي يوماً ستَبيت ليلتان بـ وَرشة غريبة أي سوء حظ هذا ..
نَكست رأسها بضيق علي سيارتها الغالية فقد إشترتها بالقِسط من أموالها الخاصة لتُوفر عليها عناء المواصلات العامة و تَمهيداً لمُستواها المَادي و الذي بدأ يتحسن كثيراً ..
تساءلت بخَيبة أَمل:
-هل يُمكنك أن تنتهي من تصليحها اليوم و سأُضاعف أجرك ..
زفر الأُسطي بحنق وهو يمسح يده بقطعة قُماشة بالية و مُهترئة مُردفاً:
-لا يا أُستاذة فـ هناك عدة سيارات تحتاج للتصليح مُنذُ عدة أيام ريثما أنتهي منها أكون إشتريت لكِ قطع غيار جديدة للسيارة بَدلاً من هذهِ ..
دَبدبت الأرض بقدمها عدة مرات و قالت بإعتراض:
-لَيتني ذهَبتُ بها إلي أحد الأسطوات بـ شارعنا كان قد انتهي منها الآن ..
تَناوب "سليم" بـ الرّد للمرة الأولي بدلاً من الأُسطي بلهجة حادة طفيفة:
-لو لففتي القاهرة بأكملها لن تجدي مثل الأُسطي عبد الرحمن ليُصلح سيارتك يداه تُلف بـ حرير ..
وَثبت واقفة تَرمقه بتحدي قائلة:
-و بماذا ستفيدني يداه الحريرية كل ما أريده أن تعود سيارتي كـ سَابق عهدها قبل حادث الصباح ..
صَمتت عن الكلام لثَانية قبل أن تستكمل بضيق:
-لو كان الأعمي الذي صدم سيارتي يري قليلاً ما كان حدث كُل هذا ..
هَتف بها مُشدداً علي حروفه:
-قُل لَنْ يُصِيبَنا إِلا مَا كَتب الله لَنا ..
أطرقت رَأسها للأسفل مُتشدقة بخِفوت:
-ونِعم بالله ..
أطرقت رأسها للِحظات تذكُر الله قَبل أن ترفعها تَنظر إليه في شراسة قائلة بنبرة عدوَانية:
-لكنك لو كنت إنتبهت قليلاً ما كان حدث كل هذا و بسببك الآن سأتأخر للمَرة الأولي عن موعد يَخص عملي ..
ذَم "سَليم" شفتيه بضيق ليقول:
-تُشعريني بأنك ذاهبة لمُلاقاة رئيس الجُمهورية ..
إحمر وجهها بحُمرة قانية و توهَجت عينيها التي بلون العسل فَـ دكن لونها تُغمغم بغطرسة:
-بل الأهم بالنسبة لي ، لدي حالة طلاق طارئة لا يُمكنني التأخر عليها..
إتَسعت عينيه يحاول إستيعاب الكلمة التي قالتها تواً ، ليتبادل النظرات مع الأُسطي المِيكانيكي "عبدالرحمن" الذي حالته لا تختلف عنه كثيراً يكبت ضحكة تكاد تنفلت منه ليلتفت يُكمل عَمله بالسيارة يضّحك دون صوت كي لا تقذفه الأستاذة المُحامية بكلمة قاسية ..
أما "سليم" فـ تَغضن جبينه و قطب حاجبيه بدهشّة فَـ ما يعرفه أن الكلمة الأصح بالجُملة "حالة ولادة طارئة" و ليس النشاذ الذي سَمعه ليتَساءل بعدم فِهم:
-مَا ماذا قُولتي قبل قليل ؟!
إرتبكت "ليلي" بعدما إسِتعبت ما قالته لتتهرب بعينيها بعيداً تنظر إلي السقف و قالت:
-قُلت لدي قضية طارئة ألم تسمع ما قُلته أم أنك أعمي و أصم أيضاً ..
نفث الهواء من رئتيه يحاول تمالك أعصابه أمام الوقحة التي أوقعها القدر في طريقه مُغمغماً:
-لسانك يجب قَصه فلقد أصبح أطول منكِ شخصياً ..
لتَرُد عليه بفَظاظة:
-لا يُهمني رأيك إحتفظ به لنفسك ..
-وقحة ..!!
هَمس بهذه الكلمة بداخله فَـ لم يعد يتحمل كُتلة الاستفزاز هذه طويلاً و إلا عند أقرب سيارة تمر سيُلقيها أمامها ليُريح العَالم من شرها ..
إستدارت "ليلي" إلي الميكانيكي الذي يوليها ظهره و يعمل علي سيارة أخري غير سيارتها قائلة بلهجة آمرة مُستنفرة:
-أُريد سيارة أجرة حالاً ..
إلتفت لها الأُسطي "عبدالرحمن" و رد بهدوء غريب علي عصبيتها الغير مُبررة:
-علي أول الشارع تُمر سيارات الأجرة يُمكنك إيقاف واحدة ..
كتفت ذراعيها أسفل صدرها مُتشدقة:
-لن أذهب إلي أي مكان ، ستذهب و تُحضر لي واحدة إلي هُنا ..
رَمش "عبد الرحمن" بعينيه عدة مرات ليَستوعب ما قالته هذه الفتاة للتو ، لاحظ "سليم" نظرات الميكانيكي لها و أنه علي وشك رَدعها بكلمات قاسية فـ أسرع يقول:
-يُمكنني إيصالك إلي المكان الذي تودين الذهاب إليه ..
وَضعت يدها علي خصرها و رمقته بوجه مُكفهر و بدت تُفكر بعرضه ليُكمل بدَهاء:
-قد تتأخرين إذا انتظرت سيارة أُجرة ، بينما أنا سيارتي موجودة ..
تنهدت بقوة قائلة بإقتضاب:
-حسناً ..
ثم دنت بجزعها قليلاً تلتقط حقيبتها و خرجت من الوَرشة رافعة رأسها عالياً بكبرياء ، طالعها "سليم" بضحكة مكتومة يهمس بداخله:
-كم تشبه الأوزة بعُنقها الطويل ..
و قَبل أن يلحَقها إستدار إلي "عبدالرحمن" و قال مُعتذراً:
-أعتذر منك يا عبده علي ما قامت به ...
إبتسم الأسطي "عبده" و قال ببشاشة تَغمر روحه الناقية من الداخل قبل وجهه:
-لا تعتذر مني يا سليم فأنا أُقابل الكثير من هذه النوعية بعملي و إعتدت عليهن و أعرف كيف أتعامل معها ..
لَوح "سليم" بيده مُبتسماً إلي الصديق الوحيد الذي إكتسبه في الحياة صُدفة مُغمغماً:
-إلي اللقاء ..
وَدعه "عبدالرحمن" ملوحاً له بيده بينما إستدار الآخر و ذهب إلي السيارة فـ وجدها جلست علي المقعد بجوار السائق ليَستقل المِقعد الأمامي خلف المقود ثم أدار المُحرك و تحرك بالسيارة و بالمُحامية المُخضرمة "ليلي علـوان" ..
••••••••••••••••
"أثناء الطريق"
كان "سليم" يقود السيارة بالسرعة العادية و عيناه مُصوبة علي الطريق أمامه لَكن بين الحين و الآخر يختلس النظرات إلي "ليلي" فيجدها جالسة بجسد مُتحفز لأي حركة من جهته و يداها تقبضان علي الحقيبة و كأنها ستحميها منه ..
هتفت "ليلي" فجأة بحدة قطعت بها الصمت:
-أسرع قليلاً لو سمحت بدلاً من سرعة السُلحفاة هذه ..
لم يُبدي "سليم" أي رَدة فعل علي ما قالته تلك الشّمطاء سوي أنه زاد من سرعة السيارة ليتسابق بِها مَع سرعة البَرق ...
إنكمش جسد "ليلي" فوق المقعد فـ إن كانت سَليطة اللسان و تدعي القوة و الثَبات إلا أنها كأي فتاة تخشي المُرتفعات و القيادة بسُرعة خِشية مِن الحوادث ..
إزدادت وَتيرة أنفاسها و تمسكت بحقيبتها بِقوة قائلة:
-أخبرتك أن تزيد السُرعة قليلاً لا أن تجعلها بسُرعة البرق ..
رَمقها بطرف عينيه بسُخرية و قد رَاقه الخوف الذي لمع بعَينيها مُغمغماً:
-ألم أكن كالسُلحفاة منذ ثواني فجأة أصبحت بَرق ، كان طلبك منذ البداية لذلك لا تلوميني ..
تَنهدت بقوة و الخوف تَملك منها لتُغمض عينيها بقوة و قالت:
-ليتني لم أطلب منك هذا الطلب ، أخفض السُرعة لو سَمحت ، أليس لديك شقيقات بنات؟!..
إرتسمت ابتسامة صغيرة علي شفتي "سليم" وهو يَرد عليها:
-الحقيقة ليس لدي أي شقيقات ، لا أمتلك سوي أخ واحد يُدعي نادر و سأتبرأ منه خلال يومين فـ هو لم يَجلب لي حتي الآن البلاي ستيشن الذي طلبته منه في عيد ميلادي منذ سبعة أشهر ..
صَرخت "ليلي" بغضب و قد فاض بها الكَيل من أفعاله فـ ليس هذا الوقت الذي ستستمع فيه لقصة حياته:
-أهذا وقت تتحدث فيه عن عيد ميلادك ! يا أَحمق سأموت من الخوف أخفض سُرعة السيارة ..
وَجه نظرة غاضبة من عيناه الخضراء إلي عينيها العسلية ليرتجف جسدها بقوة و جاهدت كثيراً للنُطق بالكلمة التالية:
-رجاءً ...!!
خفف من سُرعة السيارة فـ زِيادة السرعة كانت مُزحة منه ليس إلا ؟! ... ، تنفست الصّعداء و مرت بضعة دقائق استجمعت فيها رُباطة جأشها لتنظر له بحنق قبل أن ترفع يديها قائلة بقصد:
-منك لله يا يا ...
و لم تَجد ما تقوله فـ هي للآن تجهل إسمه رغم لقاءاتهم السّابقة ، فلم تدع بحساباتها لقاءه من جديد لذلك لم تهتم ، حاولت تذكر اسمه فقد أخبرتها به موكلتها ذات مرة إلا أنها نسيته تماماً ...
ضحك "سليم" بقوة عليها و قال من بينها:
-حتي و أنتِ تدعين عليّ تفشلين في بقية الدُعاء ..
رمقته بإستعلاء و تحدثت بغطرسة المُحامية الموقرة:
-ليس مُهم فـ أنتَ المقصود يا هذا ..
هَتف "سليم" بمرحه المُعتاد:
-لن أتجادل معك ، فأنا إنسان مُتحضر لا يتشاجر وهو جائع ..
و علي ذِكر الجوع تذكر "سليم" ذلك الفطور الذي جلبه من المحل الشعبي ليهتف بـ "ليلي"قائلاً:
-لو سمحتِ يا ليلي ..
قاطعته" ليلي" بصرامة و سبابة إصبعها التي كادت تخترق عينيه:
-آنسة ليلي لا تنسي الألقاب ..
ذَم شفتيه بإعتراض إلا أنه قال بفتور:
-آنسة ليلي هلا تكرمتي و ناولتني الكيس الموضوع بالمقعد الخلفي ..
زفرت الهواء من رئتيها ببُغض و إعتدلت بجلستها لتدنو بجزعها قليلاً للمقعد الخلفي فداهمته رائحة عطرها النفاذة بقوة أزكمت خياشميه يدعو الله الصبر ..
ناولته "ليلي" مطلبه فأخذه منها و أخرج لها سندوتشاً ليمد يده به قائلاً:
-تفضلي ..
تطلعت بعسلياتها إلي ما بيده ثم أشاحت بوجهها بعيداً مُردفة بإقتضاب:
-شكراً لا أريد ..
إلا أن رائحة الطعام تسللت إلي معدتها الخاوية فأصدرت صوتاً قوياً فإحمر وجهها خجلاً ، أما "سليم" فقال بقوة:
-ليس وقت العناد قد يُغمي عليك فجأة و يقولون اختطفتك و أنا رجل لدي سُمعة كالجنية الذهب لا غُبار عليها بسببك سأتحول لمُختطف ...
أخذت منه السندوتش و فوجئت بنوعية الطعام فإنفرجت شفتيها بابتسامة ساخرة و همست:
-لم أظن أنك تتناول مثل بقية الشعب فسيارتك الفارهة تدل علي ثرائك ..
وصل إلي مسامعه همسها ليرد عليه بهدوء و رجاحة عقل:
-لم ألد و بفمي ملعقة من الذهب ، ربانا والدي علي الاعتماد علي أنفسنا بدليل أنني بالصف الأول الثانوي بدأت أعمل مرة بالمكتبة و مرة بمطعم صغير و عملت بورشة لتصليح السيارات مع العلم أن أبي رجل ذو وظيفة مرموقة بالبلد إلا أنه أراد أن يُعلمنا كيف يكون الشقاء في الحصول علي الأموال لنشعر بغيرنا و بأحوالهم المُتعسرة فننظر إلي النعمة التي بيدينا و نقول الحمدلله ...
أطرفت "ليلي" بعينيها و تسرب صدق كلماته داخلها بينما أضاف "سليم" بتنهيدة:
-و السيارة الفارهة التي تتحدثين عنها إشتريتها بالقسط من عملي الخاص ..
نكست رأسها و بدأت تُعيد ترتيب كلماته بداخلها فوقعت عينيها علي شئ جعلها تبتسم و لم تتمالك نفسها لتنفجر ضاحكة بقوة فإلتفت لها برأسه مُتسائلاً:
-ما الذي يُضحكك هكذا أضِحكينا معك ..
ردت "ليلي" بضحكات عالية:
-من يسمعك تتحدث قبل قليل بكل تلك الحكمة و العقلانية ثم يري جوربك البُرتقالي كالأطفال سيظنك مجنون ..
و إنخرطت بموجة ضحك فـ جوربه البرتقالي لا يتناسب مع شخصيته بتاتاً لينقشع الجمود عن "سليم" و غمرته روحه الطيبة و المرحة ليقول:
-أنتِ تتحرشين بجوربي البرتقالي يا فتاة سأرفع دعوة ضدك بقسم الشُرطة ...
ضحكت "ليلي" و قالت بمرح أيضاً:
-شاهد قبل الحذف:
فتاة شابة تتحرش بجورب برتقالي لشاب قضية رأي عام ...
بادلها الضحكات وهو يقول مُدعياً الغضب:
-سأنال حق جوربي منك و ستدفعين تعويضاً علي خدشك حياءه ..
إنفجرت ضاحكة و لأول منذ أن إلتقيا يجلسان بهذه الأُلفة بعد ملحمة من الشِجارات ..
تأمل "سليم" ضحكاتها بولة و نبضات قلبه تتزايد ، كانت رنات ضحكاتها لها تأثير قوي عليه
فـ تجذبه إليها ثم تُسحره و بعدها تأسره بها ..
شفتيها الوردية المذمومة طوال الوقت تبتسم لأول مرة له ، اليوم يجب أن يُسجل بالتاريخ ووجنتيها التي احمرت بحُمرة طفيفة كالتفاح فتشبه الأطفال بطرواتها فتجعلك رُغماً عنك تود طبع قُبلة عليها ...
كل هذه الأفكار تراشقت داخل عقل "سليم" مرة واحدة الذي إستفاق منها فجأة قبل أن ينحدر إلي دوامة ليس لها نهاية سوي الخطيئة ، نفث الهواء من صدره بقوة ليستغفر ربه عما بَدر منه فلم تكن نَفسه يوماً تسعي للخطيئة ..
•••••••••••••••••
دلفت "ليلي" إلي المقهي و جابت المكان بعسليتيها بحثاً عن موكلتها و زوجها السابق أو فيما سيكون الأيام القادمة ...
إِلتقت عَيناها بِموكلتها "سهيلة" التي أشارت لها بيدها فتقدمت منهما بعدما رَسمت ابتسامة واسعة علي شفتيها الوردية ...
جلست "ليلي" جوار موكلتها وفي المقابلة جلس "طارق" زوجها بوجه هادئ للغاية أثار تَعجبها ...
تبادل الزَوجين النّظرات الغاضبة من جهة "سهيلة" و الباردة من "طارق" و طال الصمت بين الطرفين و بداخل كُلاً منهما مشاعر مُتناقضة ...
قلب "سُهيلة" الذي ينبض بالألم لخيانة زوجها و عشق طفولتها و مراهقتها و شبابها ، فـ لم يعرف قلبها الحُب إلا لسِواه ..
أما "طارق" فـ كان هادئاً هدوءاً يُثير الريبة و التوتر بالأعصاب و يُشعل نيران الغضب الساكنة بداخل الزوجة ...!!
قطعت "ليلي" الصمت بعدما إرتدت عويناتها الطبية ليُعطيها لمحة من الهدوء و الوقار قائلة بنبرة حَزم:
-حسناً لنتحدث فيما جئنا لأجله اليوم ..
أومأ "طارق" برأسه بتفهم و قال:
-تفضلي ..!
تحدثت "ليلي" بنبرة عملية و سيطرت روح المُحامية المُخضرمة عليها لتقول:
-لقد جائتني مدام سهيلة لرفع دعوة طلاق ضدك بعدما إكتشفت خيانتك لها مع زميلتك بالعمل ، و بعدما لم يعد وداً بينكما فسأخبرك أنك مُتكفل بالمؤخر و أيضاً تعويضاً مادياً للشهور التي قضتها معك و أضاعتها من عمرها علي مَن لا يَستحق ...
ختمت كلماتها متعمدة التباطئ في الكلمة الأخيرة حرف السين خصيصاً ، مُتعمدة إهانة ذلك الخائن الذي لا يستحق وردة كـ "سهيلة" جميلة و رائعة للغاية ..
جاب "طارق" بنظراته الاثنتين بقوة ، فـ رمق زوجته بنظرات غاضبة و حادة أشعرتها بأن القادم أسوأ إلا أنها عادت ترفع رأسها بكبرياء خصيصاً بعد إكتشافها لخيانته لها مما يُضعف موقفه أمامها ..
و إلتفت بعينيه إلي المُحامية "ليلي علوان" ليُلقيها بنظرات حاقدة قابلتها بـ اللامبالاة و البرود ليلتقط نفس عميق ثم زفره علي مهلٍ و كاد أن يتحدث فقاطعه صوت رجولي أجش من الخلف فجأة:
-لا تستمعا إلي ما تقوله ، نصيحة مني إليك يا رجل خُذ زوجتك و إنفدا بجلديكما من أمامها و إلا ستجدان نفسيكما مُنفصلان بلحظة ..
إشتعلت نظرات "ليلي" بمزيج من الغضب و الصدمة معاً لتهب واقفة تزمجر بعصبية بحتة:
-ما دخلك أنتَ أوكلك أحدهم مُحامياً إذاً لماذا جئت ورائي ..
أجاب "سليم" بكل برود:
-باللحظة التي زل بها لسانك و قولتي حالة طلاق علمت أنك مُقدمة علي تخريب بيت أحدهما..
تطلع إليها بُرهة و أضاف هاكماً:
-حتي حينما حاولت تصحيح كلامك تفوهتي بحماقة أخري لا أدري كيف تعملين مُحامية ..
صرخت "ليلي" به و قد فاض بها الكيل:
-وما دخلك أنتَ ؟! أقول ما أريد و أفعل ما أريد و ليس من حق أحدهم التدخل بحياتي ...
أشهر سبابته بوجهها و تعالت أصواتهم ليجذبوا إنتباه مَن بالمكان ليشاهدوا هذا العرض المَجاني ، ليتشدق بحدة:
-بدلاً من أن تُقنعيهم بالعذوف عن قرار الانفصال تَسعين ركضاً وراءه ، أتحبين خراب البيوت ليُحرم الأطفال من التنشئة داخل أسرة سوية مع أب و أم معاً ...
كم آلمها ما قاله فقد ذَكرها بما لا تريد تذكره أو تدعي نسيانه ، لتهدأ نبرتها المُغلفة بالحزن و عيناها التي لمع بهما الألم قائلة:
-أنا أعمل مُحامية و لا أوافق علي القضايا إلا بعدما وصلت علاقة الزوجين إلي آخر مراحل الفشل ، لذلك ليس من حقك أن تحكم علي هكذا ..
ختمت جُملتها الأخيرة بصراخ جذب الأنظار أكثر إليهم ..
بينما إنتزه "طارق" الشجار الذي نشب بين المُحامية و الغريب ليقترب بمقعده إلي جوار مقعد زوجته و قال في محاولة ليُلين قلبها:
-صدقيني يا غاليتي لم أخونك أبداً ، كيف أنظر للنجوم و أنا معي القمر ..
هَزت "سهيلة" رأسها نافية التصديق لما قاله مُغمغمة:
-كاذب ، لا أصدق حرفاً مما قُلته ، لقد رأيتكما معاً و أنا لا أكذب ما رأيته ..
هتف بهدوء و نبرة متوسلة:
-إنها زميلتي بالعمل و متزوجة أيضاً ..
إرتفع حاجبي "سهيلة" بدهشة:
-حقاً ..
أومأ لها و ما كاد أن يتحدث مرة أخري حتي صرخت "ليلي" بها تَنهرها:
-لا تصدقيه لقد رأيتي خيانته بنفسك ، إثبتي علي موقفـ مممم ...
بُترت آخر حروف كلماتها حين أسرع "سليم" يُكمم فاهها بيده و قبض علي ذراعيها مُثبتاً جسدها و غمز بعيناه إلي "طارق" الذي أسرع يستميل قلب زوجته:
-إنها متزوجة و لديها ثلاث أطفال عبد السميع و منعم و فوزية ..
هَمس "سليم" مُغمضاً عيناه بأسي مما قاله الزوج:
-غبي ..
بينما ضيقت "سهيلة" عينيها بعدم تصديق تصرخ به غاضبة:
-هل هناك من يسمي أبناءه بتلك الأسماء الآن ، خائن و كاذب أيضاً ، أرريدد الطلااااق حالاً ..
حاولت "ليلي" إزاحة يده عن فمها و تلوت بجسدها في محاولة لتحرير مصعميها من قبضته إلا أنها أبت بالفشل ، استغلت شروده للثواني عديدة بعد حديث الأحمق الآخر لتضغط بأسنانها البيضاء علي يده الذي أبعدها بصراخ و ألم ..
لتستغل الفرصة موجهة الحديث إلي "سهيلة" بحزم:
-لا تُصدقيه يا سهيلة فـ الخيانة بطبع الرجال و لن يتوقف عن خياتنك أبداً ممممم ...
صمتت بالإجبار للمرة الثانية حينما كمم فمها بيده ، فـ تَطلع "طارق" لـ زَوجته مُتنهداً و مُبرراً:
-كُنت أمزح معك أطفالها مازن و مالك و همس ...
ثم أمسك يدها و طَبع قُبلات حانية علي أناملها و رفع عيناه المُتوهجة بالعشق قائلاً بحُب:
-أقسم لك يا حبيبتي أنني لم أعرف معناً للحُب سواك و لم أُحب سواك أنتِ الحب و العشق الذي سَكن قلبي منذ أن رأيتك يا حبيبتي ...
-توقف ..!!
غَمغم بها "سليم" بنبرة باكية و دموع ترقرقت بمقلتيه بعدما شاهد بحدقتيه الخُضراويتين ملحمة العشق هذه ، و رأي الابتسامة التي زَينت شفتي "سهيلة" بعدما تأكدت من ظُلمها لزوجها الحبيب ...
دَفع "ليلي" بعيداً عنه و تقدم من الطاولة يخرج كارتاً من جيب بنطاله ووضعه علي الطاولة أمامهما قائلاً ببهجة و مرح:
-هذا الكارت الخاص بي إذا كان هناك زفاف طلاق لن تجدواً أبداً أفضل من المأذون سليم أكرم الوالي ليعقد القران ...
حلت الدهشة علي ثلاثة أوجه ، الزوجين الذين شاهدا مأذوناً شاباً بكل هذه الوسامة ليشكره "طارق" و إلتقط الكارت بسرعة لينهض بسرعة جاذباً يد زوجته يفر هارباً قبل أن تتحدث المحامية جلابة المصائب و فر هارباً ...
بينما "ليلي" فـ فَغِرت فاهها بدهشة تطالع الصُلح الذي حدث بغمضة عين و ذهاب موكلتها برفقة زوجها بعدما كانت تبغض النظر له ، إحمر وجهها بغضب و تعالي هدير أنفاسها و حركة صدرها صعوداً و هبوطاً فجأرت بغضب:
-أتقوم بالدعاية لعملك علي حساب خسارتي لقضيتي ...
تقدمت منه لتقف أمامه وجهاً لوجه و قالت بحقد:
-لا أريد رؤية وجهك القبيح بعد الآن فهمت ...
إبتسم "سليم" ببرود و تحدث مُبرراً:
-ليلي ...!!
قاطعته بلهجة حزم:
-إسمي الآنسة ليلي لا تحذف الألقاب ..
أمسكت بحقيبة يدها و سارت بعصبية بعدما خسرت قضيتها بسببه الآن ليتبعها "سليم" منادياً عليها و لا تجيب ، فيبدو أن رؤيتها لهذا الكائن لا تجلب لها سوي المصائب و الخسارة ..
قبض علي رُسغها ليوقفها قبل أن تخرج من المقهي و كاد أن يتحدث حتي قاطعته صارخة بقوة بملء فاهها:
-ابتعد عنني ...!!!
و نزعت يدها بقوة من يده و خرجت من المقهي تحت نظراته المُندهشة و نظرات جميع الرواد و العاملين بالمقهي ثم هَمس بتساؤل:
-لماذا هي غاضبة ؟! لم أفعل شئ كي تغضب !! فتاة غريبة الأطوار ...
•••••••••••••••••••
أسَدل الليل رِداءه الكَحيل علي السماء و لمعت النّجوم كحُبيبات المَاس و توهج القمر المُستدير بنوره ليبدو كقطعة المَاس الغالية بينهن ...
جَلس "سليم" عَلي الأريِكة جِوار والدته يبْتسم بإرتعاشة شفتيه و إصّطكاك أسنانه بِبعضهما فبدي كمن مُجبراً علي الابتسامة خوفاً مِن عقاب والدته ...
بينما علي الأريكة المُقابلة جلست سيدة بمنتصف الأربعينات و جِوارها ابنتها التي تَبدو في مُنتصف العِشرينات تَبتسم بهدوء و قِطة وديعة ...
ليعود بذاكرته إلي ما حَدث قَبل سُويعات قَليلة
من الآن ، فَـ بعدمّا تركته "ليلي" بـالمّقهي ذَهب إلي مَكتبه الخاص ليعمل طِوال اليوم ، مُتناسياً كل شئ حتي حَل المَّساء و قرر العودة للمَنزل ...
و بَينما هُو يَقود السيارة تفاجئ بوالدته تُهاتفه ليجد صوتاً غَير والدته يُخبره أنها صديِقة والدته "سمية" التي مَرضت أثناء زِيارتها لها لينهش القلق قَلبه علي وَالدته فأسرع يَطلُب مِنها العنوان و أبدل وجهته مِن المَنزل إلي بيت صَديقة والدته ...
ليَكتشف أنها خُدعة من والدته و والدة العَروس للإِيقاع به و الإتيان به لـ رُؤية العروسة الشّابة التي لن يَجد مِثلها و يَكفي أنها رَضيت بـ "سليم الوالي" عريساً ..
غَمزت "سمية" بعينيها إلي والدة العروس قائلة بخُبث مُلتوي:
-تعالي يا أُم سُها لنُعد القهوة بالمطبخ سوياً ..
إمِتقع وجهه بنفور و همس بداخله:
-إسمها سها ، ما به إسم ليلي الذي بغضته كان أفضل بكَثير ، سها مُقزز و غير مريح للأعصاب ...
أومأت والدة العروس برأسها بإبتسامة سَمجة و نهضت من جلستها و سارت خلف والدته ليَبقي مع المدعوة بـ "سها" وحدهما ..
و أخيراً رفعت "سها" وجهها بعدما كانت تُخفضه بخجل مثل بقية الفتيات لتنظر له بجُرأة مُتسائلة:
-هل إبتعدوا عن الغرفة ..
أومأ "سَليم" برأسه وقال:
-نعم ، دخلتا للمطبخ ..
ختم حديثه بهُدوء لينْقشع عن "سُها" رداء الخجل و حَل مَكانه الجُرأة ليجدها تقف و تقترب منه لتَجلس علي المقعد المجاور للأريكة تَنظُر له من رأسها إلي أخمض قَدميه قائلة بتَجُح:
-إذاً أنتَ عريس الغَفلة التي أنشدت أمي عنه الكثير من القصائد ، من الهدوء و الأخلاق العالية و الرجولة و الشّهامة ..
نَظر إليها بإسِتغراب فإستطَردت بقوة:
-لقد ظننتك بجسد سمين و رأس صلعاء و بـ كِرش لم أتخيل أنك بكُل هذه الوسامة ...
إتسعت مِقلتيه بصدمة يستمع إلي غزلها به بجُرأة ، صوبت عيناها علي قدمه التي إنكمشت ببعضها مُستكملة بجُرأة:
-واللطَافة بجروبك البُرتقالي هذا ...
توسعت حَدقتاه حتي كادت تنخلع من مِحجريهما إنها تتحرش به علناً و بجوربه البُرتقالي أيضاً ..
هَبت واقفة لتجلس جواره علي الأريكة لينكمش جسده إلي أبعد أحد عند الأريكة فإبتسمت بإتساع قائلة بصُراخ:
-يا اللهي تبدو خجولاً أيضاً ، سيكون أطفالنا رائعين في المُستقبل والدهم اللطيف و جواربه ذات الرسوم المُتحركة ..
مَدت يدها لتضعها علي يده قائلة:
-سنصنع عائلة جميلة و مُحترمة أيضاً لذا أنا مواقفة لنتزوج حالاً ..
بينما "سليم" لم يَعد يتَحمل وقاحتها ليَدفش يدها بعيداً صارخاً بقوة مُستنجداً بوالدته قبل أن يتم إغتصـ.ـابه منها:
-يا سُــــــــــــــمية ..!!!
بعد دقائق مَعدودة ..
تَبادل "سليم" النظرات مع وَالدته في وسط الشارع مرت ثواني أُخري و إنفجر كليهُما بالضحك بقوة علي ما حَدث قبل قليل ...
تَحدثت وَالدته مِن بين ضَحكاتها و ذاكرتها تعرض صورة ابنها المُنكمش و العروس المُتحرشة:
-لا أصدق ما حدث قبل قليل ، منظرك كان يُهلك من الضحك و أنتَ جالس مُنكمش بجسدك و سها جوارك ترمُقك بنظرات الذئب المُغتصب ..
ضَحك "سليم" بملء فاهه و سألها:
-مِن أين جَلبت هذه المُصيبة يا أمي ، الفتاة كانت تتحرش بي بكل وَقاحة في أول لقاء ، أكاد أجزم أننا سنحمل أطفالاً باللقاء الثاني ...
هَدأت ضَحكات السيدة "سمية" إلي ابتسامة رَقيقة و قالت:
-و هذا ما أتمناه يا سليم رؤية أطفالك و أحملهم قبل أن أموت ...
تجَهم وجهه عند ذكر سيرة الموت و قال بحدة:
-بعيد الشر يا أُمي ...
ثم تأبط ذراعيهما و مشي بها تجاه السيارة قائلاً بخفوت:
-و سليم الوالي حينما يختار شريكة حياته و أم أطفاله ستكون تُشبه والدته بعينيها الدافئة و ابتسامتها الحنونة و قلب كبير ملكاً له و أحبابه ..
نَظر إلي عَيناي وَالدته و أكمْل بِدفء:
-زوجتي ستكون أُمي الثانية ..
ضحكت السّيدة "سمية" بحُب فإبنها يُريد زوجة تُشبهها في كل شئ ، يبحث عن نسخة أمه الحبيبة في طباعها و حنانها لتكون شريكة حياته ..
فَتح بَاب السّيارة لتجلس أمه بالمِقعد الأمامي و جَلس خلف المقود و قبل أن يُدير المُحرك إلتفت إلي والدته قائلاً ببهجة:
-إذاً حان وقت العودة للمنزل ...
قاطعته "سمية" بنبرة غامضة:
-لا !! لم ننتهي بعد ، لدينا مشواراً آخر علينا الذهاب إليه ..
و عَاد القَلق إلي قَلب "سليم" خوفاً من المَصِيّدَة الجديدة ..
•••••••••••••••••
وَقفت "ليلي" بشُرفة منزلها تُمسك في يدها قدح من القَهوة التي يتصاعد بُخارها يتنافي مع برودة الجو الخَريفية ...
تَعكص خُصلات شَعرها بكحكة فوضاوية و ترتدي بِيجامة منزلية بأكمام حَتي رُسغيها رُسم عليها رسومات أفلام ديزني المُتحركة ...
شَردت بعسّلياتها علي نُقطة بالفَراغ و عادت تسّبح في أمَواج الماضي ، والدها القّاسي و مُعاملته الجافة لبناته الخَمسة ، إِهانته لوالدتها طُوال الوَقت و تطاوله باليد علي والدتها الصَامتة الخَائفة علي مُستقبل بناتها ، هجره لهم إلي دولة الخَليج طلاقه لوالدتها غيابياً كلها أفعال أنشأت داخلها عُقدة رفض للزواج ..
و علي سِيرة الزواج إقتَحمت صُورة "سليم" أفْكارها حينما أفسد قَضيتها اليوم ، و رغم أن ما حدث يُغضبها من الداخل إلا أنها شعرت برَغبة قَوية بالضَحك فَكان المَوقف أيضاً فُكاهياً ..
إكتفت بإبتسامة رقيقة لترتشف من قدح القهوة بهدوء لتبدد إبتسامتها التي إرتسمت إلي عدة ثواني حينما إستمعِت إلي ذلك الصوت مِن الشُرفة المجاورة الخاصة بالجِيران:
-صدق من قال أن الدُنيا أوضة و صالة ، كيف حالك يا حَضرة الأفوكاتو ..
شَرقت "ليلي" بقوة و إحمر وجهها من ضيق التنفس و سَعُلت لتتمكن من التَنفس لتنظر إليه بصدمة و قَد بَرقت عدستَيها هامسة:
-سَليـــــم ...!!
*رواية الأنسة حنفي حصريا علي قناة موعد مع رواية فقط ممنوع سرقة الروايات بدون اللينك حسبي الله ونعم الوكيل في اللي هيسرق الرواية من غير اللينك و اسم القناة*
لتفعيل الوضع الليلي، تكبير الخط، نوع الخط
شاهد الآن
-يا قَلب سليم ..!!
قالها بإبتسامة وَاسعة مِن الأُذن للأُذن و كانت هذه الصُدفة الأروع حَينما إلتَقاها بعد حادثة الصّباح ..
رَمقَته "ليلي" بنظرة نَارية ليَتراجع للخلف خُطوتان رَافعاً يديه كـ عَلامة إستسّلام قائلاً:
-لا دَاعي لنظرات القَتلة هذه كُنت أمزح معك ...
بينما بداخله كَذب مَا قاله ، فـ الحَقيقة رغم عَفوية الجُملة إلا أنها أنَبتت مشاعر جديدة بقَلب كِليهُما ..
جَعدت حاجبيها بدَهشة مُتسائلة:
-مَاذا تَفعل بمَنزل جِيراننا ، أتتبَعني لتَعرف عنواني ..
قَلب عينيه بِمَلل و أردف بسَخط:
-مَن أنتِ لأتبعك يا فتاة ، أنا هُنا لزيارة جدتي ..
تَوسعت عينيها بصدمة و قالت:
-هل السَيدة مُنيرة جدتك ، لم أرك عندها مِن قبل ..
رد "سليم" بهُدوء بالغ ينَفُث الهواء من رئتيه ليخرج كـ دُخان السجائر و هذه اللُعبة المُفضلة للأطفال بالشتاء:
-ليست جدتي بالمعني الصحيح ، إنها من أقارب أُمي ، و علي حسب كلام سُمية فإنها جدة ابن عم خالة أمي ...
وَقفت "ليلي" كـ البَلهاء تُحاول حَل شفرة ما قاله ليَضحك "سليم" بقوة علي الغباء المُرتسم عليها ، لتستشف بحِنكتها أنه يَسخر منها فقالت بلامُبالاة:
-حسناً لن يُفيدني معرفة قرابتك بمُنيرة ..
تحدث "سليم" بنظرات ذات مغذي خاص ،
خاص جداً:
-لقد أحبتتُ مُنيرة هذه و كأنها أمي سأتبرأ من عائلتي و آتي لأعيش معها ..
تَنحنحت "ليلي" بحَرج و إصطَبغ وَجهها بحُمرة قانية ثم إستندت بمرفقيها علي سور الشُرفة و بيدها كوب القهوة لتتأمل الفراغ بينما الحقيقة تُحاول الهرب مِن عيناه ..
إستَند "سليم" علي السور مِثلها و قال بمُشاكسة:
-لم أتَصور أن تتطور علاقتنا هكذا لأراكِ بالبيجامة ، و شخصيات ديزني يا ليلي ...
خَجلت "ليلي" مما قَاله فـ لأول مَرة تَشعر بالخجل من رَجُل لتصطنّع الحدة قائلة بعَصبية:
-أخبرتك كثيراً أن إسمي الآنسة ليلي ، و كلامك هذا لن ينفع معي يا سليم ، فـ ما بيننا هو سيارتي التي عند الميكانيكي و بما أنك المُتسبب فيما حدث لسيارتي ستُصبح من اليوم سَائقي الخاص ..
إعتَرض "سليم" قائلاً بإستنكار:
-ماذا ..!!
لترمُقه بتحذير قائلة:
-سليـــــم ..!
إرتعد "سليم" من نبرتها الحادة و قال بمرح:
-إسمي الأستاذ سليم و أنا تحت أمرك سيدتي ...
كبحَت "ليلي" بصُعوبة بَالغة ضحكة كادت تَنفلت من شَفتيها لتوأدها برَشفة مِن فنجان القهوة بهدوء..
حَل الصمت بينهما إلا مِن صوت أنفاسهما و نسمات الهواء ، ليَقطع هذا الصمت سؤال "سليم" بصوته الأَجش:
-بأول مرة تقابلنا فيها لماذا سعدتي بطلاق موكلتك و لم تسعي لحل المُشكلة ، كان بينهما أطفال ما ذَنبهم ..
_وماذا كان ذنبي أنـا...؟!
كَادت أن تَصرخ بِها إلا أنها أخرجَتها علي هيئة تَنهيدة قوية وهي تُجيب بصوت هادئ يُغلفه الألَم:
-كان زَوجها و حُب عمرها لكنه ضعيف الشَخصية أمام وَالدته ، أنجب منها ثلاث فتيات كالقمر لكن أمه لم تقتنع بأنهن رزق من الله فجعلته يتزوج عليها و يِقهُر قَلب المِسكينة زوجته التي ليس لها ذَنب فـ هو من يزرع النبتة وهي مَن تَرعاها إلي أن تَخرج إلي الحياة ..
صَمتت تلتقط عدة أنفاس زَفرتها علي مَهلٍ لتَستكمل:
-لم تتقبل الزوجة خيانة القلب و لم يَشفع الحُب بينهما كي يرفض قرار والدته ليجرحها فلم تتحمل و أتتني لرفع دعوة الطلاق كي تحافظ علي حقوقها و حقوق بناتها ...
سَكتت "ليلي" و شعرت أنها ستَنفجر إذا وَقفت أكثر بل ستختنق ، فـ تلك القصة مُشابهة لواقع عايشته مُنذ إثنا عَشر عاماً ..
أغلقت باب الشُرفة و إلتفتت لتجِد شقيقتها الصُغري "ميادة" تقف أمامها بإبتسامة مُنتصرة و يداها علي خَصرها تَرمُق "ليلي" بشماتة ثم قالت:
-و رَبحت ميادة الّرهان ..
بَينما "سليم" مع كُل حرف تنطقه يَشعر بأنها تَحكي عن أشخاص آخرين يحملون نفس الرواية و المُعاناة ليتَنهد بقوة فـ الأيام قادمة و سيكتشف هذه الفَتاة الغامضة و يُحرر روحها مِن العَذاب ، هذا وعد من "سليم الوالي" ...
دَلف إلي الداخل فوجد وَالدته تجلس مع عَمتها الجدة "مُنيرة" التي نظرت إليه بنظرات خَبيثة فِي حين تَساءلت والدته "سمية" بإستغراب لبقاءه بالشرفة لوقت طويل:
-ماذا كُنت تفعل بالشرفة كل هذا الوقت ..
أَجابتها "منيرة" بنظرات مُتخابثة:
-يبدو أن الشرفة كان هواءها مُنعش هي و الشرفة المُجاورة ..
بدي الاستِغراب علي قسمات وجه "سمية" التي تساءلت:
-ماذا تقصدين يا عمتي ...
رَبتت الجدة "منيرة" علي فخذها وهي تقول بنبرة ماكرة:
-لا تَضعي بعقلك يا ابنة أخي ، إنها الشيخوخة ..
هَمهمت بتفهم بينما تَبادل مع الجدة النظرات اللئِيمة ليقول بلؤم:
-يبدو أنني و الجدة منيرة سنتقابل كثيراً الأيام القادمة ..
تَجهم وجه الجدة فَـ نهرته بغلظة:
-جدة بعينك يا وَلد ، إسمي منيرة ..
••••••••••••••••••
أصَوات مُتداخلة و صَرخات مُلأت بالأَلم و القَهر بتِلك الشّقة ..
وَقفت تلك الصَغيرة وَراء باب غُرفتها تُمسك بيدها دُميتها المُفضلة ، كَانت تنظر مِن بين شِقي الباب بأَعين خائفة و دموع تَرقرقت داخل مَقلتيها ، تُشاهد أباها ينّهال بـ حزامه الجِلدي بالضرب علي والدتها الحَبيبة ، شاهدت وَحشيته معها بعينيها البريئة ووالدتها تُجاهد كِتمان صرخاتها من إعتداءه الوحشي عليها..
فإرتَجف جسدها بخوف و هَطلت دموعها حينما لَطم أبيها بقَبضة يده الفُولاذية وجه والدتها لتَتدفق الدماء من شَفتيها ..
صَرخت قوية إنفلتت من فَم "الصغيرة" بإسم والدتها لتَفتح الباب راكضة تجاه والدتها التي صُدمت من رؤية ابنتها لازالت مُستيقظة حتي الآن ...
إحِتضنت الصَغيرة والدتها بتَشبُث و نظرت بعينيها الشَّبيهة بعيناي والدها القاسي تَصرخ به:
-إبتعد عن أُمي ، أنا أكرهك ..
إرتَجف جسّد وَالدتها حِينمَا رَأت بَريق الغَضب و الغدر يَتوهج في عينيه لتُمسك بصغيرتها قائلة بخوف:
-إدخلي غُرفتك يا صغيرتي فأنا و أبيك نتَحدث الآن ...
حَركت "الصغيرة" رأسها برَفض قاطع و تَشبثت بجسد والدتها بقُوة و كَأنها تَحميها مِن بطش أبيها الغاضب ..
فِي زَمجر "أبيها" بقَسوة مُتسائلاً و عيناه لا تُنذر بخَير:
-أَعيدي ما قُولتيه تَواً يا فتاة ؟!
نَظرت إليه بعينيها التي بَرقت بالحِقد تجاه ذلك القاسي البَخيل بالحنان حتي بناته حُرموا مِنه مُجيبة إياها بشجاعة:
-أقولك أنني أكَرهك كثيراً و سأنتقم لأُمي مِنك ..
تَسللت إبتسامة خَبيثة علي شَفتيه لتَظهر أسنَانه الصفراء قَائلاً بهَسيس ذِئب سَينقض علي فَريستهُ:
-يبدو أنني دللتُك كثيراً يا إبنة فاطمة و حان الوقت لأُعيد تربيتك من جديد ...
خَتم حديثه ثُم جذب إبنته من أحضَان والدتها عُنوة ليجذبها خلفه بقوة مُتجِهاً بها إلي المَطبخ مُنتوياً علي شئٍ ما وَسط تَملُص جَسد الصَغيرة و صرخات والدتها الباكية التي حاولت النُهوض مُتحاملة علي ألمها إلا أنها سقطت علي الأرض فأُجهشت باكية تستعطفه بُبكاء و قَلب مكلوم:
-أُترك إبنتي يا هاشم ، لا زالت صغيرة و لا تعلم ماذا تقول ، لا تُإذي ليلي يا هاشـــم ...
وما كادت تَنطُق بالمَزيد حتي شقت صَرخات إبنتها الأرجاء ليَنفطر قلب "فاطمة" إلي نِصفين و أَيقنت في لَحظتها أن إبنتها دُمِغت للأبد بآثار العُنف الأُسري ...
••••••••••••••••••
إستَيقظت بِفزع و بِشهقة قَوية إنفلتت مِنها بَعدما كادت تخَتنق و تنِحسر أنفاسها بِذلك الحلم ...
لالالا ، لَيس حُلماً بل الكَابوس الذي لَم يَترُكها لليلة مُنذ أنّ كانت طفلة بالثّامنة مِن عمرها ، و الآن أصبحت شابة بالسَابعة و العشرون ، فَتاة نَاضجة لكنها بداخلها طِفلة تَشعر بالخوف مِن كابوس كان جُزءاً من الواقع ..
رَفعت راحة يَدها أمام وَجهها لتتأمَل آثار الحُروق بها ، تَحسست نَدباتها بألم و دموع لَمعت بعينيها ، أزاحت أكمام بِيجامتها المنزلية لينْكشف ذراعها الأيمَن المُشوه بحروق كثيرة ، طَفرت الدموع مِن عينيها بقسوة علي حالها ..
لم تَكن مُجرد حُروق عادية ، بل نَدبات شَوهتها داخلياً ، ندبات تُذكرها بقسوة الأيام التي عَاشتها ، تُذكرها بالطفلة التي شوهها أباها القاسي ، تُذكرها بـ "ليلي" الصغيرة التي صَرخت بوجه أباها دِفاعاً عَنْ والدتها فـ كَان عِقابها أن تُشوه و مَا أقساه عِقاب ...
خَرجت تَنهيدة قوية من شفتيها ، حَاولت النِسيان و لا زالت تُحاول ، لَكن القدر يُلاحِقها بكابوسٍ من وَاقع الماضي الأَليم ...
ضَمت ساقيها إلي صَدرها و دفنت وجهها بها تَبكي علي حالها ، علي ضياعها و علي آلامها الغائرة ...
وَكانت والدتها "فاطمة" بالخارج تَسمع إلي بُكاءها مِن ذلك الكابوس المُرعب ، أغمضت عينيها البَاكية علي ما أَوصلت به إبنتها مِن حالة يُرثي عليها ، جراء إختيارها الخاطئ لتتيقن أن ..
لازالت "ليلي الطفلة" عالقة بالماضي ، عالقة ببقايا تلك الليلة المَشؤومة ..
•••••••••••••••••••
تَخفي الليل بِرادئه الكَّحيل و أَشرقت شَمس يومٍ جديد يَحمل مَعه الدِفء و الكثير مِن البهجة ...
جلس "سليم الوالي" برِفقة أبيه بِـ الشرفة يتَناولان الفَطور بضحكات الأب علي مَا سَرده عَن حِيلة والدته لمُقابلة الفَتاة الوَقحة و المُتحرشة ، ولم يكتَفي بهذا بل سَرد له عن مُقابلته لـ "ليلي" صُدفة مرة أخري ...
فَـ مُنذ أن قَابلها للمرة الأولي و هُو يحكي لوالده عَنها و عن مُشاجراتهم التي لا تنتهي و لا عَدد لها ..
إِبتَسم السيد "أكرم" بإتساع و قال بمُراوغة:
-بَدأتُ أشفق عليك إنّها عدالة السماء لإبنٍ عاق مِثلك يرفض تَلبية أُمنية والدته للزواج لتأتي ليلي و تنتقم منه ...
إكفهرت مَلامح وجه "سليم" للإنزعاج و تشدق بحِنق:
-رِفقاً بي يا أبي ، لا تذكر إسم ليلي في الحديث فـ أمي تَشتَم رائحة التاء المربوطة مِن علي بُعد آلاف الكيلو مِترات ..
زَجره والده بحدة:
-تأدب يا وَلد في الحديث عَن والدتك ، سُمية تَشعر بها قَبل أن تنطقها ..
ضَحك "سليم" علي ما قاله وَالده بذات الوقت أتَت السيدة "سمية" تحمل صَينية مُرتص عليها أكواب الشاي لتُغمغم بحاجبين مَعقودين وهي تُسندها علي الطاولة ثم جلست:
-سمعتُ إسمي في الحديث فيما تتحدثان عني ..
تبادل الاثنان النّظرات ليُبادر "أكرم" بالإجابة بنبرة ذات مغذي خَبيثة:
-يُخبرني عن مقابلته لـ مُنيرة و كم هي إمرأة رائعة و شُرفة مَنزلها وشرفة الجيران أشد رَوعة ..
رَغم الغَيظ الذي تَملك منه مِما قاله أبيه إلا أنه قال بِخبث أشد:
-حقاً يا أمي أحببت الجدة منيرة كثيراً ، إذا أردتِ أن أذهب لها بعد ذلك فأنا موافق بكُل رضا ..
-يومان و سنجدك تحزم أمتعتك للذهاب و العيش مع منيرة فمنزلها رَائع و منزل الجِيران أيضاً ..
تشدق "أكرم" بإبتسامة خبيثة ، ينظر إلي ابنه بتشفي بينما عقدت "سمية" حاجبيها بإِستغراب و شَعرت بالتشويش مما يُقولاه:
-مَهلاً مهلاً لماذا تذكر شرفة الجيران بحديثك ، أشُم رائحة الخبث و الغدر بحديثكما ..
رَمق "سليم" والده بغيظ و أجاب:
-لا شئ يا سمية أبي يحب التجويد قليلاً في الحديث و إضافة القليل من البهارات لإشعال الأجواء ...
أومأت والدته مُؤيدة الحديث ، و نظر إلي ساعة يده فوجدها الثامنة و نصف ليُردف مُستعجلاً:
-لقد تأخرت كثيراً يَجب الذهاب ..
هَتفت والدته مُبتسمة بحنان:
-إنتبه لنفسك جيداً و لا تقود بسرعة ..
أومأ لها برأسه ليقول "أكرم" مُضيفاً بمُكر يزيد من غيظ ابنه:
-إنتبه و أنتَ تقود فـ إنها المرة الأولي لك كسائق خاص ..
مَا كادت "سُمية" أن تَستفسر عَما قاله زَوجها تَواً حتي بَتر رَنين جَرس الباب الحُروف علي شَفتيها لـ تَننهض مِن فَوق المِقعد مُتشدقة بتَحذير:
-لم ننّتهي بعد و سَأعرف مَا تُخبئونه عني ...
إختَفت من أسفل نَظريهما لتَعود بعد لَحظات بِـ رفقة "داليا" زَوجة أخيها التَّي تَحمل طِفلها الذي لم يتجاوز العام و النصف بعد "أكرم" الصغير علي ذراعيها ..
هَتفت "داليا" بِهم و هِي علي عَجلة مِن أمرها:
-إعذروني يا جماعة يتوجب علي الذهاب الآن للمشفي لدي حالة ولادة طارئة و لذلك سأترك معكم أكرم الصغير ...
أعَادت تلك الجُملة لذكري ليست ببَعيدة جَمعته بـ "ليلي" حينما ذل لِسانها قَائلة "لدي حالة طلاق طارئة" لتَرتسم البَسمة علي شفتيه تِلقائياً مُتناسياً ما يَدور حوله مِن مُناوشات طَاحنة ..
أفَاق علي صوت والدته "سمية" تُوجه حديثها إلي زَوجة أخيه:
-سامحيني يا ابنتي فَـ أنا لدي موعد مَع الطبيب بعد ساعة و يتوجب عليا الذَهاب ، و أكرم لديه مَحكمة اليوم لذلك اترُكيه مع سليم سيَهتم به جيداً ..
إلتقطَت أُذنيه جُملتها الأخيرة ، لتتَجهم قَسّمات وجهه الوسيم و إلتوي شِدقه قائلاً بإعتراض:
-ماذا قُلتي يا سمية ؟! أنـا لنّ آخُذ أية أطفال أنا بالكاد أتحمل مسئولية نفسي و التي نصفها أحياه بالبَركة لتأتيني بطِفل صغير أعتني به مُستحيـل ..
لَم يُسعفه الاعتِراض عَن شئ فَـ لقد أُعجبت"داليا"بالإقتراح ، فَـ لن تجد أفَضل مِن "سليم" لـ يَعتني بإبنها لتَضع الصغير علي قَدمه فإلتَقطه بخَضة ثم وَضعت حقِيبة صَغيرة بها مُستلزمَات قد يَحتاجها الصغير و هَرولت للخارج تَقول:
-شكراً يا سليم شُكراً يا أخي ..
ضَم الصغير بيديَه جيداً ينظُر إلي والدته التي إدَعت بالإنِشغال في جمع الأطباق ، ليلتفت لوالده فإصطنَع الإنشغال بالجريدة ، فَـ تنهد ينظر للصغير فوجَده يضم إصبعه بفمه و ينظر إليه بلَطافة و بَراءة ، لـ يَزفر الهواء مِن رئتيه و جُملة واحدة يتَردد صداها بأُذنه:
أعــوَانُك خَانوك يَا رِيتَشاردْ
••••••••••••••••••
"بِـ مَنْزل لَيلَي"
كَانت تَجلس علي طَاوِلة الإفطار بِـ صُحبة والدتها وَ شقيقتها الصُغري ، كَان إِفطاراً عَادياً لا يَحمل مَعه البَهجة و السَّعادة الأُسرية المَعروفة بَل صَمت يُخيم علي المَكان و كَـأن الطّير تُحلق فَوق رُؤوسهم ...
وَ لَيلي ...
صَامتة وَ كَعَادتها صَامدة ، لا يُمكنها البَّوح لأحد ، تَضمُر آلامَها بدَاخلها ، إعِتادت الكِتمان ، كِتمان آلامها و أحَزانها و دُموعها ، مُنذ تلك الليَلة و قَد فَقدت "ليلي" ليلاها ..
قَطع هَذا الصَمت صوت رَنين الهاتف كَـ نشاذ وَسط سِيمفُونية هَادئة فإلتقطت هَاتفها مِن فوق الطاولة ، جَعدت حاجِبيها بإستِغراب حِينما لمَحت رقم غريب فأجابت مُعتقدة أنه أحد مُوكليها ثُم وَضعت الهاتف علي أُذنيّها ليأتَيها صوت الرَجل الوحيد فِي حياتها:
-كيف حالك يا ليلي ...
تَفاجئت "ليلي" لسَماعها صوت "سليم" فَـ تساءلت مَصعوقة:
-مِن أين جَلبت رقم هاتفي ...
أجَابها "سليم" بـ مَرح:
-مِن مصادري الخاصة التي تَصل إلي داخل مَنزلك أيضاً ..
أَغمضت عينيها بِقُوة تَكبح غضبها ، فَـ بالتَأكيد "مُنيرة" تلك العجوز الشّمطاء مَن أعطته رَقمها ، هَمست بحدة و هي تَعض علي شِفتها السُفلية بتَوعد:
-حَسابك مَعي يا مُنيرة ..
سَمع هَمسها بضحكات مَكتومة لينُظر بطرف عينيه إلي الصغير الذي يجلس علي المِقعد المُجاور لهُ يلعب بالسيارة الصغيرة فهَتف بها:
-أنا أسَفل بيتك الآن إنزلي كي أَقلك إلي مَكتبك ..
هَمهمت بهدوء ثُم قالت:
-حَسناً دقائق و سأكون عِندك ..
أَغلقت الهَاتف دُون سَماع كلِمة مِنه ، لتَلتفت إلي وَالدتها التَّي تُتابع الحديث بإِنصات و بالتأكيد الفُضولية "ميادة" فحمحَمت مُنظفة حلقها و قالت بنبرة عَملية:
-سأذهب الآن يا أمي ..
قَطبت "فاطمة" جبينها و تشدقت بِتعجُب:
-الآن ، لازال الوقت مُبكراً علي موعد جلسة المَحكمة...
تَأففت "ليلي" بقوة و أجابت بحنق:
-حُكم القوي يا أم غادة ...
أَومأت "فاطمة" مُتفهمة فِي حين قالت "ميادة" تُذكرها:
-لا تنسي ما طلبته مِنك يا ليلي ..
ذمت "ليلي" شَفتيها بعدم رِضا و قالت بضيق:
-لم أنسي يا ميادة ، لم أنسي ...
حَملت حقيبتها الجِلدية علي كَتفها ثم غادرت المَنزل لتهَبط للأسفل فوجدت سَيارة "سليم" السوداء أمام البِناية ، كَان يَعبث بهاتفه بمَلل و مَا أن إنتبه لهَا حَتي لوح بيده إليها بإبتسامة جذابة فتأَففت بضيق ثُم مَشت تجاهه و فَتحت باب السيارة وهي تُغمغم بفَظاظة:
-حمداً لله أنَك أتيت باكراً ، لديك ضمير تجاه ما تقوم بـه آآ مَن هذا ؟!
قَطعت حَديثها فجْأة حِينما أبَصرت كُتلة اللطافة المُتحركة يجلس علي المِقعد الأمامي بالسَيارة ..
وَقفت مَصعوقة تَتطلع إلي الصغير بصَدمة بينما إِرتسمت إبتسامة واسِعة من الأُذن للأُذن علي شفتي "سليم" مُجيباً إياها:
-أعُرفك بالصغير أكرم الوالي ...
فَغرت فَاهِها مَشدوهة مما تراه ، لتَتمالك نَفسها وعقدت ذِراعيها أسفل صَدرها قَائلة بحدة:
-تشرفنا به ، أُريد أن أعرف لماذا أتيت به هنا ..
رَفع كتفيه مُردفاً بِبساطة:
-داليا لديها عملية طارئة بالمشفي و لذلك تركته بحوزتي اليوم بعدما رفضت أمي المُبجلة مُتعللة بموعدها و أبي العزيز لَديه جلسة بالمَحكمة اليوم لذلك امم ..
بُتر حديثه حينما تَشدقت "ليلي" بجُمود:
-حسناً لا داعي أن تَقص علي قِصة حياتك سأتَحمله مثلما أُجبرت علي تَحمُل وجودك بحياتي ..
رد بإستفزاز موازياً إياها:
-شُكراً علي وَقاحتك نَرُدها لكِ في المُناسبات ..
زَفرت الهواء من رئتيها بإِنزعاج ثم حملت الصغير لتجلس علي المِقعد الأمامي وحملته عَلي سَاقيها بشرود بذات الوقت أدار السيارة
و تحرك بهما ..
غَصة مَريرة تَشكلت بحَلقها دون سبب ، فَـ يبدو أن الأفَكار تعَصف برأسها بقُوة ، إعِتادت رُؤيته خِلال الفَترة الماضية بحياتها لكِنها لم تَنتبه لكَونه مُتزوجاً و هذا الصَغير ..
عِند هذه النُقطة نَظرت بعَسليتاها إلي الصَغير السَاكن بَين ذِراعيها بصَمت يتَطلع إلي وجهها بعَينيه الخُضراويتين المُماثلة لعيناي أبيه "سليم" يتَفحصها ببَراءة و كَأنه يَكتشف عَالم جديد برُؤيتها...
إِزدردت لُعابها بِمرارة أَنهكت المُتبقي بقَلبها دُون أن تعي أَنها تَري صُورة جديدة لِدمار أُسرة أخري فَيعاني الصَّغير مثلما عَانت حينما هَرب والدها:
-لماذا لَم تُخبرني أنك مُتزوج و لَديك إبن أيضاً ...؟!
*رواية الأنسة حنفي حصريا علي قناة موعد مع رواية فقط ممنوع سرقة الروايات بدون اللينك حسبي الله ونعم الوكيل في اللي هيسرق الرواية من غير اللينك و اسم القناة*