حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه) - اليوم الحادي عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه)
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: اليوم الحادي عشر

اليوم الحادي عشر

"مائدة الطعام.. وحرب المساحات" كانت "زينب" في قمة تركيزها وهي تنسق مائدة الإفطارفي منزلهما؛ فقد قررت اليوم أن تُطبق كل ما تعلمته من برامج "فنون الضيافة". وضعت الأطباق بتباعد مدروس، وزينت السفرة بزهور مجففة وشموع، وتركت مساحات واسعة "للتنفس البصري. قائلة لزوجها عادل: شوف يا عادل، الرقي في البساطة. مش لازم السفرة تبقى زحمة عشان نحس بالشبع، النهاردة فطارنا (مودرن) وهادي جداً. فجأة، رن جرس الباب، ودخلت الجارة "أم السعد" وهي تحمل صينية ضخمة عليها "محشي مشكل" و"بطة" محمرة، وقالت بصوت مجلجل: رمضان كريم يا أم عمر! قلت لازم تدوقوا من أكلنا النهاردة، البيت اللي مبيطلعش منه ريحة لجاره ميبقاش بيت مؤمن! ارتبكت زينب ونظرت لسفرتها "الرقيقة" التي لم تعد تتسع لهذه الصينية العملاقة، وحاولت الاعتذار بلطف: تسلم إيدك يا أم السعد، بس إحنا مجهزين سفرة (على القد) بالظبط وخايفة الأكل يفيض ويترمى.. هنا تدخلت الجدة "هنية" التي كانت تراقب الموقف بابتسامة، من صالة منزل ابنتها وقالت وهي تفسح مكاناً للصينية وسط الزهور والشموع: تعالي يا أم السعد، حطي البركة في وسطنا. جرى إيه يا زينب؟ السفرة اللي (على قدنا) دي سفرة بخيلة يا بنتي. زمان يا ولاد، كانت المائدة مبيتشافش خشبها من كتر الأصناف اللي بتلف من بيت لبيت. كانت السفرة هي (الديوان) اللي بيساع القريب والغريب والمحتاج. تابعت الجدة وهي ترفع غطاء صينية أم السعد لتنتشر الرائحة في البيت: يا زينب، الرقي الحقيقي مش في إنك تسيبي فراغات بين الأطباق، الرقي في إنك تسيبي مطرح لطبق جارتك. مائدة رمضان يا ولاد ربنا بيبارك فيها كل ما زادت الأيادي عليها. الشموع والورد دول للزينة، لكن صينية أم السعد دي هي الروح اللي بتخلي للأكل طعم. الأكل مش (ديكور)، الأكل (مشاركة). نظر عادل للصينية بلهفة وقال بمزاح: والله يا حماتي، الريحة دي لوحدها فطرتني! معلش يا زينب، (التنفس البصري) بتاعك ده نخليه للسحور، دلوقتي إحنا عايزين هجوم بصري على صينية أم السعد! ضحكت الجدة وقالت: يا زينب، المائدة في رمضان زي القلب، كل ما كانت مفتوحة للناس، كل ما زادت بركتها. والطبق اللي بيجيلك من جارك هو رسالة حب مش مجرد أكل، وعيب نرد الحب عشان منبوظش شكل السفرة الرسالة المستفادة: "بَركةُ الطعام في كثرة الأيدي عليه." لا تجعلوا الهوس بـ "الإتيكيت" والمظاهر الحديثة يقتل روح الكرم العفوي والتراحم بين الجيران. مائدة رمضان ، أجمل ما فيها هو التداخل والزحمة واللقمة التي تُهدى بحب. الستر والكرم هما الزينة الحقيقية لأي بيت، والصنف الذي يأتي من بيت جارك له طعم لا يمكن لأي "شيف" عالمي أن يقلده. الخاتمة: استسلمت زينب لضحكات الجميع، وقامت بنقل الزهور والشموع جانباً لتضع صينية أم السعد في الصدارة، وقالت بابتسامة: عندك حق يا ماما، مفيش أحلى من الروح الكرم دي. تسلم إيدك يا أم السعد، خليكي افطري معانا بقى! قالت الجدة هنية وهي ترفع يدها بالدعاء مع انطلاق الأذان: — أهو كده السفرة بقى لها حس ومعنى. كلوا وبالهنا والشفا، وربنا يديم المعروف ويجعل بيوتنا دايماً مفتوحة بالخير.