بيننا خيط لا ينقطع - الفصل السادس والثلاثون بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس والثلاثون بعد المئة

الفصل السادس والثلاثون بعد المئة

" the writer Aridj " . . . بعد رنّات المنبّه المتكرّرة، التي كانت كأنها مطارق صغيرة تطرق جدار حلمها بعناد، استيقظت رتيل منزعجة، مثقلةً بنعاسٍ لم يحظى بقسطه الكافي من النوم. مدت يدها بتثاقل نحو هاتفها، تحسّسته بعينين نصف مغمضتين، ثم أطفأته بضجرٍ واضح، وعادت لتستلقي من جديد كأنها تحاول أن تسرق دقيقةً إضافية من دفء الفراش. فركت عينيها ببطء، وتثاءبت تثاؤبًا عميقًا، تحاول أن تستعيد توازنها بين عالمين؛ عالم النوم الذي أفلت، وعالم الواقع الذي يلحّ عليها بلا رحمة او شفقة. وفجأة، انفتح باب غرفتها بقوةٍ أربكت سكون الصباح، فانتفضت من مكانها مفزوعة، واعتدلت جالسة وقد انعقدت حاجباها بانزعاج ظاهر. التفتت نحو الباب وقالت بنبرة ضيق صريحة /مافي خصوصية بهالبيت؟ اللي يجي يصك الباب! ضحكت أمها بخفة، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الامتعاض /قومي، كفاية نوم. أخوكِ جاسر جا وودّه يشوفك. حركت رتيل شعرها، وجمعته إلى الخلف بحركة سريعة توحي بضيقها، ثم قالت وهي تنهض متجهة نحو الحمام /داخلة الغرفة كأنك داخلة على مساجين عشان تقولين إنو جاسر جا. غادرت الأم الغرفة، تاركةً خلفها بابًا نصف مفتوح . نهضت متثاقلة، واتجهت إلى الحمام الملحق بغرفتها. غسلت وجهها بماءٍ بارد، كأنها تحاول أن تطفئ شيئًا من ضيقها، ثم خرجت. وقفت لحظة أمام خزانتها، تتأمل ملابسها بلا رغبة حقيقية في التبديل؛ لم تكن تنوي أن تغيّر ملابسها أصلًا، لكنها فعلت ذلك على مضض. ارتدت تنورة زهرية بلونٍ هادئ، وكنزة صوفية بيضاء تعانق جسدها برقة، ثم سرّحت شعرها بعناية قبل أن ترفعه وتضع حجابها بإحكام، وأخيرًا ارتدت عباءتها. تناولت حقيبتها التي لم تفتحها منذ عودتها من الجامعة بالأمس؛ كانت كما تركتها، شاهدةً على يومٍ عادي لم تكن تدري أنه سيكون آخر أيامھا العادية. نزلت الدرج بتثاقلٍ واضح، حتى بلغت الصالة المفتوحة على الدرج، حيث اجتمع الجميع. لمحت أخاها جاسر، فتقدمت نحوه وسلمت عليه وعلى الجميع ، ثم جلست بجانب والدها. وضعت يديها فوق بعضهما في محاولةٍ لفرض هدوءٍ متماسك على جسدٍ يوشك أن يفضح اضطرابه، ثم قالت بنبرةٍ ساخرة خفيفة /جاسر أفندي، وش الموضوع اللي خلا ماما تصحّيني من سابع نومة؟ ابتسم جاسر بمزاح، وقال وهو يرفع يديه باعتذار مصطنع /نعتذر لسموك، أزعجناك. قلّدت نبرته بمرحٍ مصطنع يخفي توترًا خفيًا /اعتذارك شوي شوي كأنو مو جاي من القلب. وأشارت إلى قلبها بسبابتها، ثم أتبعتها بضحكة قصيرة لم تلبث أن تلاشت. في تلك اللحظة، خرجت والدتها من المطبخ، تمسح يديها بطرف مريولها، وجلست بينهم، ثم قالت ببساطةٍ أربكت الهواء من حولهم /جاك عريس. ضحك عاصم بخفة مفاجئة وقال /وتفجرها الوالدة!!!! لكن رتيل لم تشاركهم الضحك. صعقتها الكلمات كأنها صفعة أولى قبل الصفعة الحقيقية. نهضت من مكانها فجأة، واتسعت عيناها بدهشةٍ مشوبة بصدمة، وقالت بصوتٍ مرتفع /إيييييش؟ حاول جاسر تهدئة الوضع، وقد تبدلت ملامحه إلى شيءٍ من الجدية /اجلسي وخلينا نتكلم. ردت بعصبية واضحة، وأنفاسها تتسارع /وش أجلس؟ وفوش نتكلم؟ من دحين لا أنا موافقة ولا أنتو راح توافقون. ما أريد أتزوج، خلاص. نهض والدها ببطء، وصوته يحمل ثقل السلطة التي اعتادت أن تُطاع /يا بنتي، ما يصير اللي تسوينه كل مرة تردّين العريس اللي يجيك. وش لي راح يسلّمنا من حكي الناس؟ تجمعت الدموع في عينيها، لكنها ابتلعتها بعناد. لم تعتد أن تبكي أمامهم؛ كانت دائمًا تحرص على صورتها القوية، على صلابتها التي تحمي بها قلبها. رفعت رأسها وقالت بصوتٍ متهدّج لكنه ثابت /تربية يدك يا أبوي.. بتصدق كلام الناس وتزوجني عشان تسكتهم؟ نهض جاسر من مكانه، وقد شعر بأن النار تكبر /ما أحد راح يجبرك على شي. ليكون بعلمك، العريس فارس ابن عمي فيصل . قال والدها بحسمٍ قاطع /ما راح ألقى أفضل من ابن أخوي زوج لك. ارتجف شيءٌ عميق داخلها، وانكسر صوتها وهي تقول بحزنٍ غاضب /ليش؟ ناقصني شي؟ ثم التفتت إليهم جميعًا، وكأنها تحاكمهم واحدًا واحدًا /ليكون بعلمكم، هذا الزواج ما يصير إلا على جثتي. أنتو بخير ولا إيش؟ أنا أتزوج راعي سهرات، النسونجي، راعي الخمور... لم تكمل حديثها. دوّى صوت الصفعة في أرجاء المكان، صفعةٌ حادة استقرّت على خدها، فأسكتت الكلمات في فمها . رفعت يدها إلى خدها الذي اشتعل ألمًا، كأن ذلك الموضع قد شُلّ فجأة. عيناها الفيروزيتان تلألأتا بالدموع، لا ضعفًا، بل صدمةً من انقلابٍ لم تتوقعه. رفع والدها إصبعه مهددًا، وصوته يرتجف من الغضب /أقطع لسانك إذا تكلمتي هيك مرة ثانية عن ابن عمك ،عرضك من عرضه . ضحكت بسخرية موجوعة، وقالت بصوتٍ مكسورٍ/تضربني عشاني قلت الصراحة؟ وش ذنبي أبتلي بنجاسته؟ صرخ والدها غاضبًا، وقد احمرّ وجهه /رتيل، على غرفتك! لكنها لم تتحرك نحو الدرج. حملت حقيبتها بغضبٍ عارم، كأنها تتشبث بآخر ما تملك من قرار، ثم خرجت من المنزل بكامله، تاركةً خلفها صمتًا ثقيلًا وأسئلةً معلّقة في العيون. كانت أفكارها مختلطة، تتصادم داخل رأسها بلا نظام. كيف ستنقلب حياتها رأسًا على عقب بهذه السهولة؟ كيف يمكن لقرارٍ لم تشارك فيه أن يُرسم لها وكأنه قدر لا مهرب منه؟ لن تقبل… لن تقبل بهذا. كانت ترددها في داخلها بإصرارٍ يكاد يكون صراخًا صامتًا. لكن ما كان يؤلمها حقًا لم يكن اسم فارس، ولا فكرة الزواج ذاتها، بل ذلك الشعور المرّ بانقلاب أهلها ضدها، وكأنها فجأة أصبحت غريبةً بينهم، وكأن صوتها الذي ربّوه على الصراحة صار تهمة، وكأن قلبها الذي أرادته صلبا صار عبئًا يجب إسكاتُه. مشت بخطواتٍ سريعة، والهواء يصفع وجهها بدلًا من يد أبيها، وفي صدرها نارٌ لا تدري كيف تطفئها… لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط: أنها لن تسلّم حياتها بسهولة، مهما كلّفها الأمر....