سيد الغسان - الفصل 3 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سيد الغسان
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

سيد الغسّان كان وادي الغسّان يمتدّ كأفعى خضراء بين الجبال، يلمع تحت الشمس في الصيف، ويغدو مرآةً رمادية حين تعبره الغيوم في الشتاء. وعلى ضفّته الشمالية قامت قرية صغيرة، ببيوتٍ حجرية متلاصقة، وسقوفٍ من خشب السرو، وأزقةٍ ضيقة تحفظ أسرار أهلها كما تحفظ الجدران رائحة الخبز الساخن كل صباح. في تلك القرية، وُلد صبيّ لم يكن يختلف عن غيره في شيء، سوى نظرةٍ غامضة في عينيه. كانوا يقولون إنّه حين كان رضيعًا، كان يهدأ فقط إذا حمله أبوه إلى النهر. وحين كبر قليلًا، صار يقضي الساعات جالسًا عند الماء، يرمي الحصى ويراقب الدوائر تتسع ثم تختفي. اسمه كان عمران، لكن اسمه لم يبقَ طويلًا كما هو. في أحد الأعوام، هبّت عاصفة لم تعرف القرية مثلها من قبل. لم تكن عاصفة ريحٍ فقط، بل عاصفة ماءٍ وطين. تساقط المطر سبعة أيامٍ متواصلة، حتى فاض الوادي واندفع نحو البيوت. صرخ الناس، وهرعوا إلى المرتفعات، لكن المياه كانت أسرع من خطاهم. في تلك الليلة، كان عمران قد بلغ السابعة عشرة. رأى بعينيه بيتًا ينهار، وامرأةً تستغيث من نافذةٍ مكسورة، وطفلًا عالقًا فوق سطحٍ آيل للسقوط. لم يفكر طويلًا. ربط حبلًا حول خصره، وثبّته إلى جذع شجرةٍ ضخمة، وخاض الماء الذي كان يزأر كوحشٍ هائج. كان التيار يضربه بقوة، لكنه لم يتراجع. وصل إلى البيت المنهار، حمل الطفل أولًا، وأرسله عبر الحبل إلى من ينتظرون في الأعلى. عاد للمرأة، وساعدها على الخروج. ومع كل ذهابٍ وإياب، كان الماء يرتفع أكثر، لكن شيئًا في داخله كان أقوى من الخوف. حين هدأت العاصفة أخيرًا، كانت القرية نصفها طين، ونصفها أنقاض. لكن الأرواح التي نجاها عمران كانت أكثر مما توقع أحد. منذ ذلك اليوم، لم يعد الناس ينادونه باسمه القديم. صاروا يقولون: “جاء سيد الغسّان.” “اسألوا سيد الغسّان.” “هو يعرف ما يفعل.” ولم يعترض. مرّت السنوات، وكبر عمران، وكبرت مسؤوليته معه. لم يكن زعيمًا رسميًا، ولا شيخًا مختارًا، لكن كلمته كانت مسموعة. إذا اختلف رجلان على أرض، لجآ إليه. إذا مرض أحدهم، كان أوّل من يطرق الباب حاملاً الدواء أو المال. وإذا اشتدّ النهر، كان أوّل من يقف عند ضفّته. كان يسير في السوق بخطواتٍ هادئة، يحيي هذا ويبتسم لذاك، لكنه لم يتزوج، ولم ينشغل بتكوين بيتٍ خاص. كان بيته الوادي، وأهله القرية كلها. ومع ذلك، لم يكن خاليًا من الصراع. في أحد الأيام، جاء غرباء إلى القرية. رجال بملابس فاخرة، وأوراق مختومة، وحديثٍ عن مشروعٍ ضخم. قالوا إنهم يريدون بناء سدٍّ كبير فوق الوادي، وإن المشروع سيجلب الكهرباء والمال والوظائف. لكنهم قالوا أيضًا إن جزءًا من القرية سيُغمر بالماء. انقسم الناس. بعضهم رأى في المشروع خلاصًا من الفقر. وبعضهم رأى فيه نهايةً لذكريات الأجداد. توجه الجميع إلى بيت سيد الغسّان. جلسوا في ساحته الواسعة، ينتظرون كلمته. كان صامتًا، ينظر إلى الوجوه التي يعرفها واحدًا واحدًا: وجوهٌ كبرت معه، ووجوهٌ أنقذها بيديه، ووجوه أطفالٍ يلعبون غير مدركين لما قد يحدث. قال أحد الرجال الغرباء بثقة: “المصلحة العامة أهم من الحنين.” رفع سيد الغسّان رأسه ببطء. “والمصلحة العامة لا تعني أن نغرق قلوب الناس قبل بيوتهم.” ساد صمت ثقيل. لم يكن يرفض التطور، لكنه كان يعرف أن الماء الذي يمنح الحياة، إذا حُبس بالقوة، قد ينتقم. في الليالي التالية، لم ينم جيدًا. كان يسمع هدير النهر في أذنيه حتى وهو بعيد عنه. ذهب ذات فجرٍ إلى الضفة، جلس في مكانه القديم، ورمى حجرًا كما كان يفعل وهو طفل. تساءل: هل أصبح حارسًا للماضي؟ أم أن عليه أن يفتح الباب للمستقبل، ولو كان الثمن موجعًا؟ في اليوم الحاسم، اجتمع أهل القرية مرة أخرى. طلب منهم أن يصبروا، وأن يفاوضوا، وأن يطلبوا ضماناتٍ واضحة: بيوتًا بديلة، تعويضات عادلة، وموقعًا يحفظ لهم أراضيهم وذكرياتهم. لم يكن القرار سهلًا، لكنه لم يكن اندفاعًا أعمى أيضًا. وقف أمامهم وقال: “لسنا ضدّ النور، لكننا لسنا مستعدين أن نطفئ جذورنا لأجله.” بفضل صموده، تغيّرت شروط الاتفاق. صغر حجم السد، وحُفظت معظم البيوت، وأُنشئت مدرسة ومستشفى كما وُعدوا. بعد سنوات، جلس شيخٌ مسنّ عند باب بيته، يشير بعصاه إلى رجلٍ يمشي ببطء قرب النهر، وقد اشتعل الشيب في شعره. قال لحفيده: “ذلك هو سيد الغسّان.” سأل الطفل: “هل هو أقوى رجلٍ في القرية؟” ابتسم الشيخ. “لا. قوته لم تكن في ذراعيه، بل في قلبه. كان يعرف متى يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصغي لصوت الماء وصوت الناس معًا.” وفي المساء، حين هدأ كل شيء، عاد الرجل إلى ضفّته المعتادة. جلس كما كان يجلس في طفولته، يرمي حجرًا صغيرًا، ويراقب الدوائر تكبر ثم تختفي. لكن أثرها… كان يبقى طويلًا في الماء، كما بقي أثره طويلًا في قلوب أهل الوادي.سيد الغسّان كان وادي الغسّان يمتدّ كأفعى خضراء بين الجبال، يلمع تحت الشمس في الصيف، ويغدو مرآةً رمادية حين تعبره الغيوم في الشتاء. وعلى ضفّته الشمالية قامت قرية صغيرة، ببيوتٍ حجرية متلاصقة، وسقوفٍ من خشب السرو، وأزقةٍ ضيقة تحفظ أسرار أهلها كما تحفظ الجدران رائحة الخبز الساخن كل صباح. في تلك القرية، وُلد صبيّ لم يكن يختلف عن غيره في شيء، سوى نظرةٍ غامضة في عينيه. كانوا يقولون إنّه حين كان رضيعًا، كان يهدأ فقط إذا حمله أبوه إلى النهر. وحين كبر قليلًا، صار يقضي الساعات جالسًا عند الماء، يرمي الحصى ويراقب الدوائر تتسع ثم تختفي. اسمه كان عمران، لكن اسمه لم يبقَ طويلًا كما هو. في أحد الأعوام، هبّت عاصفة لم تعرف القرية مثلها من قبل. لم تكن عاصفة ريحٍ فقط، بل عاصفة ماءٍ وطين. تساقط المطر سبعة أيامٍ متواصلة، حتى فاض الوادي واندفع نحو البيوت. صرخ الناس، وهرعوا إلى المرتفعات، لكن المياه كانت أسرع من خطاهم. في تلك الليلة، كان عمران قد بلغ السابعة عشرة. رأى بعينيه بيتًا ينهار، وامرأةً تستغيث من نافذةٍ مكسورة، وطفلًا عالقًا فوق سطحٍ آيل للسقوط. لم يفكر طويلًا. ربط حبلًا حول خصره، وثبّته إلى جذع شجرةٍ ضخمة، وخاض الماء الذي كان يزأر كوحشٍ هائج. كان التيار يضربه بقوة، لكنه لم يتراجع. وصل إلى البيت المنهار، حمل الطفل أولًا، وأرسله عبر الحبل إلى من ينتظرون في الأعلى. عاد للمرأة، وساعدها على الخروج. ومع كل ذهابٍ وإياب، كان الماء يرتفع أكثر، لكن شيئًا في داخله كان أقوى من الخوف. حين هدأت العاصفة أخيرًا، كانت القرية نصفها طين، ونصفها أنقاض. لكن الأرواح التي نجاها عمران كانت أكثر مما توقع أحد. منذ ذلك اليوم، لم يعد الناس ينادونه باسمه القديم. صاروا يقولون: “جاء سيد الغسّان.” “اسألوا سيد الغسّان.” “هو يعرف ما يفعل.” ولم يعترض. مرّت السنوات، وكبر عمران، وكبرت مسؤوليته معه. لم يكن زعيمًا رسميًا، ولا شيخًا مختارًا، لكن كلمته كانت مسموعة. إذا اختلف رجلان على أرض، لجآ إليه. إذا مرض أحدهم، كان أوّل من يطرق الباب حاملاً الدواء أو المال. وإذا اشتدّ النهر، كان أوّل من يقف عند ضفّته. كان يسير في السوق بخطواتٍ هادئة، يحيي هذا ويبتسم لذاك، لكنه لم يتزوج، ولم ينشغل بتكوين بيتٍ خاص. كان بيته الوادي، وأهله القرية كلها. ومع ذلك، لم يكن خاليًا من الصراع. في أحد الأيام، جاء غرباء إلى القرية. رجال بملابس فاخرة، وأوراق مختومة، وحديثٍ عن مشروعٍ ضخم. قالوا إنهم يريدون بناء سدٍّ كبير فوق الوادي، وإن المشروع سيجلب الكهرباء والمال والوظائف. لكنهم قالوا أيضًا إن جزءًا من القرية سيُغمر بالماء. انقسم الناس. بعضهم رأى في المشروع خلاصًا من الفقر. وبعضهم رأى فيه نهايةً لذكريات الأجداد. توجه الجميع إلى بيت سيد الغسّان. جلسوا في ساحته الواسعة، ينتظرون كلمته. كان صامتًا، ينظر إلى الوجوه التي يعرفها واحدًا واحدًا: وجوهٌ كبرت معه، ووجوهٌ أنقذها بيديه، ووجوه أطفالٍ يلعبون غير مدركين لما قد يحدث. قال أحد الرجال الغرباء بثقة: “المصلحة العامة أهم من الحنين.” رفع سيد الغسّان رأسه ببطء. “والمصلحة العامة لا تعني أن نغرق قلوب الناس قبل بيوتهم.” ساد صمت ثقيل. لم يكن يرفض التطور، لكنه كان يعرف أن الماء الذي يمنح الحياة، إذا حُبس بالقوة، قد ينتقم. في الليالي التالية، لم ينم جيدًا. كان يسمع هدير النهر في أذنيه حتى وهو بعيد عنه. ذهب ذات فجرٍ إلى الضفة، جلس في مكانه القديم، ورمى حجرًا كما كان يفعل وهو طفل. تساءل: هل أصبح حارسًا للماضي؟ أم أن عليه أن يفتح الباب للمستقبل، ولو كان الثمن موجعًا؟ في اليوم الحاسم، اجتمع أهل القرية مرة أخرى. طلب منهم أن يصبروا، وأن يفاوضوا، وأن يطلبوا ضماناتٍ واضحة: بيوتًا بديلة، تعويضات عادلة، وموقعًا يحفظ لهم أراضيهم وذكرياتهم. لم يكن القرار سهلًا، لكنه لم يكن اندفاعًا أعمى أيضًا. وقف أمامهم وقال: “لسنا ضدّ النور، لكننا لسنا مستعدين أن نطفئ جذورنا لأجله.” بفضل صموده، تغيّرت شروط الاتفاق. صغر حجم السد، وحُفظت معظم البيوت، وأُنشئت مدرسة ومستشفى كما وُعدوا. بعد سنوات، جلس شيخٌ مسنّ عند باب بيته، يشير بعصاه إلى رجلٍ يمشي ببطء قرب النهر، وقد اشتعل الشيب في شعره. قال لحفيده: “ذلك هو سيد الغسّان.” سأل الطفل: “هل هو أقوى رجلٍ في القرية؟” ابتسم الشيخ. “لا. قوته لم تكن في ذراعيه، بل في قلبه. كان يعرف متى يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصغي لصوت الماء وصوت الناس معًا.” وفي المساء، حين هدأ كل شيء، عاد الرجل إلى ضفّته المعتادة. جلس كما كان يجلس في طفولته، يرمي حجرًا صغيرًا، ويراقب الدوائر تكبر ثم تختفي. لكن أثرها… كان يبقى طويلًا في الماء، كما بقي أثره طويلًا في قلوب أهل الوادي.سيد الغسّان كان وادي الغسّان يمتدّ كأفعى خضراء بين الجبال، يلمع تحت الشمس في الصيف، ويغدو مرآةً رمادية حين تعبره الغيوم في الشتاء. وعلى ضفّته الشمالية قامت قرية صغيرة، ببيوتٍ حجرية متلاصقة، وسقوفٍ من خشب السرو، وأزقةٍ ضيقة تحفظ أسرار أهلها كما تحفظ الجدران رائحة الخبز الساخن كل صباح. في تلك القرية، وُلد صبيّ لم يكن يختلف عن غيره في شيء، سوى نظرةٍ غامضة في عينيه. كانوا يقولون إنّه حين كان رضيعًا، كان يهدأ فقط إذا حمله أبوه إلى النهر. وحين كبر قليلًا، صار يقضي الساعات جالسًا عند الماء، يرمي الحصى ويراقب الدوائر تتسع ثم تختفي. اسمه كان عمران، لكن اسمه لم يبقَ طويلًا كما هو. في أحد الأعوام، هبّت عاصفة لم تعرف القرية مثلها من قبل. لم تكن عاصفة ريحٍ فقط، بل عاصفة ماءٍ وطين. تساقط المطر سبعة أيامٍ متواصلة، حتى فاض الوادي واندفع نحو البيوت. صرخ الناس، وهرعوا إلى المرتفعات، لكن المياه كانت أسرع من خطاهم. في تلك الليلة، كان عمران قد بلغ السابعة عشرة. رأى بعينيه بيتًا ينهار، وامرأةً تستغيث من نافذةٍ مكسورة، وطفلًا عالقًا فوق سطحٍ آيل للسقوط. لم يفكر طويلًا. ربط حبلًا حول خصره، وثبّته إلى جذع شجرةٍ ضخمة، وخاض الماء الذي كان يزأر كوحشٍ هائج. كان التيار يضربه بقوة، لكنه لم يتراجع. وصل إلى البيت المنهار، حمل الطفل أولًا، وأرسله عبر الحبل إلى من ينتظرون في الأعلى. عاد للمرأة، وساعدها على الخروج. ومع كل ذهابٍ وإياب، كان الماء يرتفع أكثر، لكن شيئًا في داخله كان أقوى من الخوف. حين هدأت العاصفة أخيرًا، كانت القرية نصفها طين، ونصفها أنقاض. لكن الأرواح التي نجاها عمران كانت أكثر مما توقع أحد. منذ ذلك اليوم، لم يعد الناس ينادونه باسمه القديم. صاروا يقولون: “جاء سيد الغسّان.” “اسألوا سيد الغسّان.” “هو يعرف ما يفعل.” ولم يعترض. مرّت السنوات، وكبر عمران، وكبرت مسؤوليته معه. لم يكن زعيمًا رسميًا، ولا شيخًا مختارًا، لكن كلمته كانت مسموعة. إذا اختلف رجلان على أرض، لجآ إليه. إذا مرض أحدهم، كان أوّل من يطرق الباب حاملاً الدواء أو المال. وإذا اشتدّ النهر، كان أوّل من يقف عند ضفّته. كان يسير في السوق بخطواتٍ هادئة، يحيي هذا ويبتسم لذاك، لكنه لم يتزوج، ولم ينشغل بتكوين بيتٍ خاص. كان بيته الوادي، وأهله القرية كلها. ومع ذلك، لم يكن خاليًا من الصراع. في أحد الأيام، جاء غرباء إلى القرية. رجال بملابس فاخرة، وأوراق مختومة، وحديثٍ عن مشروعٍ ضخم. قالوا إنهم يريدون بناء سدٍّ كبير فوق الوادي، وإن المشروع سيجلب الكهرباء والمال والوظائف. لكنهم قالوا أيضًا إن جزءًا من القرية سيُغمر بالماء. انقسم الناس. بعضهم رأى في المشروع خلاصًا من الفقر. وبعضهم رأى فيه نهايةً لذكريات الأجداد. توجه الجميع إلى بيت سيد الغسّان. جلسوا في ساحته الواسعة، ينتظرون كلمته. كان صامتًا، ينظر إلى الوجوه التي يعرفها واحدًا واحدًا: وجوهٌ كبرت معه، ووجوهٌ أنقذها بيديه، ووجوه أطفالٍ يلعبون غير مدركين لما قد يحدث. قال أحد الرجال الغرباء بثقة: “المصلحة العامة أهم من الحنين.” رفع سيد الغسّان رأسه ببطء. “والمصلحة العامة لا تعني أن نغرق قلوب الناس قبل بيوتهم.” ساد صمت ثقيل. لم يكن يرفض التطور، لكنه كان يعرف أن الماء الذي يمنح الحياة، إذا حُبس بالقوة، قد ينتقم. في الليالي التالية، لم ينم جيدًا. كان يسمع هدير النهر في أذنيه حتى وهو بعيد عنه. ذهب ذات فجرٍ إلى الضفة، جلس في مكانه القديم، ورمى حجرًا كما كان يفعل وهو طفل. تساءل: هل أصبح حارسًا للماضي؟ أم أن عليه أن يفتح الباب للمستقبل، ولو كان الثمن موجعًا؟ في اليوم الحاسم، اجتمع أهل القرية مرة أخرى. طلب منهم أن يصبروا، وأن يفاوضوا، وأن يطلبوا ضماناتٍ واضحة: بيوتًا بديلة، تعويضات عادلة، وموقعًا يحفظ لهم أراضيهم وذكرياتهم. لم يكن القرار سهلًا، لكنه لم يكن اندفاعًا أعمى أيضًا. وقف أمامهم وقال: “لسنا ضدّ النور، لكننا لسنا مستعدين أن نطفئ جذورنا لأجله.” بفضل صموده، تغيّرت شروط الاتفاق. صغر حجم السد، وحُفظت معظم البيوت، وأُنشئت مدرسة ومستشفى كما وُعدوا. بعد سنوات، جلس شيخٌ مسنّ عند باب بيته، يشير بعصاه إلى رجلٍ يمشي ببطء قرب النهر، وقد اشتعل الشيب في شعره. قال لحفيده: “ذلك هو سيد الغسّان.” سأل الطفل: “هل هو أقوى رجلٍ في القرية؟” ابتسم الشيخ. “لا. قوته لم تكن في ذراعيه، بل في قلبه. كان يعرف متى يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصغي لصوت الماء وصوت الناس معًا.” وفي المساء، حين هدأ كل شيء، عاد الرجل إلى ضفّته المعتادة. جلس كما كان يجلس في طفولته، يرمي حجرًا صغيرًا، ويراقب الدوائر تكبر ثم تختفي. لكن أثرها… كان يبقى طويلًا في الماء، كما بقي أثره طويلًا في قلوب أهل الوادي.سيد الغسّان كان وادي الغسّان يمتدّ كأفعى خضراء بين الجبال، يلمع تحت الشمس في الصيف، ويغدو مرآةً رمادية حين تعبره الغيوم في الشتاء. وعلى ضفّته الشمالية قامت قرية صغيرة، ببيوتٍ حجرية متلاصقة، وسقوفٍ من خشب السرو، وأزقةٍ ضيقة تحفظ أسرار أهلها كما تحفظ الجدران رائحة الخبز الساخن كل صباح. في تلك القرية، وُلد صبيّ لم يكن يختلف عن غيره في شيء، سوى نظرةٍ غامضة في عينيه. كانوا يقولون إنّه حين كان رضيعًا، كان يهدأ فقط إذا حمله أبوه إلى النهر. وحين كبر قليلًا، صار يقضي الساعات جالسًا عند الماء، يرمي الحصى ويراقب الدوائر تتسع ثم تختفي. اسمه كان عمران، لكن اسمه لم يبقَ طويلًا كما هو. في أحد الأعوام، هبّت عاصفة لم تعرف القرية مثلها من قبل. لم تكن عاصفة ريحٍ فقط، بل عاصفة ماءٍ وطين. تساقط المطر سبعة أيامٍ متواصلة، حتى فاض الوادي واندفع نحو البيوت. صرخ الناس، وهرعوا إلى المرتفعات، لكن المياه كانت أسرع من خطاهم. في تلك الليلة، كان عمران قد بلغ السابعة عشرة. رأى بعينيه بيتًا ينهار، وامرأةً تستغيث من نافذةٍ مكسورة، وطفلًا عالقًا فوق سطحٍ آيل للسقوط. لم يفكر طويلًا. ربط حبلًا حول خصره، وثبّته إلى جذع شجرةٍ ضخمة، وخاض الماء الذي كان يزأر كوحشٍ هائج. كان التيار يضربه بقوة، لكنه لم يتراجع. وصل إلى البيت المنهار، حمل الطفل أولًا، وأرسله عبر الحبل إلى من ينتظرون في الأعلى. عاد للمرأة، وساعدها على الخروج. ومع كل ذهابٍ وإياب، كان الماء يرتفع أكثر، لكن شيئًا في داخله كان أقوى من الخوف. حين هدأت العاصفة أخيرًا، كانت القرية نصفها طين، ونصفها أنقاض. لكن الأرواح التي نجاها عمران كانت أكثر مما توقع أحد. منذ ذلك اليوم، لم يعد الناس ينادونه باسمه القديم. صاروا يقولون: “جاء سيد الغسّان.” “اسألوا سيد الغسّان.” “هو يعرف ما يفعل.” ولم يعترض. مرّت السنوات، وكبر عمران، وكبرت مسؤوليته معه. لم يكن زعيمًا رسميًا، ولا شيخًا مختارًا، لكن كلمته كانت مسموعة. إذا اختلف رجلان على أرض، لجآ إليه. إذا مرض أحدهم، كان أوّل من يطرق الباب حاملاً الدواء أو المال. وإذا اشتدّ النهر، كان أوّل من يقف عند ضفّته. كان يسير في السوق بخطواتٍ هادئة، يحيي هذا ويبتسم لذاك، لكنه لم يتزوج، ولم ينشغل بتكوين بيتٍ خاص. كان بيته الوادي، وأهله القرية كلها. ومع ذلك، لم يكن خاليًا من الصراع. في أحد الأيام، جاء غرباء إلى القرية. رجال بملابس فاخرة، وأوراق مختومة، وحديثٍ عن مشروعٍ ضخم. قالوا إنهم يريدون بناء سدٍّ كبير فوق الوادي، وإن المشروع سيجلب الكهرباء والمال والوظائف. لكنهم قالوا أيضًا إن جزءًا من القرية سيُغمر بالماء. انقسم الناس. بعضهم رأى في المشروع خلاصًا من الفقر. وبعضهم رأى فيه نهايةً لذكريات الأجداد. توجه الجميع إلى بيت سيد الغسّان. جلسوا في ساحته الواسعة، ينتظرون كلمته. كان صامتًا، ينظر إلى الوجوه التي يعرفها واحدًا واحدًا: وجوهٌ كبرت معه، ووجوهٌ أنقذها بيديه، ووجوه أطفالٍ يلعبون غير مدركين لما قد يحدث. قال أحد الرجال الغرباء بثقة: “المصلحة العامة أهم من الحنين.” رفع سيد الغسّان رأسه ببطء. “والمصلحة العامة لا تعني أن نغرق قلوب الناس قبل بيوتهم.” ساد صمت ثقيل. لم يكن يرفض التطور، لكنه كان يعرف أن الماء الذي يمنح الحياة، إذا حُبس بالقوة، قد ينتقم. في الليالي التالية، لم ينم جيدًا. كان يسمع هدير النهر في أذنيه حتى وهو بعيد عنه. ذهب ذات فجرٍ إلى الضفة، جلس في مكانه القديم، ورمى حجرًا كما كان يفعل وهو طفل. تساءل: هل أصبح حارسًا للماضي؟ أم أن عليه أن يفتح الباب للمستقبل، ولو كان الثمن موجعًا؟ في اليوم الحاسم، اجتمع أهل القرية مرة أخرى. طلب منهم أن يصبروا، وأن يفاوضوا، وأن يطلبوا ضماناتٍ واضحة: بيوتًا بديلة، تعويضات عادلة، وموقعًا يحفظ لهم أراضيهم وذكرياتهم. لم يكن القرار سهلًا، لكنه لم يكن اندفاعًا أعمى أيضًا. وقف أمامهم وقال: “لسنا ضدّ النور، لكننا لسنا مستعدين أن نطفئ جذورنا لأجله.” بفضل صموده، تغيّرت شروط الاتفاق. صغر حجم السد، وحُفظت معظم البيوت، وأُنشئت مدرسة ومستشفى كما وُعدوا. بعد سنوات، جلس شيخٌ مسنّ عند باب بيته، يشير بعصاه إلى رجلٍ يمشي ببطء قرب النهر، وقد اشتعل الشيب في شعره. قال لحفيده: “ذلك هو سيد الغسّان.” سأل الطفل: “هل هو أقوى رجلٍ في القرية؟” ابتسم الشيخ. “لا. قوته لم تكن في ذراعيه، بل في قلبه. كان يعرف متى يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصغي لصوت الماء وصوت الناس معًا.” وفي المساء، حين هدأ كل شيء، عاد الرجل إلى ضفّته المعتادة. جلس كما كان يجلس في طفولته، يرمي حجرًا صغيرًا، ويراقب الدوائر تكبر ثم تختفي. لكن أثرها… كان يبقى طويلًا في الماء، كما بقي أثره طويلًا في قلوب أهل الوادي.🙃سيد الغسّان كان وادي الغسّان يمتدّ كأفعى خضراء بين الجبال، يلمع تحت الشمس في الصيف، ويغدو مرآةً رمادية حين تعبره الغيوم في الشتاء. وعلى ضفّته الشمالية قامت قرية صغيرة، ببيوتٍ حجرية متلاصقة، وسقوفٍ من خشب السرو، وأزقةٍ ضيقة تحفظ أسرار أهلها كما تحفظ الجدران رائحة الخبز الساخن كل صباح. في تلك القرية، وُلد صبيّ لم يكن يختلف عن غيره في شيء، سوى نظرةٍ غامضة في عينيه. كانوا يقولون إنّه حين كان رضيعًا، كان يهدأ فقط إذا حمله أبوه إلى النهر. وحين كبر قليلًا، صار يقضي الساعات جالسًا عند الماء، يرمي الحصى ويراقب الدوائر تتسع ثم تختفي. اسمه كان عمران، لكن اسمه لم يبقَ طويلًا كما هو. في أحد الأعوام، هبّت عاصفة لم تعرف القرية مثلها من قبل. لم تكن عاصفة ريحٍ فقط، بل عاصفة ماءٍ وطين. تساقط المطر سبعة أيامٍ متواصلة، حتى فاض الوادي واندفع نحو البيوت. صرخ الناس، وهرعوا إلى المرتفعات، لكن المياه كانت أسرع من خطاهم. في تلك الليلة، كان عمران قد بلغ السابعة عشرة. رأى بعينيه بيتًا ينهار، وامرأةً تستغيث من نافذةٍ مكسورة، وطفلًا عالقًا فوق سطحٍ آيل للسقوط. لم يفكر طويلًا. ربط حبلًا حول خصره، وثبّته إلى جذع شجرةٍ ضخمة، وخاض الماء الذي كان يزأر كوحشٍ هائج. كان التيار يضربه بقوة، لكنه لم يتراجع. وصل إلى البيت المنهار، حمل الطفل أولًا، وأرسله عبر الحبل إلى من ينتظرون في الأعلى. عاد للمرأة، وساعدها على الخروج. ومع كل ذهابٍ وإياب، كان الماء يرتفع أكثر، لكن شيئًا في داخله كان أقوى من الخوف. حين هدأت العاصفة أخيرًا، كانت القرية نصفها طين، ونصفها أنقاض. لكن الأرواح التي نجاها عمران كانت أكثر مما توقع أحد. منذ ذلك اليوم، لم يعد الناس ينادونه باسمه القديم. صاروا يقولون: “جاء سيد الغسّان.” “اسألوا سيد الغسّان.” “هو يعرف ما يفعل.” ولم يعترض. مرّت السنوات، وكبر عمران، وكبرت مسؤوليته معه. لم يكن زعيمًا رسميًا، ولا شيخًا مختارًا، لكن كلمته كانت مسموعة. إذا اختلف رجلان على أرض، لجآ إليه. إذا مرض أحدهم، كان أوّل من يطرق الباب حاملاً الدواء أو المال. وإذا اشتدّ النهر، كان أوّل من يقف عند ضفّته. كان يسير في السوق بخطواتٍ هادئة، يحيي هذا ويبتسم لذاك، لكنه لم يتزوج، ولم ينشغل بتكوين بيتٍ خاص. كان بيته الوادي، وأهله القرية كلها. ومع ذلك، لم يكن خاليًا من الصراع. في أحد الأيام، جاء غرباء إلى القرية. رجال بملابس فاخرة، وأوراق مختومة، وحديثٍ عن مشروعٍ ضخم. قالوا إنهم يريدون بناء سدٍّ كبير فوق الوادي، وإن المشروع سيجلب الكهرباء والمال والوظائف. لكنهم قالوا أيضًا إن جزءًا من القرية سيُغمر بالماء. انقسم الناس. بعضهم رأى في المشروع خلاصًا من الفقر. وبعضهم رأى فيه نهايةً لذكريات الأجداد. توجه الجميع إلى بيت سيد الغسّان. جلسوا في ساحته الواسعة، ينتظرون كلمته. كان صامتًا، ينظر إلى الوجوه التي يعرفها واحدًا واحدًا: وجوهٌ كبرت معه، ووجوهٌ أنقذها بيديه، ووجوه أطفالٍ يلعبون غير مدركين لما قد يحدث. قال أحد الرجال الغرباء بثقة: “المصلحة العامة أهم من الحنين.” رفع سيد الغسّان رأسه ببطء. “والمصلحة العامة لا تعني أن نغرق قلوب الناس قبل بيوتهم.” ساد صمت ثقيل. لم يكن يرفض التطور، لكنه كان يعرف أن الماء الذي يمنح الحياة، إذا حُبس بالقوة، قد ينتقم. في الليالي التالية، لم ينم جيدًا. كان يسمع هدير النهر في أذنيه حتى وهو بعيد عنه. ذهب ذات فجرٍ إلى الضفة، جلس في مكانه القديم، ورمى حجرًا كما كان يفعل وهو طفل. تساءل: هل أصبح حارسًا للماضي؟ أم أن عليه أن يفتح الباب للمستقبل، ولو كان الثمن موجعًا؟ في اليوم الحاسم، اجتمع أهل القرية مرة أخرى. طلب منهم أن يصبروا، وأن يفاوضوا، وأن يطلبوا ضماناتٍ واضحة: بيوتًا بديلة، تعويضات عادلة، وموقعًا يحفظ لهم أراضيهم وذكرياتهم. لم يكن القرار سهلًا، لكنه لم يكن اندفاعًا أعمى أيضًا. وقف أمامهم وقال: “لسنا ضدّ النور، لكننا لسنا مستعدين أن نطفئ جذورنا لأجله.” بفضل صموده، تغيّرت شروط الاتفاق. صغر حجم السد، وحُفظت معظم البيوت، وأُنشئت مدرسة ومستشفى كما وُعدوا. بعد سنوات، جلس شيخٌ مسنّ عند باب بيته، يشير بعصاه إلى رجلٍ يمشي ببطء قرب النهر، وقد اشتعل الشيب في شعره. قال لحفيده: “ذلك هو سيد الغسّان.” سأل الطفل: “هل هو أقوى رجلٍ في القرية؟” ابتسم الشيخ. “لا. قوته لم تكن في ذراعيه، بل في قلبه. كان يعرف متى يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصغي لصوت الماء وصوت الناس معًا.” وفي المساء، حين هدأ كل شيء، عاد الرجل إلى ضفّته المعتادة. جلس كما كان يجلس في طفولته، يرمي حجرًا صغيرًا، ويراقب الدوائر تكبر ثم تختفي. لكن أثرها… كان يبقى طويلًا في الماء، كما بقي أثره طويلًا في قلوب أهل الوادي.