دُمِرَتْ!
"و إن أعماك الحب،
فسوف يبكيك القدر
. أمس كنت صغيرة،
واليوم عذراء الفقد.
أليس غباءً مني أن أرحل دون وداع؟
أليس من العيب الغدر؟
ألست الفتاة الشريفة؟
ألست تلك الأم الفريدة،
أم
زوجة
وربة أسرة
!!
ليتني كنت وفية،
وإن لم يحبني كان زوجي.
عارٌ غدري من أجل عابر
. وليت الندم ينفع يوم الفضيحة
. هيهات، كنت فكرت قبل هذا.
حرام، وليس بحلال.
عيب وعار دون استثناء.
أجلس في كرسي الانتظار، وفي يدي أصفاد، أنتظر حكم القضاء. كنت قد اتصلت برقم سعد، مرت مرتان والف من ذلك، ولم يرد. ولم أجد لحسام سبيلًا. غريب عجيب، زوجي لم أحفظ رقمه، ورقم عابر اعتدت تدوينه.
أنزلت رأسي خجلًا، فلم يعد بإمكاني أن أحمل شامخا بعد الٱن.
---
كنت أعرف… في مكانٍ ما داخلي… أنني ألعب بالنار.
لكن الإنسان حين يحتاج، يقنع نفسه أن النار لن تحرقه.
في المطار كنت أبدو عادية. حقيبة في يدي، خطوات محسوبة، ونبض يكاد يفضحني. حاولت أن أتنفس ببطء، أن أبتسم، أن أبدو كأي مسافرة أخرى تنتظر رحلتها.
جاء دوري أمام جهاز التفتيش.
وضعت الحقيبة على الحزام.
تقدمت خطوة.
ثم انطلق الصوت.
حاد. واضح. لا يرحم.
تجمدت.
قال أحد رجال الأمن بسرعة لم أفهمها:
— "Senhora, volte… passe outra vez."
نظرت إليه. الكلمات مرت بجانبي كأنها ريح. لم أفهم سوى الإشارة بيده أن أعود.
أعدت المحاولة.
والصوت عاد… أقوى.
بدأوا يتحدثون فيما بينهم بسرعة:
— "Está acusando."
— "Chama o supervisor."
— "Verifica de novo."
كنت أسمع الحروف تتصادم في الهواء، لكن بلا معنى. شعرت للحظة أنني فقدت حتى القدرة على الفهم.
اقتربت مني شرطية، ملامحها رسمية جدًا، وقالت:
— "Venha conosco, por favor."
لم أفهم الجملة، لكن نبرتها لم تترك لي خيارًا.
مشيت خلفها. لا أعرف كيف حملتني قدماي. دخلت غرفة جانبية، بابها أبيض، لكن حين أُغلق خلفي صار رماديًا كئيبًا.
بدأ التفتيش بدقة.
كانوا يتحدثون بالبرتغالية طوال الوقت.
أوراق تُقلب.
جهاز يُستخدم.
همسات قصيرة:
— "Confirmado."
— "Sem dúvida."
— "Prepara o relatório."
كنت أراقب وجوههم وهي تتغير. لم يعد في أعينهم شك، بل يقين صامت.
قلت بصوت ضعيف:
"I don’t understand… English?"
نظر أحدهم إليّ، ثم قال لزميله:
— "Ela não entende nada."
شعرت أنني غريبة داخل صوتهم. غريبة داخل القرار الذي يُتخذ بشأن حياتي دون أن أفهم تفاصيله.
أحدهم التفت إليّ أخيرًا وقال بإنجليزية مكسّرة:
"You… detained."
الكلمة كانت واضحة.
محتجزة.
شعرت بأن الهواء انقطع.
لم أجادل. لم أصرخ.
فقط جلست، ويديّ ترتجفان.
وُضعت القيود في معصميّ. كانت باردة، لكنها لم تكن أبرد من الخوف الذي بدأ يتسلل إلى قلبي.
ثم قال أحدهم بإنجليزية قصيرة:
"You can call. One call."
تعلقت بتلك الجملة كما يتعلق الغريق بخشبة.
أعطوني الهاتف.
اتصلت بالرقم الذي وثقت به أكثر من نفسي. الرقم الذي قال لي إن كل شيء سيكون بسيطًا… وإنني "لن أُمس".
رنّ الهاتف
رن الهاتف
ولا رد
بقيت أحدق في الشاشة.
شعرت بشيء في داخلي ينكسر… بهدوء.
أعدت الهاتف للضابط دون كلمة.
قال بصوت رسمي بالبرتغالية:
— "Encaminha direto para a justiça."
ثم سمعت كلمة تكررت:
"Justiça."
حتى وأنا لا أفهم لغتهم، فهمت هذه.
سيتم تحويلي إلى القضاء مباشرة.
أخرجوني من الغرفة.
الممر الذي كنت أحاول عبوره بثقة قبل دقائق صار الآن أطول من حياتي كلها.
الناس ينظرون.
أصوات برتغالية تحيط بي:
— "O que aconteceu?"
— "Foi pega."
— "Que pena."
لا أفهم… لكنني أشعر.
دخلت سيارة النقل، جلست في الخلف، والباب الحديدي أُغلق بقوة.
ذلك الصوت…
كان إعلان النهاية.
في الطريق إلى المحكمة، كانوا يتحدثون في الأمام:
— "Processo imediato."
— "Sem fiança."
— "Audiência hoje."
كنت أراقب انعكاس وجهي في الزجاج وأفكر:
كيف أقنعت نفسي ان غريب يستحق؟
ومن هو هاذا الذي خاطرت بحياتي من أجله؟
وو الكثير من التساؤل
وصلنا.
أدخلوني إلى قاعة باردة، رسمية، مليئة بنظرات لا تعرفني لكنها تحكم عليّ.
نُودي اسمي بلكنة غريبة:
— "Ala…"
وقفت.
كانت قدماي ترتجفان، لكن صوتي كان هادئًا بشكل غريب. ربما لأن الخوف حين يصل ذروته يتحول إلى صمت.
القاضي بدأ يتحدث بالبرتغالية. جمل طويلة. كلمات رسمية. نبرة ثابتة.
لم أفهم شيئًا.
طلبت بصوت منخفض:
"Translator… please."
نظروا إلى بعضهم. ثم بدأوا يترجمون لي باختصار شديد.
كل كلمة كانت كضربة.
لم أبحث عن وجه مألوف في القاعة… لأنني كنت أعرف أن لا أحد سيأتي.
أنا من اخترت الطريق.
وأنا من وصلت إلى نهايته.
عندما صدر القرار بتحويلي للحبس المؤقت حتى استكمال الإجراءات، شعرت أنني أسمع الحكم من بعيد.
اقتادوني مرة أخرى.
هذه المرة لم أبكِ.
فقط قلت في داخلي:
ليتني خفت من البداية… كما أخاف الآن.
وأُغلقت خلفي الأبواب الثقيلة.
ليس لأن العالم ظلمني…
بل لأنني لم أحمِ نفسي منه.
---