الفصل السادس
الفجر كان هادي بشكل يخوّف.
السماء رمادية، كأنها معلّقة بين ليل ونهار.
الهواء بارد أكثر من المعتاد… والهدوء ثقيل.
داخل القصر، الكل نايم.
إلا ريان.
كان جالس على طرف السرير، عيونه حمراء من السهر.
الرسالة تتكرر في رأسه كصوت مزعج:
"مو كل التوأم إخوة."
وقف فجأة.
لبس جاكيته الجلدي بسرعة.
أخذ مفاتيحه.
همس لنفسه:
"لازم أعرف… قبل لا أحد يلعب فيني."
٤:٣٠ فجراً.
سيارته تشق الطريق الصحراوي بسرعة أعلى من المعتاد.
الأنوار الأمامية تقطع الظلام، لكن إحساسه إن أحد يراقبه ما اختفى.
جواله رن.
نفس الرقم.
رد فورًا:
"وش تبي؟!"
صوت مشوش، بارد:
"إذا تبي الحقيقة… تعال للمستودع القديم شمال الأرض."
"مين أنت؟!"
الخط انقطع.
ريان ضغط البنزين أكثر.
وصل للمنطقة المهجورة قرب حدود الأرض القديمة.
المستودع واقف مثل شبح.
الأنوار مطفأة.
الأبواب صدئة.
المكان مهجور من سنين.
وقف السيارة.
نزل.
الهواء ساكن… زيادة عن اللزوم.
مشى كم خطوة.
فجأة —
أضواء قوية اشتعلت خلفه.
لف بسرعة.
سيارة دفع رباعي سوداء منطلقة نحوه.
"وش—؟!"
الصدمة كانت عنيفة.
سيارته اندفعت جانبًا.
جسمه ارتطم بالأرض.
رأسه ضرب الإسفلت.
الصوت دوّى.
الدنيا صارت ضباب.
خطوات تقترب.
ظل طويل.
صوت منخفض يقول:
"قلت لك… لا تبحث."
الظلام ابتلع كل شيء.
٦:١٢ صباحًا.
جوال سراج رن.
رقم مستشفى.
رد بثبات… لكن وجهه شحب فجأة.
"وش قلت؟!"
كنان اللي كان قريب التفت فورًا.
"وش فيه؟"
سراج أنزل الجوال ببطء.
"ريان… تعرض لحادث."
وسن شهقت.
"حادث؟ كيف؟!"
"لقوه عند المستودع القديم."
الصمت نزل مثل صدمة ثانية.
كنان سأل فورًا:
"حالته؟"
سراج:
"فاقد الوعي… لكن حي."
كلمة حي كانت الشيء الوحيد اللي منعهم ينهارون.
الممرات بيضاء، باردة، ريحة المعقمات قوية.
كنان واقف قدام غرفة الطوارئ، عيونه ما تتحرك عن الباب.
ديم وصلت بسرعة.
قالت بهدوء مباشر:
"مو حادث عادي… صح؟"
كنان بدون تردد:
"لا."
سراج قال وهو يفكر:
"المستودع بعيد عن طريقه المعتاد."
ديم سألت:
"كان رايح هناك ليه؟"
نظرة صامتة بين سراج وكنان.
كنان قال أخيرًا:
"يمكن كان يدور على الحقيقة."
ديم لاحظت الكلمة.
الحقيقة.
في زاوية بعيدة من المستشفى…
مشاعل واقفة.
لابسة نظارة شمس، رغم إن المكان داخلي.
تراقبهم.
أخرجت جوالها.
كتبت رسالة قصيرة:
"صار."
أرسلتها.
ثم همست:
"الحين يبدأ الخوف الحقيقي."
لكن للحظة…
أصابعها ارتجفت.
لأن الحادث كان أعنف مما توقعت.
هي أرادت ضغط…
مو دم.
بين الحياة والشك
بعد ساعات…
ريان فتح عيونه ببطء.
السقف أبيض.
الصوت مكتوم.
أول وجه شافه…
كنان.
جالس جنب السرير، ساكت، لكن واضح إنه ما تحرك من مكانه.
عيونه فيها تعب… وشي أعمق من التعب.
ريان همس:
"كنت… تعرف؟"
كنان انحنى قريب.
"تعرف وش؟"
"إنهم… يبون يفرقونا."
كنان مسك يد أخوه بقوة ثابتة.
قال بهدوء عميق:
"مهما صار… أنت أخوي."
الجملة كانت قوية.
لكن فيها توتر خفيف… كأنها وعد يتحدى شيء أكبر.
ريان نظر له طويلًا.
يحاول يقرأ شي خلف الكلمات.
لكن التعب غلبه.
رجع يغمض عيونه.
الكاميرا التي لم ينظر لها أحد
في نفس الوقت…
كاميرا مراقبة قديمة قرب المستودع كانت تعيد تسجيل الحادث.
في غرفة مظلمة، شخص يشاهد التسجيل.
يوقف الصورة عند لحظة نزوله من السيارة.
الوجه ما يبان.
لكن اليد واضحة.
خاتم قديم.
محفور عليه حرف:
A
الشخص يدور الخاتم بإبهامه.
ويقول بهدوء:
"المرحلة الثانية بدأت."
معلومة أخطر (زرعتها بهدوء)
في مكتب المستشفى، موظف الاستقبال يراجع بيانات ريان.
يتوقف فجأة.
يرفع حاجبه.
"غريب…"
تاريخ الميلاد مطابق.
لكن رقم السجل الطبي القديم…
ما يطابق سجل كنان.
رغم إنهم توأم.
الموظف يهز كتفيه، يكمل شغله.
لكن الشاشة ما كذبت.
العاصفة ما عادت مجرد تهديد.
صارت محاولة قتل.
وصارت حرب نفسية.
وصار السؤال أخطر من أي وقت:
هل الدم فعلاً واحد؟