الفصل 69
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
دخلت السيارة السوداء إلى أطراف المجمّع السكني المحاط بالحراسة المشددة…
ذلك المكان الذي عاشت فيه سديم عمرها كله.
تسارعت دقات قلبها بعنف.
هل عادت فعلًا؟
هل انتهى الكابوس أخيرًا؟
لم يفصلها عن منزلها سوى أمتار قليلة… أمتار فقط، لكنها بدت لها كسنوات طويلة.
توقفت السيارة فجأة.
في اللحظة نفسها تحرّك الرجال، أُخرجت الأسلحة، وتبدّلت الأجواء إلى توترٍ حاد.
قال ثائر بسخرية باردة: — وصلنا.
فتح الحراس الأبواب استعدادًا للنزول، لكن صوت إيفان خرج حاسمًا:
— ولا واحد ينزل… بنزل أنا بس.
التفت ثائر نحوه بانفجار: — لا تجنّني! بنزل معك! تبي تموت؟ الحراسة هنا مضاعفة!
رد إيفان ببرود: — قلت بنزل لحالي. مو بزر أنا… وبعدين ما أبي نكشف نفسنا. بوصلها قريب وأرجع.
زمجر ثائر: — طيب خلها تنقلع لحالها!
رمقته سديم بسخرية صامتة.
قال إيفان دون أن ينظر لأحد: — خلاص قلت بنزل لحالي .
ساد الصمت.
وبإشارة ضيقة من ثائر… أُنزلت الأسلحة.
فتح إيفان الباب، ثم أمسك يد سديم وسحبها معه.
نزلت خلفه… خطواتها مترددة، وعيناها لا تفارقان الطريق المؤدي إلى منزلها.
كانت قريبة جدًا…
قريبة لدرجة أن صدرها امتلأ بشعورٍ مؤلم من شدّة الفرح.
أخرج إيفان سلاحه احتياطًا، ثم شدّ يدها وركض بها بين الظلال.
حتى اقتربا من نطاق الحراسة…
توقفت فجأة.
استدار إليها باستغراب. — ليه وقفتي؟
قالت ببرود : — خلاص… لا تقرب أكثر. بيمسكونك.
رفع حاجبه… وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه. — أشوفك خايفة علي.
رمقته باشمئزاز واضح. — انقلع بس… قبل أصرخ وأخليهم يقبضون عليك.
استدارت لتبتعد…
لكن يده أمسكتها مجددًا.
شدّها نحوه قليلًا وقال بصوت منخفض: — لا تفكرين إنك رجعتي يعني انتهى كل شي.
حاولت سحب يدها. — اتركـ—
قاطعها بهدوء أخطر: — بوعدك إني برجع آخذك مرة ثانية. وبسوي لك حياة عُرس يليق فيك. وبوعدك… إنك بتكونين لي للأبد.
تصلّبت ملامحها.
أكمل وهو يقترب أكثر: — لا تتوهمين إني تركتك. أنا بس… رجعتك مؤقت.
أمسك يديها الاثنتين.
وضع إحداهما فوق رأسه… والأخرى فوق صدره.
كانت تشعر بدقات قلبه قوية وسريعة تحت كفها.
قال بصوت خافت لكنه ثابت: — لأنك دخلتي هنا…
ضغط يدها فوق قلبه.
— خلاص صرتي جزء مني.
ارتبكت، وسحبت يديها بسرعة وكأنها احترقت.
استدارت لتغادر، لكنه جذبها مرة أخرى.
توترت بشدة. — خلاص! أبعد عني!
اقترب خطوة، وعيناه ثابتتان عليها.
— بسوي شي قبل تروحين… يا زوجتي.
اتسعت عيناها.
وقبل أن تستوعب—
انحنى فجأة وطبع قبلة سريعة على خدها .
تجمّدت مكانها.
ابتعد فورًا، وكأنه أنهى أمرًا كان مؤجلًا.
نظر إليها آخر مرة… نظرة طويلة صامتة.
ثم قال بهدوء: — روحي.
تراجع خطوة للخلف.
وثانية…
وثالثة…
حتى ابتلعته الظلال، تاركًا سديم واقفة أمام الطريق المؤدي إلى منزلها…
حرّة أخيرًا—
.
.
.
.
.
.
استدارت…
وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
القصر…
إنه القصر فعلًا.
الأضواء، البوابة، الحديقة التي تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب… كل شيء كان كما تركته.
اندفعت تركض.
ركضت بكل ما بقي فيها من قوة، كأنها تهرب من شهرٍ كاملٍ من الظلام.
تعثرت خطواتها، لكنها لم تتوقف… حتى وصلت إلى البوابة.
عندها فقط انهارت.
انفجرت دموعها بغزارة، وخرجت شهقاتها متلاحقة بلا سيطرة.
تقدّم الحراس فورًا، وارتفعت الأسلحة بحذر…
لكنهم تجمّدوا فجأة.
حدّق أحدهم بصدمة، ثم اندفع راكضًا نحوها.
— آنسة سديم…؟!
رفعت رأسها بصعوبة، ودموعها تغرق وجهها… وأومأت.
اتّسعت ابتسامة مشعل بذهول وفرح حقيقي، واستدار صارخًا:
— نادوا السيد عبدالعزيز! والسيد زكريا بسرعة!
تجمّدت سديم عند الاسم.
همست بصوت متكسّر:
— ز… زكريا…؟
أومأ مشعل بسرعة:
— إي نعم… السيد زكريا رجع.
ارتجفت شفتاها، وابتسمت وسط بكائها… كأن روحها عادت إليها أخيرًا.
أسندها مشعل وأدخلها إلى الداخل.
.
.
.
في الداخل…
كان الصمت يخنق المكان حول طاولة العشاء.
عبدالعزيز يجلس بصمت ثقيل، وزكريا أمامه، كلاهما يأكل بلا شهية… حتى دوّت طرقات عنيفة على الباب.
توقّفا فورًا.
— سيدي! سيدي!
وقف الاثنان في لحظة واحدة، وسُحبت الأسلحة دون تفكير.
تقدّما بحذر…
فتح عبدالعزيز الباب سريعًا—
ليتجمّد الحارس أمامه، والفرح يغمر وجهه.
— وش فيه؟
وقبل أن يجيب…
ظهرت خلفه.
باهتة… منهكة… مرتجفة…
لكنها حيّة.
كانت سديم واقفة يستند جسدها على مشعل.
سقط السلاح من يد زكريا.
ارتطم بالأرض بصوتٍ حاد… لكنه لم يسمعه.
عيناه اتسعتا بجنون، وكأن عقله يرفض تصديق ما يرى.
همس بصوت مخنوق: — …سديم؟
رفعت رأسها نحوه.
وما إن التقت أعينهما—
انهارت: — زكريا…
لم يشعر بنفسه.
اندفع نحوها بسرعةٍ كاسحة، وسحبها إلى صدره بقوةٍ عنيفة حتى كادت قدماها ترتفعان عن الأرض.
— رجعتي… رجعتي يا نور عيوني…!
كان صوته يرتجف، وأنفاسه متقطعة، ودموعه تنزل دون أن يشعر بها.
احتضنها بجنون، كأنه يخشى أن تُسحب منه مجددًا.
ثم أبعدها فجأة…
أمسك وجهها بكلتا يديه.
راح يحرّك وجهها يمينًا ويسارًا بلهفةٍ مرعبة، يتفحّص عينيها، خدّيها، جبينها، كأنّه يبحث عن جرحٍ خفي.
— انتي بخير؟ تكلمي!
— فيك شي؟ أحد لمسك؟ أحد أذاك؟!
يداه المرتجفتان انتقلتا إلى كتفيها، ثم إلى ذراعيها، يتحسسها بجنون ليتأكد أنها سليمة… حقيقية… أمامه.
— والله لو صار لك شي… والله—
اختنق صوته، فعاد يحتضنها بقوة أكبر، دافنًا رأسها في صدره وكأنه يخفيها داخله.
تشبثت به سديم باكية بحرقة، أصابعها تقبض على قميصه كطفلة نجت أخيرًا.
اقترب عبدالعزيز ببطء… وعيناه تلمعان بصدمة لم يحاول إخفاءها.
مد يده ولمس رأسها بحذر، وكأنه يخشى أن تتلاشى.
— الحمدلله…
خرجت منه كأنها نفس احتبسه شهرًا كاملًا.
— س… سديم… هذي انتي فعلًا…؟
ثم جذبها من الخلف واحتضنها بقوة، يضمها بينه وبين زكريا.
لحظة اختلطت فيها الأنفاس والدموع والارتجاف…
ثلاثتهم متشبثون ببعض، وكأن الفقد كان على بعد خطوة واحدة فقط.
رفع عبدالعزيز رأسه فجأة صارخًا للحراس: — سكّروا البوابات! محد يدخل ولا يطلع!
عاد ينظر إليها بقلق شديد: — مين جابك؟ كيف رجعتي؟
لكن سديم لم تستطع الإجابة.
كانت ما تزال ممسكة بزكريا… تخشى أن تتركه فتستيقظ من هذا الحلم.
أما زكريا…
فلم يتركها لحظة.
وكأن العالم كله توقّف عند تلك العتبة—
لحظة عودة الروح…
بعد شهرٍ كاملٍ من الفقد.