اليوم العاشر
"مائدة الرحمن.. والشارع الذي يسع الجميع"
قبل الأذان بنصف ساعة، كان الشارع تحت بيت الجدة هنية يتحول إلى ما يشبه خلية نحل يقودها "عادل"؛ فقد خلع ملابس العمل وارتدى "مريلة" المطبخ، ووقف مع شباب الحارة يرصون الطاولات الطويلة التي امتدت لتسد الشارع تماماً. في الجهة الأخرى، كان "عمر" يقف عند مدخل الحارة يوزع التمر والعصير على السيارات المارة وهي تحاول اللحاق ببيوتها، صائحاً بمرح: "هدي السرعة يا كابتن.. الفطار عندنا أحلى من مخالفات الرادار! اللي هتقابلكوا
من البلكونة، كانت "سلمى" تراقب المشهد بدهشة وهي ترى "رجل أعمال" تعطلت سيارته الفارهة، فجلس بتواضع بجانب "عامل بسيط" بملابسه المتربة، وكلاهما ينتظر الأذان وصحن "الشوربة" ذاته. قالت سلمى لجدتها: يا تيتا، تعالي بصي كده، المنظر عجيب جدا! إزاي الناس دي كلها، اللي ميعرفوش بعض ومن مستويات مختلفة خالص، قاعدين كأنهم عيلة واحدة؟ مفيش حواجز ولا برستيج!
ضحكت الجدة "هنية" وهي تضع "لفائف قمر الدين" في الأكواب، وقالت بحكمة: ده مش مجرد أكل يا بنتي، ده جبر خاطر. المائدة دي مسمهاش مائدة فلان، دي اسمها (مائدة الرحمن)، والرحمن بيساع الكل. زمان يا سلمى، كان الشارع هو صالتنا الكبيرة. اللي ملقاش لقمة يقعد، واللي مالحقش يروح بيته يقعد، واللي معاه فلوس ومش لاقي ونس يقعد. هنا الغني بياكل لقمة الفقير، والفقير بيحس إنه سيد المكان
تابعت الجدة وهي تشير لـ "زينب" التي كانت تنزل من السلم حاملة قدوراً ضخمة من الأرز، وتوزع المهام بحزم القائد: شوفي يا سلمى، المائدة دي هي ميزان ربنا في الأرض. هنا مفيش وزير وغفير، فيه صايم وبس. اللقمة اللي بتتاكل في الشارع دي فيها بركة مش موجودة في أفخم الفنادق، لأنها مدهونة بـ عرق الجدعنة ومسقية بـ (الستر). الشارع في رمضان مبيكونش طريق، بيبقى قلب كبير سقفُه السما.
صاح عادل من تحت وهو ينادي بصوت رخيم: يا فلان.. يا علان.. قربوا! المائدة دي (VIP) بدعوات الناس الطيبة، نظرت زينب لسلمى وقالت: انزلي يا سلمى ساعدي أبوكي، سيبي الموبايل واللايكات، وجربي إحساس إنك تدي حد لقمة وهو في عز جوعه وعطشه.. ده هو (التريند) الحقيقي اللي بيوصل للسما.
الرسالة المستفادة:
"مائدةُ الرحمن هي مدرسة المساواة الكبرى." في رمضان، يذوب الجليد بين الطبقات، ويتحول الشارع إلى "حرم" آمن يسع الجميع. العطاء ليس مجرد فضل، بل هو واجب يطهر القلوب. تذكروا أن بركة رمضان ليست في جودة الأصناف، بل في "اتساع الصدور" قبل اتساع الموائد، وأن اللقمة التي تُطعم بها عابر سبيل أو جائعاً هي التي تفتح لك أبواب الرضا والقبول وتقودك إلي الجنة
الخاتمة:
نزل الجميع وشاركوا في الخدمة، وعندما انطلق الأذان، ساد صمت مهيب للحظات، لم يُسمع فيه إلا صوت الملاعق ودعوات غريبة تخرج من القلوب الصادقة.
قال عمر وهو يمسح عرق جبينه: تصدقي يا تيتا، أنا اكتشفت إن (سيلفي) الشارع أحلى بكتير، لأن الوجوه كلها منورة بنور الرضا، مش بنور الفلاتر!" ضحكت الجدة وقالت: عشان دي وجوه (صافية) يا عمر .. والصفاء هو أحلى زينة للبني آدم. ربنا يديمها مائدة، ويجعل الشارع دايماً عامر بذكر الله وجدعنة أهله.