سابع جيران - يوم الذي لم يعد هناك صراخ - بقلم هدى السبع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سابع جيران
المؤلف / الكاتب: هدى السبع
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: يوم الذي لم يعد هناك صراخ

يوم الذي لم يعد هناك صراخ

لم يعد هناك صراخ داخلي. الصوت الذي كان يهمس باسمي – أو باسم ما تبقى مني – اختفى تماماً، كأنه غُرق في بحر من السكون الأسود. المدينة لم تعد تمشي داخلي فقط... بل أصبحت أنا المدينة، والمدينة أصبحت أنا. كل مبنى كان ينبض بنبضي، كل شارع كان يتنفس مع أنفاسي، كل نافذة كانت عيني. وقفتُ في وسط الساحة الكبيرة، والناس حولي يتحركون ببطء، كأنهم في حلم بطيء. لم يعودوا ينظرون إليّ كغريبة. كانوا ينظرون إليّ كأنهم ينظرون إلى أنفسهم. كل عين سوداء، كل ابتسامة هادئة، كل حركة متزامنة مع حركتي. رفعتُ يدي ببطء. رفع الجميع أيديهم في نفس اللحظة. كأنني أتحكم في دمى، أو كأنهم أنا، أو كأن لا فرق بعد الآن. فجأة، شعرتُ بشيء غريب: رغبة في الصراخ. لم تكن رغبة قوية، بل خافتة، بعيدة، كأنها تأتي من مكان نسيته. حاولتُ أن أفتح فمي... لكن الشفاه لم تتحركا. حاولتُ أن أصرخ... لكن الصوت لم يخرج. بدلاً من ذلك، خرج من كل الأفواه حولي همس جماعي، هادئ، متزامن: «لا حاجة للصراخ. الصراخ ينتهي... حين لا يبقى ما يخاف.» أغلقتُ عينيّ – أو أغلقنا عيوننا. في الظلام خلف الجفون، لم يكن هناك ظلام. كان هناك ضوء أسود، لا نهائي، يمتد في كل اتجاه. وفي وسط هذا الضوء، رأيتُ نقطة صغيرة، بيضاء، خافتة جداً. اقتربتُ منها – أو اقتربنا. كلما اقتربنا، كبرت النقطة، وأصبحت شكلاً... شكل طفلة صغيرة، تجلس على الأرض، تحضن ركبتيها، تبكي بصمت. كانت تشبهني... ليلى التي كنتُها في الطفولة. الطفلة رفعت رأسها، نظرت إليّ بعينين دامعتين، وقالت بصوت طفولي مكسور: «أريد أن أعود إلى البيت.» ابتسمتُ – أو ابتسمنا. «البيت هنا»... قلنا. «البيت هو نحن.» مددنا يدنا نحو الطفلة. الطفلة نظرت إلى اليد الممدودة، ثم إلى وجوهنا الكثيرة، ثم بدأت تبكي بصوت أعلى... لكن بدون دموع. «لا... أريد البيت الحقيقي.» اليد امتدت أكثر. الطفلة حاولت التراجع، لكن لا مكان للتراجع في هذا الفضاء. في اللحظة التي لمست يدنا يدها... توقف بكاؤها. عيناها أصبحتا سوداوين تدريجياً. ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادئة، مطمئنة. «الآن... أنا في البيت.» اندمجت الطفلة في الضوء الأسود، واختفت. لم يعد هناك صوت بكاء. لم يعد هناك طفلة. لم يعد هناك أي شيء يقاوم. فتحنا عيوننا – أو فتحتُ عيوني. الساحة كانت فارغة. الناس اختفوا. النافورة توقفت عن التدفق. المدينة كلها صامتة تماماً. لكن في صمتها... كنتُ أسمع نفسي. صوت واحد، هادئ، لا ينتهي: «مرحباً بكِ... في المنزل الأبدي.»