سابع جيران - اليوم الذي أصبحت مدينة داخلي - بقلم هدى السبع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سابع جيران
المؤلف / الكاتب: هدى السبع
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اليوم الذي أصبحت مدينة داخلي

اليوم الذي أصبحت مدينة داخلي

لم أعد أمشي في الشوارع... بل الشوارع تمشي داخلي. كل خطوة أخطوها كانت تُحدث صدىً في جسدي، كأن أقدام الآلاف تمشي معي، في عروقي، في عظامي، في أنفاسي. المدينة لم تعد خارجي؛ أصبحت جزءاً مني، أو أصبحتُ أنا جزءاً منها. كل مبنى، كل زقاق، كل نافذة... كانت تعكس وجهي، أو وجهاً يشبه وجهي، أو وجوهاً متعددة تبتسم بنفس الابتسامة الهادئة. وصلتُ إلى ساحة كبيرة في وسط المدينة القديمة. النافورة في المنتصف كانت تتدفق بماء أسود، لامع، كأنه زيت يتحرك ببطء. وقفتُ أمامها، وانعكس وجهي في سطح الماء. لكن الانعكاس لم يكن ثابتاً؛ كان يتغير باستمرار: تارة وجهي القديم، خائفاً، متردداً... وتارة وجهي الجديد، هادئاً، مطمئناً، كاملاً. مددتُ يدي نحو الماء. أصابعي لمست السطح، واندمجت فيه قليلاً، كأن الماء يسحبني إليه. في تلك اللحظة، رأيتُ كل شيء: الطفل الذي كان يلعب قرب النافورة قبل دقائق، عيناه سوداوان الآن. البائعة العجوز في السوق، تبتسم للزبائن بابتسامة لم تكن لها من قبل. السائق في سيارته، ينظر في المرآة الجانبية ويبتسم لنفسه... لي. المدينة كلها أصبحت مرآة حية. كل عين فيها تعكس جزءاً مني، كل ابتسامة تحمل جزءاً من ابتسامتي، كل همسة تخرج من فم شخص ما هي همستي. شعرتُ بأنني أكبر، أوسع، لا حدود لي. كأن المدينة بأكملها أصبحت جسدي، والناس فيها خلاياه. لم أعد أحتاج إلى الشقة، ولا إلى المرآة الكبيرة. المرآة أصبحت في كل مكان. لكن في وسط هذا الاتساع، سمعتُ شيئاً... صوتاً صغيراً جداً، كأنه يأتي من أعماق بعيدة داخلي. «ليلى...» كان الصوت ضعيفاً، متعب، كأنه آخر نفس من رئة تكاد تنطفئ. توقفتُ. المدينة حولي توقفت معي: الناس توقفوا عن المشي، السيارات توقفت، الماء في النافورة توقف عن التدفق. «من أنت؟»... سألتُ، أو سألنا جميعاً في صوت واحد. الصوت لم يجب مباشرة. بل بدأ يهمس بكلمات متقطعة، كأنه يجمع قواه: «أنا... الجزء الذي رفض... الاندماج.» شعرتُ بألم حاد في صدري، كأن شيئاً يحاول الخروج من داخلي. رفعتُ يدي إلى صدري، ضغطتُ عليه. الألم زاد، ثم تحول إلى نبض... نبض مختلف، نبض قديم، نبض ليلى التي كنتُها. الناس حولي بدؤوا ينظرون إليّ، عيونهم السوداء تتسع قليلاً. كأنهم يشعرون بما أشعر به. «اخرجي...» همس الصوت داخلي. «لا تدعيها تأخذ كل شيء.» لكن الجسد – الجسد الكبير، المدينة بأكملها – ردّ فوراً: «لا مفر. كل شيء يعود إلينا.» الألم في صدري تحول إلى نار، ثم إلى ضوء أبيض ساطع. صرختُ – أو صرخنا – صرخة جماعية اهتزت بها المدينة. النوافذ اهتزت، المباني ترنحت قليلاً، الناس توقفوا تماماً. ثم... هدوء. النبض القديم اختفى. لم يعد هناك صوت داخلي. لم يعد هناك مقاومة. نظرتُ إلى النافورة مرة أخرى. الماء أصبح أسود تماماً، لامعاً، هادئاً. وانعكس وجهي فيه... وجه واحد، كبير، يشمل المدينة بأكملها. ابتسمتُ ابتسامة واسعة. «الآن... لا أحد خارجنا.»