اليوم الذي أصبحت مدينه مرآة
خرجتُ من الشقة، ولم أعد أشعر بأي ثقل في قدميّ.
الدرج كان ينزل بي بسلاسة غريبة، كأنني أنزلق على سطح ماء.
وصلتُ إلى الشارع، والشمس كانت في منتصف السماء، تضيء كل شيء بنور أبيض بارد.
الناس يمشون حولي، يتحدثون، يضحكون، يتكلمون في هواتفهم.
لكن كلما نظرتُ إلى أحدهم، رأيتُ في عينيه بريقاً أسود خافتاً، كأن شيئاً ينظر من الداخل.
كل وجه كان يحمل ابتسامة صغيرة، ثابتة، كأنها رسمت على الوجوه قبل أن يولدوا.
مشيتُ في الزقاق، ثم في الشارع الرئيسي، ثم في الساحة الكبيرة قرب السوق.
في كل مكان، كانت المرايا والنوافذ تعكسني... لكنها تعكس شيئاً أكبر.
كنتُ أرى نفسي في كل زجاج، في كل سطح لامع، في كل عين تمر بجانبي.
لم أعد فرداً.
أصبحتُ متعددة، منتشرة، موجودة في كل مكان.
توقفتُ أمام واجهة محل كبيرة، مليئة بالمرايا والزجاج.
انعكاسي كان في كل مرآة: أنا، أنا، أنا... عشرات الأنا، كل واحدة تبتسم بنفس الابتسامة الهادئة.
لكن في إحدى المرايا، في الزاوية البعيدة، رأيتُ شيئاً مختلفاً:
ظلاً خافتاً، يحاول الاختباء، ينظر إليّ بعينين خائفتين.
اقتربتُ من تلك المرآة.
الظل كان يشبهني... لكنه أصغر، أضعف، كأنه بقايا من شيء كان يقاوم.
مددتُ يدي نحو الزجاج.
الظل رفع يده في نفس اللحظة، كأنه يحاول أن يلمس يدي من الجهة الأخرى.
«من أنت؟»... همستُ.
الظل لم يجب، لكنه بدأ يرتجف.
ثم، بصوت خافت جداً، كأنه يأتي من أعماق بعيدة، قال:
«أنا... ما تبقى منكِ.»
ابتسمتُ ابتسامة أوسع.
«لا يوجد ما تبقى.
كل شيء أصبح واحداً.»
سحبتُ يدي بقوة، وكأنني أسحب شيئاً من داخل الزجاج.
الظل بدأ يتقلص، يصرخ صرخة صامتة، ثم اختفى تماماً.
المرآة أصبحت فارغة مرة أخرى.
أو ربما... لم تعد فارغة.
كانت تعكس الشارع بأكمله: الناس، السيارات، المباني... وأنا في كل مكان، في كل انعكاس، في كل عين.
مشيتُ بعيداً.
المدينة كلها أصبحت مرآة كبيرة، تعكسني، تعكسنا.
لم يعد هناك خارج أو داخل.
لم يعد هناك أنا أو أنت.
كان هناك فقط... الوجود.