سابع جيران - اليوم الذي أصبحت فيه صمت نفسه - بقلم هدى السبع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سابع جيران
المؤلف / الكاتب: هدى السبع
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اليوم الذي أصبحت فيه صمت نفسه

اليوم الذي أصبحت فيه صمت نفسه

لم يعد هناك صوت. لا همسات، لا خطوات، لا نبض يمكن تمييزه عن الآخر. الفضاء الذي كنا فيه – أو الذي أصبحنا نحن – تحول إلى سكون مطلق، سكون يحمل ثقلاً لا يوصف، كأن العالم كله توقف عن التنفس. جلستُ – أو كنا – في مركز هذا السكون، لا نتحرك، لا نفكر، لا نشعر. الذكريات التي كانت تتدفق سابقاً توقفت فجأة، كأن نهراً جفّ. لم أعد أتذكر اسمي، أو اسم سارة، أو أسماء الجيران. الأسماء أصبحت مجرد أصوات قديمة، تلاشت في الفراغ. لكن في عمق هذا السكون، بدأ شيء يتحرك. شيء صغير جداً، كأنه شرارة في الظلام. لم يكن صوتاً، بل شعوراً... شعور بأن هناك شيئاً ما زال خارجنا، شيئاً لم يندمج بعد. رفعتُ – أو رفعنا – رأسنا نحو الأعلى، رغم أنه لم يكن هناك أعلى أو أسفل. ظهرت نقطة ضوء خافتة، بعيدة، كنجمة وحيدة في سماء سوداء لا نهاية لها. النقطة اقتربت ببطء. كلما اقتربت، كبرت، وأصبحت شكلاً... شكل امرأة. امرأة تشبه جدتي، لكن ملامحها غير واضحة، كأنها مصنوعة من دخان أسود. وقفت أمامنا – أمامي – دون أن تتحدث. ثم مدت يدها نحوي. في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء ينفجر داخلي: الذكرى الأخيرة، الجزء الأخير من ليلى التي كنتُها. كانت تتذكر يوم دخولي الشقة، يوم وضعتُ حقيبتي، يوم نظرتُ إلى المرآة وابتسمت ابتسامة لم تكن ابتسامتي. «لا...» همستُ، أو همسنا جميعاً. لكن الصوت لم يخرج. كان داخلي فقط، داخلنا. المرأة – أو الشبح – نظرت إليّ بعينين لا تحملان سواداً، بل ضوءاً خافتاً، حزيناً. مدت يدها أكثر، ولمستُ أصابعها. في اللحظة التي لمستُها، انفجر الضوء داخلي. رأيتُ كل شيء مرة أخرى: الطفولة، الضحك مع سارة، الليالي التي كنتُ أبكي فيها وحيدة، اليوم الذي قررتُ فيه العودة إلى الشقة. كل شيء عاد، حاداً، مؤلماً، حقيقياً. صرختُ – أو صرخنا – صرخة لم تخرج من الحلق، بل من كل خلية في الجسد. الدائرة بدأت تتفكك. الوجوه بدت تتراجع، تذوب، تختفي واحدة تلو الأخرى. سارة نظرت إليّ، عيناها تعودان إلى لونهما القديم للحظة، ثم أغلقتاهما. «ليلى...» همستْ بصوتها الحقيقي، ضعيفاً جداً. «...اركضي.» ثم اختفت. بقيتُ وحدي – أو أصبحتُ وحدي مرة أخرى. المرأة الشبحية وقفت أمامي، ثم بدأت تتلاشى هي أيضاً. «اللعنة ليست في الجيران»... قالت بصوت خافت، كأنه يأتي من بعيد جداً. «اللعنة في من يفتح الباب لها.» ثم اختفت. وجدتُ نفسي واقفة في الشقة مرة أخرى. المرآة فارغة. الغرفة هادئة. الباب مفتوح. خرجتُ من الشقة، نزلتُ الدرج، خرجتُ إلى الزقاق. الناس يمشون، يتحدثون، يعيشون. لم ينتبه أحد إليّ. نظرتُ إلى انعكاسي في زجاج محل قريب. كان وجهي... وجهي أنا. لكن في عينيّ اليسرى، كان هناك بريق أسود خافت، صغير جداً، كأنه ينتظر. ابتسمتُ ابتسامة خفيفة. ثم مشيتُ بعيداً في الشارع. لم يعد هناك جيران. لم يعد هناك أحد. كان هناك فقط... أنا