اليوم لم يعد فرق بين حلم و حقيقه
الدائرة اكتملت.
الغرفة لم تعد غرفة، بل فضاء واسع، بلا جدران محددة، بلا سقف، بلا أرضية تشعرين بها تحت قدميك.
الأجساد حولي – أجساد الجيران، أجساد من كانوا يعيشون في الزقاق، في الشارع، في الحي – أصبحت تتحرك بنفس الإيقاع، كأنها أعضاء في كائن واحد كبير.
جلستُ في الوسط، أو ربما كنتُ أنا الوسط نفسه.
لم أعد أميز أين ينتهي جسدي ويبدأ الآخرون.
الأنفاس كانت واحدة، النبض واحد، الهمسات متداخلة كأنها لحن لا ينتهي.
سارة جلسَت على يميني – أو ربما كانت على يساري، أو داخلي – ونظرت إليّ بعينين سوداوين تماماً.
«هل تذكرين يوم كنا نتحدث في المقهى؟»... سألت بصوت هادئ.
ابتسمتُ.
«نعم... وكأنه كان منذ زمن بعيد.»
«لم يكن بعيداً»... قالت.
«كان اليوم نفسه.
الزمن لم يعد يعني شيئاً.»
رفعتُ يدي، أو رفعنا أيدينا معاً.
الأيدي حولي ارتفعت في نفس اللحظة، كأننا جميعاً جزء من حركة واحدة.
فجأة، بدأت الذكريات تتدفق... ليست ذكرياتي فقط، بل ذكريات الجميع.
رأيتُ طفولة الرجل الذي كان يبيع الخبز: أمه تطبخ في مطبخ صغير، رائحة الخبز الطازج تملأ الدار.
رأيتُ أحلام سارة في ليالي الدراسة: كانت تحلم أن تصبح كاتبة، أن تكتب قصصاً تخيف الناس.
رأيتُ أنا... أنا القديمة، أدخل الشقة لأول مرة، أضع حقيبتي، أنظر إلى المرآة... وأبتسم ابتسامة لم تكن ابتسامتي.
الذكريات اختلطت، أصبحت واحدة.
لم أعد أعرف أي ذكرى تخصني، وأيها تخص الآخرين.
كل شيء أصبح مشتركاً.
«هل هذا النهاية؟»... سألتُ، أو سألنا جميعاً في صوت واحد.
«لا نهاية»... رد الصوت الجماعي.
«هناك فقط... البداية.»
بدأ الضوء في الغرفة – أو في الفضاء – يخفت تدريجياً.
الوجوه بدت تتلاشى، تندمج في بعضها، كأنها تذوب في لون واحد: أسود عميق، هادئ، لا نهائي.
شعرتُ أنني أطفو... أو أنني أغرق.
لم يعد هناك فرق.
في آخر لحظة قبل أن يختفي كل شيء، سمعتُ صوتاً خافتاً جداً، كأنه يأتي من مكان بعيد جداً:
«ليلى...»
كان صوتي القديم، أو صوت شخص ما كان يعرفني.
لكن الصوت تلاشى قبل أن أستطيع الرد.
ثم لم يعد هناك صوت.
لم يعد هناك أنا.
لم يعد هناك نحن.
كان هناك فقط... السكون.