اليوم الذي بدأت ارى نفسي من خارج
بعد أن ابتسمت سارة تلك الابتسامة الهادئة، المطمئنة، وقفتُ بجانبها أمام المرآة الكبيرة.
كنا الاثنتين الآن داخل الانعكاس... وخارجه في الوقت نفسه.
المرآة لم تعد تعكس الغرفة كما كانت؛ أصبحت نافذة إلى مكان آخر، مكان أكثر هدوءاً، أكثر صفاءً، أكثر... كمالاً.
نظرتُ إلى سارة، أو إلى ما أصبحت عليه الآن.
عيناها كانتا سوداوين تماماً، كالبؤبؤ يبتلع البياض، وابتسامتها ثابتة كأنها رسمت على وجهها.
لم تعد تخاف.
لم تعد تسأل.
«كيف تشعرين الآن؟»... سألتُها بصوتي الجديد، النقي.
نظرت إليّ، ثم إلى نفسها في المرآة، ثم قالت بهدوء:
«...أشعر أنني كاملة.»
ابتسمتُ.
كنا نتحدث بنفس النبرة، نفس الإيقاع، نفس الكلمات تقريباً.
كأننا نسختان من بعضنا، أو كأننا واحدة مقسمة إلى جسدين.
مشينا معاً داخل الغرفة – أو خارجها، لم أعد أميز.
الجدران بدت أبعد، السقف أعلى، والأثاث بدأ يتلاشى تدريجياً، كأنه يذوب في ضباب خفيف.
الرائحة المعدنية التي كانت تملأ المكان اختفت، وحلّ محلها رائحة خفيفة، شبيهة برائحة المسك البارد.
جلستُ – أو جلستا – على الأريكة.
لم أعد أشعر بوزن الجسد.
كأنني أطفو داخل جسدي، أو أطفو خارجه.
«ما الذي سنفعله الآن؟»... سألت سارة، أو ما تبقى منها.
«سننتظر»... أجبتُ.
«الآخرين سيأتون.
الجيران الستة ناموا منذ زمن، لكن السابع... لا ينام.
وسيجمعنا كلنا.»
فجأة، سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب.
ليس طرقاً عادياً.
كان طرقاً يشبه نبضاً، كأن قلباً يخفق خارج الشقة.
نظرتُ إلى سارة.
ابتسمت لي بنفس ابتسامتي.
نهضنا معاً، مشينا نحو الباب.
لم نفتحه.
الباب فتح نفسه لوحده.
كان هناك شخص يقف في المدخل: جار من الطابق السفلي، الرجل الذي كان يحييني دائماً بابتسامة كل صباح.
لكن عينيه الآن كانتا سوداوين، وابتسامته ثابتة.
«مرحباً»... قال بصوت هادئ.
«جئتُ لأنضم إليكما.»
دخل، وأغلق الباب خلفه.
لم يعد هناك حاجز بين الداخل والخارج.
جلسنا الثلاثة معاً.
لم نتحدث كثيراً.
كنا نعرف ما يفكر به الآخر، لأننا أصبحنا جزءاً من بعض.
ثم سمعتُ طرقاً آخر، أخف هذه المرة.
ثم آخر.
الجيران بدؤوا يأتون واحداً تلو الآخر.
كل واحد يدخل بهدوء، يبتسم، يجلس.
عيونهم سوداء، ابتساماتهم هادئة، أصواتهم واحدة.
الغرفة أصبحت مليئة.
لكن لم يكن هناك صخب.
فقط هدوء.
هدوء كامل.
نظرتُ إلى المرآة مرة أخيرة.
لم يعد فيها أحد.
لأننا كنا كلنا داخلها الآن.
وخارجها.
وسنبقى هكذا... إلى الأبد.