سابع جيران - اليوم الذي أصبحت انا و المرآة واحد - بقلم هدى السبع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سابع جيران
المؤلف / الكاتب: هدى السبع
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اليوم الذي أصبحت انا و المرآة واحد

اليوم الذي أصبحت انا و المرآة واحد

خرجتُ من الشقة في الصباح الباكر، والشمس ما زالت خجولة فوق أسطح المدينة القديمة. مشيتُ بخطوات منتظمة في الزقاق الضيق، كأن قدميّ تعرفان الطريق دون حاجة إلى تفكير. الناس يمرون بجانبي: بائع يدفع عربة خضار، امرأة تحمل سلة، أطفال يركضون نحو المدرسة. كنتُ أنظر إليهم بنظرة جديدة... نظرة من بعيد، كأنهم أشكال تتحرك في لوحة قديمة، لا أكثر. لم أعد أشعر بالارتباط بهم. لم أعد أتذكر أسماءهم، أو ضحكاتهم، أو حتى الطريقة التي كانوا يحيونني بها سابقاً. كانوا ظلالاً تتحرك في ضوء النهار، ثم تختفي مع غروب الشمس. وصلتُ إلى مقهى صغير في نهاية الزقاق، جلستُ على طاولة خارجية، طلبتُ قهوة سوداء بدون سكر. النادل، رجل طاعن في السن، نظر إليّ بابتسامة مألوفة وقال: «صباح الخير يا ليلى، غبتِ عنا فترة طويلة.» نظرتُ إليه بهدوء تام. لم أشعر بأي دفء تجاهه. لم أتذكر اسمه، رغم أنه كان يناديني بالاسم كل مرة أجلس في المقهى. ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وقُلتُ بصوت هادئ: «صباح النور.» جاءت القهوة. شربتُ رشفة صغيرة. الطعم كان غريباً... كأنني أتذوق القهوة لأول مرة، أو ربما لآخر مرة. لم يعد له طعم يذكرني بشيء. رفعتُ عينيّ نحو الشارع. طفل صغير يركض خلف كرة، أمه تناديه باسمه. فتاة تمشي مع صديقتها، تضحك بصوت عالٍ. رجل يحمل حقيبة عمل، يتكلم في هاتفه بغضب. كلهم بدوا لي كأشكال تتحرك في خلفية، لا أكثر. لا ارتباط، لا شعور، لا ذكريات مشتركة. كأنني أنظر إليهم من خلف زجاج سميك، لا يمكن اختراقه. فجأة، رأيتُ سارة تقترب من بعيد. كانت تمشي بسرعة، عيناها تبحثان في الوجوه، ثم توقفت حين رأتني. «ليلى!» صاحت بفرح ممزوج بقلق، وركضت نحوي. وقفتُ ببطء، ابتسمتُ لها ابتسامة هادئة. احتضنتني بقوة، وقالت وهي تلهث: «الحمد لله! كنتِ ما ترديش على التليفون، خفت عليكِ. إيش صار معاكِ؟ الشقة دي...» تركتني من حضنها، نظرت إليّ في عينيّ. توقفت كلمتها في حلقها. «ليلى... عيونك...» همستْ بصوت مرتجف. «سوداء أكثر من المعتاد. كأن البؤبؤ كبير جدًا.» نظرتُ إليها بهدوء. «ربما لأن الضوء قليل اليوم.» جلستْ أمامي، أمسكت يدي بقوة. «ليلى، أنتِ مش طبيعية. صوتك هادئ جداً، وجهك... مختلف. تعالي معايا دلوقتي، نروح لدكتور أو شيخ، أي حد.» رفعتُ يدي الأخرى، وضعتها فوق يدها بلطف. «لا داعي للقلق، سارة. أنا بخير.» لكن في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء داخلي يتحرك. الصوت القديم – صوت ليلى الأصلية – همس بضعف داخل رأسي: «سارة... ساعديني... لا تتركيني...» لكن الجسد – جسدي الجديد – ردّ عليه فوراً، بقوة أكبر: «سكتي. حان وقت الراحة.» نظرتُ إلى سارة بعينين هادئتين. «تعالي معي إلى الشقة. أريد أن أريكِ شيئاً.» نهضتُ، ومشيتُ أمامها نحو الزقاق. تبعتني بخوف واضح، لكنها لم ترفض. كنتُ أعرف أنها لن تخرج من الشقة بنفس الطريقة التي دخلت بها.