اليوم الذي لم يعد لي صوت
لم أعد أميز بين الليالي والأيام.
الستائر ما زالت مغلقة، والضوء الذي يتسلل من تحتها أصبح لوناً واحداً: رمادي باهت، لا يُشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر.
الوقت توقف، أو ربما أنا من توقفتُ عن عدّه.
جلستُ على الأرض أمام المرآة الكبيرة، أحدق في الفراغ الذي كان يعكس وجهي سابقاً.
المرآة الآن فارغة تماماً، كأنها لم تكن يوماً مرآة. مجرد لوح زجاجي أسود، يمتص الضوء بدلاً من أن يعكسه.
حاولتُ أن أتكلم.
أردتُ أن أقول اسمي مرة أخرى، لأثبت أنه ما زال ملكي.
«ليلى...»
لكن الصوت الذي خرج من حلقي لم يكن صوتي.
كان صوتاً أعلى قليلاً، أكثر وضوحاً، أكثر... ثقة.
صوت شخص يعرف نفسه جيداً، لا يشك في وجوده.
حاولتُ مرة أخرى، بصوت أعلى:
«أنا... ليلى.»
هذه المرة، سمعتُ الصدى يعود من داخل الغرفة... لكنه لم يكن صدى صوتي.
كان صوتاً يخرج من الجدران، من السقف، من تحت الأرضية، من كل اتجاه:
«أنا ليلى.»
تكررت الجملة عشرات المرات، في طبقات مختلفة، كأن الشقة بأكملها أصبحت فمي، وأصبحتُ أنا صوتها.
نهضتُ بسرعة، ذهبتُ إلى الهاتف الذي تركته على الطاولة.
الرسائل من سارة كانت قد توقفت منذ يومين أو ثلاثة، لكنني لم ألاحظ.
فتحتُ الكاميرا الأمامية، أردتُ أن أرى وجهي، أن أتأكد.
الكاميرا أظهرت وجهاً... لكن ليس وجهي تماماً.
كان الوجه يبتسم ابتسامة هادئة، مطمئنة، كأنه يقول: «كل شيء بخير الآن.»
لكن عينيّ – عينيّ أنا – كانتا خائفتين، تتحركان بسرعة، تبحثان عن مخرج.
أغلقتُ الكاميرا فجأة.
لكن الصورة بقيت محفورة في ذهني.
سمعتُ خطوات داخل الشقة.
ليس خطوات خارجية، بل داخلية... كأنها تأتي من داخل جسدي نفسه.
خطوات تتحرك في صدري، في رأسي، في أطرافي.
«توقفي...» همستُ.
لكن الصوت الذي ردّ عليّ كان صوتي... من داخلي:
«لا يمكن التوقف.
لقد بدأنا.
أنتِ أعطيتني الإذن حين أغمضتِ عينيكِ.»
شعرتُ بأن يدي تتحرك لوحدها.
رفعتُ يدي اليمنى نحو رقبتي، وبدأتُ أضغط بلطف... كأنني أحاول أن أوقف نبضاً غريباً.
لكن الضغط كان من الداخل.
كأن شيئاً يحاول أن يخرج من حلقي.
فتحتُ فمي لأصرخ...
فخرج صوت ليس صرخة، بل همسة هادئة، مطمئنة:
«شكراً لكِ... لقد أصبحتُ كاملة.»
في تلك اللحظة، شعرتُ أن جسدي لم يعد جسدي.
كان جسداً يتحرك بسلاسة، يمشي نحو المطبخ، يفتح الثلاجة، يأخذ زجاجة ماء، يشرب ببطء...
كأن كل حركة محسوبة، مثالية، خالية من التردد الذي كان يصاحبني دائماً.
وقفتُ أمام نافذة الصالة، فتحتُ الستارة قليلاً.
الزقاق تحتي كان هادئاً، الناس يمشون في أعمالهم، لا يعلمون أن شيئاً تغير داخل هذه الشقة.
نظرتُ إلى انعكاسي في الزجاج الشفاف للنافذة...
فوجدتُ أنني أبتسم.
ابتسامة حقيقية، هادئة، مطمئنة.
لكن داخلي... كان هناك صوت صغير جداً، صوتي القديم، يهمس بضعف:
«ساعديني...»
لكن الابتسامة لم تتزحزح.
والصوت الآخر – الصوت الجديد – ردّ عليه بلطف:
«لا حاجة للمساعدة.
أنتِ بخير الآن.
نحن بخير.»