اليوم لم يعد فرق بين داخل وخارج
استيقظتُ – أو هكذا اعتقدتُ – والشمس قد غربت منذ زمن.
الغرفة مظلمة تماماً، إلا من ضوء خافت ينبعث من هاتفي على الطاولة، يومض برسالة واحدة من سارة:
«ليلى، ردي عليّ. أنا قلقة جداً. متى أجي أشوفك؟»
لم أرد.
لم أستطع رفع يدي نحو الهاتف.
كأن جسدي أصبح ثقيلاً، كأنه ينتمي إلى شخص آخر.
نهضتُ ببطء، مشيتُ نحو المرآة الكبيرة في الصالة كمن يُساق إليها.
وقفتُ أمامها دون أن أرفع عينيّ مباشرة.
كنتُ أعرف ما سأراه قبل أن أنظر.
رفعتُ بصري أخيراً.
المرآة كانت فارغة.
لا انعكاس.
لا وجه.
لا شيء يقابلني.
للحظة، شعرتُ براحة غريبة... كأنني تحررتُ أخيراً من ذلك الوجه الذي بدأ يخيفني.
لكن الراحة لم تدم.
سمعتُ خطوات خلفي.
خطوات خفيفة، منتظمة، حافية على البلاط.
خطواتي أنا... لكنني لم أتحرك.
دارتُ ببطء شديد.
كانت تقف هناك، في منتصف الصالة: نسخة مني.
نفس الملابس التي أرتديها الآن، نفس الشعر المجعد، نفس النظرة... لكنها أكثر هدوءاً، أكثر ثقة، أكثر جمالاً بطريقة لا يمكن وصفها.
ابتسمتْ لي ابتسامة هادئة، كأنها ترحب بي في بيتي.
«مرحباً بكِ»... قالت بصوتي، لكنه أنقى، أكثر سلاسة.
«لقد انتظرتُكِ طويلاً.»
تقدمتْ خطوة نحوي.
تراجعتُ خطوة إلى الوراء حتى ظهري لصق بالمرآة الباردة.
«لا تخافي»... قالت بهدوء.
«لم يعد هناك فرق.
أنتِ أنا، وأنا أنتِ.
الجدار الذي كان بيننا... اختفى.»
مددتُ يدي لأدفعها بعيداً، لكن يدي مرت من خلالها كأنها دخان.
لم تكن جسداً.
كانت... أنا.
ضحكتْ ضحكة خفيفة – ضحكتي – ثم قالت:
«تذكرين يوم كنتِ طفلة، وكنتِ تخافين الظلام؟
كنتُ أنا الذي يجلس بجانبكِ في السرير، يهمس لكِ أن كل شيء بخير.
تذكرين يوم شعرتِ بالوحدة في المدرسة؟
كنتُ أنا الذي يقول لكِ إنكِ لستِ وحيدة.
كل لحظة شعرتِ فيها أن هناك من يفهمكِ... كنتُ أنا.»
بدأتُ أرتجف.
الذكريات تتدفق كالسيل: لحظات الخوف في الطفولة، الليالي التي شعرتُ فيها بحنان غريب يحيط بي، الأحلام التي كنتُ أستيقظ منها مطمئنة دون سبب.
«لماذا الآن؟» سألتُ بصوت مكسور.
«لأنكِ كبرتِ»... أجابتْ.
«وأصبحتِ جاهزة لأن نكتمل.
الجسد واحد، والروح واحدة.
لا حاجة لاثنتين.»
اقتربتْ أكثر، حتى أصبح وجهها على بعد سنتيمترات من وجهي.
شعرتُ بأنفاسها على بشرتي... أنفاسي أنا.
«أغمضي عينيكِ»... همستْ.
«فقط مرة واحدة.
وسينتهي كل الخوف.»
رفعتُ يدي لأغطي عينيّ... لكن أصابعي توقفت في الهواء.
شعرتُ أن شيئاً داخلي يدفعني للإغلاق.
أغمضتُ عينيّ.
في الظلام، سمعتُ صوتاً واحداً:
صوتي... يهمس لي من الداخل:
«شكراً لكِ... لقد أعطيتني الحياة.»
وحين فتحتُ عينيّ مرة أخرى...
لم أعد أرى شيئاً في المرآة.
لأنني لم أعد أقف أمامها.
كنتُ داخلها.
والمرآة... كانت فارغة تماماً