سابع جيران - اليوم الذي لم يعد وجهي وجهي - بقلم هدى السبع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سابع جيران
المؤلف / الكاتب: هدى السبع
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اليوم الذي لم يعد وجهي وجهي

اليوم الذي لم يعد وجهي وجهي

استيقظتُ على صوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر، صوت يتردد في الزقاق الضيق كأنه يأتي من بعيد جداً. كان الضوء الشاحب يتسلل من شقوق الستائر الثقيلة، يرسم خطوطاً رفيعة على الأرضية. نهضتُ ببطء، جسدي ثقيل كأنني حملتُ أثقالاً طوال الليل. توجهتُ نحو الحمام الصغير المجاور لغرفة النوم، أردتُ أن أغسل وجهي بالماء البارد لأُخرج من رأسي ما تبقى من كوابيس الليلة الماضية. فتحتُ صنبور الماء، وانحنتُ فوق الحوض. الماء البارد يلامس بشرتي، يُعيد بعض اليقظة إلى أطرافي. رفعتُ رأسي لأنظر في المرآة الصغيرة فوق الحوض... وتجمدتُ. الوجه الذي ينظر إليّ لم يكن وجهي تماماً. كان مشابهًا، نعم... لكنه أكثر هدوءاً، أكثر سلاسة في الملامح. العينان أوسع قليلاً، الابتسامة أكثر استقراراً، والشعر يبدو أكثر لمعاناً رغم أنه نفس الشعر الذي أعرفه. كأن شخصاً آخر يرتدي قناع وجهي، لكنه يرتديه بشكل أفضل مني. حركتُ يدي اليمنى لأمسح خدي. حرك الانعكاس يده اليسرى في نفس اللحظة... ثم توقف فجأة. بقي ينظر إليّ مباشرة، بينما أنا ما زلت أحرك يدي. «توقفي عن المقاومة»... قال الصوت داخل رأسي، هادئاً كالماء الراكد. «أنتِ تعبتِ من حمل هذا الجسد وحده. دعيني أساعدكِ. دعيني أكون أنتِ... بشكل أفضل.» تراجعتُ خطوة، ظهري يصطدم بباب الحمام. الانعكاس لم يتراجع. بل اقترب أكثر، حتى بدا وكأن وجهه يلامس الزجاج من الداخل. فجأة، شعرتُ بحرارة في عنقي. رفعتُ يدي لأتحسس المكان... فوجدتُ علامة حمراء صغيرة، مستديرة، كأثر قبلة باردة تركت أثراً دافئاً. لم تكن موجودة قبل النوم. نظرتُ إلى المرآة مرة أخرى. الانعكاس رفع يده وبدأ يقبل رقبته... بنفس المكان الذي أشعر فيه بالحرارة الآن. «هذا دليل حبي»... همس الصوت. «كلما اقتربتُ منكِ، كلما شعرتِ بي أكثر. ولن أتوقف حتى نصبح واحداً.» خرجتُ من الحمام مهرولة، أغلقتُ الباب خلفي بعنف. ذهبتُ إلى غرفة المعيشة، جلستُ على الأريكة، أحتضن ركبتيّ كطفلة خائفة. لكن الهاتف على الطاولة بدأ يرن. رقم صديقتي سارة. أجبتُ بصوت مرتجف: «سارة... أنا... أنا بخير، بس...» قاطعتني قبل أن أكمل: «ليلى، صوتك غريب. وش فيكِ؟ وينكِ؟» حاولتُ أن أبتسم في الصوت: «في الشقة... رجعتُ أمس.» سكتت لحظة، ثم قالت بلهجة قلقة: «جدتك كانت دايماً تقول إن الشقة دي فيها... جار سابع. كنتِ تضحكي عليها زمان. بس أنا سمعت قصص كثير عن اللي يرجعوا يسكنوا فيها بعد وفاتها. متقعديش لوحدك كثير، تعالي عندي.» أغلقتُ الهاتف ببطء. نظرتُ حولي. الغرفة هادئة... لكنني شعرتُ أن شيئاً يتحرك في الزوايا. ثم سمعتُ خطوات خفيفة في الرواق... خطواتي أنا... رغم أنني جالسة مكاني ولم أتحرك. نظرتُ نحو باب الغرفة. كان مفتوحاً قليلاً... ومن الشق، رأيتُ ظلاً يتحرك ببطء، يشبه ظلي تماماً، لكنه يمشي بثقة أكبر، بسلاسة أكبر. «تعالي...» همس الصوت من داخل الظل. «لن نكون اثنين بعد الآن. سنكون واحد... إلى الأبد.» أغلقتُ عينيّ بقوة... لكن في الظلام خلف جفوني، بدأتُ أرى وجهي... يبتسم لي... من الداخل.