اليوم التي عادت جدران تتنفس
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل ونصف ساعة حين أدرتُ المفتاح في باب الشقة لأول مرة منذ سنوات.
دخل الهواء البارد معي، حاملاً رائحة المطر الممزوجة برطوبة الجدران العتيقة. الإضاءة الخافتة في الدرج كانت تكفي فقط لترسم ظلالاً طويلة على الأرضية الخشبية المهترئة.
أغلقتُ الباب خلفي بهدوء، كأنني أخشى إيقاظ شيء ما.
الصمت كان ثقيلاً، لكنه لم يكن صمتاً فارغاً. كان صمتاً ينتظر.
وضعتُ حقيبتي الصغيرة على الأرض بجانب الباب، ثم رفعتُ عينيّ نحو المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار المقابل.
إطارها منحوت بزخارف قديمة، خشب داكن متآكل من الزمن، ووجهها الزجاجي كان يعكس صورتي بوضوح غريب، كأنها أوضح مما ينبغي في هذا الضوء الخافت.
نظرتُ إلى نفسي لثوانٍ.
عيناي محاطتان بهالات خفيفة من التعب، شعري الأسود المجعد مربوط بعشوائية، وشفتاي مشققتان قليلاً من البرد.
ابتسمتُ ابتسامة باهتة، محاولة إقناع نفسي أن كل شيء على ما يرام.
«أخيراً... عدتُ إلى البيت».
لكن الكلمات بدت جوفاء في الهواء الراكد.
مشيتُ بخطوات بطيئة نحو الصالة الصغيرة. الأثاث ما زال كما تركته جدتي: أريكة مخملية خضراء داكنة، طاولة صغيرة عليها شمعدان نحاسي مغبر، وستائر ثقيلة تغطي النوافذ المطلة على الزقاق الضيق.
الرائحة كانت نفسها: عود قديم، خشب رطب، وشيء آخر... رائحة معدنية خفيفة، كأنها رائحة دم جاف منذ زمن بعيد.
توجهتُ نحو المطبخ لأسخن بعض الماء، لكن قبل أن أصل إلى الباب، توقفتُ.
سمعتُ شيئاً.
خطوة واحدة.
خفيفة جداً.
كأن قدم حافية مرت على البلاط خلفي.
لففت برأسي ببطء.
الصالة فارغة.
الستائر ساكنة.
لا شيء.
«الريح»... قلتُ لنفسي بصوت منخفض، محاولة تهدئة نبضي المتسارع.
لكن الخطوة الثانية جاءت.
أقرب هذه المرة.
من جهة الرواق الذي يؤدي إلى غرف النوم.
تسارع تنفسي.
رفعتُ يدي إلى صدري، كأنني أحاول إيقاف قلبي من الخروج.
«من هناك؟»
صوتي خرج أضعف مما أردت.
سكون.
ثم الهمس.
«ليلى...»
كان الصوت ناعماً، عميقاً، قريباً جداً من أذني اليمنى.
كأنه صوتي... لكنه ليس صوتي تماماً.
أكثر دفئاً. أكثر حناناً. أكثر... امتلاكاً.
دارتُ بسرعة نحو المرآة.
انعكاسي كان لا يزال واقفاً في مكانه، ينظر إليّ.
لكنه... لم يتحرك معي.
ابتسم الانعكاس.
ابتسامة صغيرة، هادئة، كأنها ابتسامة شخص يعرف سراً جميلاً.
تراجعتُ خطوة إلى الوراء.
ظهري اصطدم بالحائط.
«لا...» همستُ.
عاد الصوت، هذه المرة داخل رأسي مباشرة:
«لا تخافي.
أنا جاركِ السابع.
والجيران الستة الآخرون... ناموا منذ زمن.
لكن أنا... كنت أنتظركِ».
رفعتُ يدي ببطء نحو المرآة، كأنني أريد أن أمحو الابتسامة من وجه الانعكاس.
لكن أصابعي توقفت في الهواء.
لأن الانعكاس رفع يده أيضاً...
وبدأ يمد أصابعه نحوي، كأنه يريد أن يلمسني من الجهة الأخرى.
«عدتِ أخيراً»... همس الصوت بلطف مرعب.
«والليلة... نبدأ».
فجأة انطفأ المصباح الخافت في الصالة.
الظلام الكامل.
وسمعتُ ضحكة خفيفة... ضحكتي أنا...
رغم أن شفتيّ لم تتحركا.