رَمَادُ النَّسَب
مَرَّتْ أَشْهُرٌ عَلَى اسْتِقَالَةِ "نَاي". لَمْ تَعُدْ تَسْكُنُ فِي شَقَّتِهَا الفَاخِرَة، بَلِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَنْزِلٍ رِيفِيٍّ مَهْجُورٍ عَلَى أَطْرَافِ الغَابَةِ الشَّمَالِيَّة، حَيْثُ كَانَتْ تَنْتَظِرُ إِشَارَةً مِنْ "لِيَام". كَانَ عَقْلُهَا الَّذِي تَعَوَّدَ عَلَى النِّظَامِ يَنْهَارُ تَدْرِيجِيّاً؛ فَالصَّمْتُ هُنَا كَانَ أَقْوَى مِنْ ضَجِيجِ المَدِينَة.
فِي ذَاتِ مَسَاءٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ تُرَتِّبُ أَوْرَاقَهَا بِقَلَقٍ مُزْمِن، سَمِعَتْ صَوْتَ خُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ عَلَى خَشَبِ الشُّرْفَة. سَحَبَتْ مُسَدَّسَهَا (الَّذِي احْتَفَظَتْ بِهِ بِشَكْلٍ غَيْرِ قَانُونِيّ) وَوَقَفَتْ خَلْفَ البَاب.
"هَذِهِ المَرَّةَ، الزَّاوِيَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ يَا نَاي،" جَاءَ الصَّوتُ مَبْحُوحاً، مَلِيئاً بِالتَّعَب.
فَتَحَتِ البَابَ بِلَهْفَة. كَانَ لِيَام يَقِفُ هُنَاكَ، وَجْهُهُ شَاحِبٌ وَثِيَابُهُ مُمَزَّقَة. لَكِنَّ هُنَاكَ شَيْئاً غَرِيباً فِي نَظْرَتِه؛ كَانَتْ عَيْنَاهُ تَتَجَوَّلَانِ فِي المَكَانِ بِتَيَهٍ، وَكَأَنَّهُ يَرَى المَنْزِلَ لِأَوَّلِ مَرَّة.
"لِيَام! لَقَدْ عُدْتَ،" صَرَخَتْ وَهِيَ تَرْمِي سِلَاحَهَا وَتَقْتَرِبُ مِنْه.
لَكِنَّهُ تَرَاجَعَ خُطْوَةً لِلْخَلْف، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ جَامِدَةٍ حَطَّمَتْ قَلْبَهَا:
أَنَا آسِف.. مَنْ أَنْتِ؟ وَكَيْفَ تَعْرِفِينَ اسْمِي؟
سَقَطَتِ الكَلِمَاتُ عَلَى نَاي كَالصَّاعِقَة. نَظَرَتْ إِلَى جَبِينِهِ لِتَجِدَ نَدْبَةً حَدِيثَةً وَبَقَايَا دِمَاءٍ مُتَخَثِّرَة. لَقَدْ تَعَرَّضَ لِيَام لِحَادِثٍ أَثْنَاءَ هُرُوبِه، حَادِثٌ لَمْ يَسْلُبْهُ حُرِّيَّتَهُ هَذِهِ المَرَّة، بَلْ سَلَبَهُ "ذَاكِرَتَه".
"لِيَام.. أَنَا نَاي. أَنَا.. أُخْتُكَ،" نَطَقَتْ بِالكَلِمَةِ الأَخِيرَةِ بِغُصَّةٍ مَرِيرَة. كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْتُلَ "الحَبِيبَةَ" دَاخِلَهَا لِتُنْقِذَ مَا تَبَقَّى مِنْ "الأَخ".
أَدْخَلَتْهُ المَنْزِل، وَبَدَأَتْ تُعَالِجُ جُرُوحَهُ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَة. كَانَ لِيَام يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِارْتِيَاب، لَكِنَّهُ اسْتَسْلَمَ لِلَمْسَاتِهَا الدَّافِئَة.
"تَقُولِينَ إِنَّكِ أُخْتِي،" هَمَسَ لِيَام وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الدَّفْتَرِ القَدِيمِ المَوْضُوعِ عَلَى الطَّاوِلَة، "وَلَكِنَّ هَذَا الدَّفْتَرَ مَلِيءٌ بِرُسُومَاتٍ لِي.. مَكْتُوبٌ تَحْتَهَا (لِيَام، نَبْضُ الفَوْضَى). هَلْ تَكْتُبُ الأَخَوَاتُ عَنْ إِخْوَتِهِنَّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَة؟"
ارْتَبَكَتْ نَاي، وَأَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ بِسُرْعَة: "لَقَدْ كَانَتْ حَيَاتُنَا مُعَقَّدَةً يَا لِيَام. لَقَدْ سَرَقُوكَ مِنَّا وَأَنْتَ صَغِير، وَحِينَ وَجَدْتُكَ.. كَانَ الوَقْتُ قَدْ مَضَى
بَيْنَمَا كَانَتْ نَاي تُحَاوِلُ إِعَادَةَ بِنَاءِ هُوِيَّةِ لِيَام، كَانَ "إِدْوَارْد" لَا يَزَالُ يَنْسُجُ خُيُوطَهُ. لَمْ يَكُنْ لِيَتْرُكَ ابْنَتَهُ الَّتِي خَانَتْهُ تَعِيشُ فِي سَلَام. أَرْسَلَ رِجَالَهُ لِمُطَارَدَةِ لِيَام، لَيْسَ لِإِعَادَتِهِ إِلَى السِّجْن، بَلْ لِتَصْفِيَتِهِ تَمَاماً هَذِهِ المَرَّة، لِيُغْلِقَ مَلَفَّ "العَيْبِ" إِلَى الأَبَد.
فِي ذَاتِ لَيْلَة، حَاصَرَتِ السَّيَّارَاتُ السَّوْدَاءُ المَنْزِلَ الرِّيفِيَّ. انْفَجَرَتِ النَّوَافِذُ بِسَبَبِ إِطْلَاقِ النَّار.
"لِيَام، انْبَطِحْ!" صَرَخَتْ نَاي وَهِيَ تَسْحَبُهُ نَحْوَ المَخْبَإِ السِّرِّيِّ الَّذِي أَعَدَّتْهُ تَحْتَ أَرْضِيَّةِ المَنْزِل.
"لِمَاذَا يُطَارِدُونَنَا؟ مَنْ هَؤُلَاءِ؟" سَأَلَ لِيَام بِذُعْر، وَهُوَ لَا يَزَالُ لَا يَمْلِكُ أَيَّ ذِكْرَى عَنْ قُوَّةِ وَالِدِه.
نَظَرَتْ نَاي فِي عَيْنَيْهِ، وَكَانَتِ الدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ بِصَمْت: "لِأَنَّنَا الحَقِيقَةُ الَّتِي تُرِيدُ المِثَالِيَّةُ دَفْنَهَا. لِأَنَّ جَرِيمَتَنَا الوَحِيدَةَ هِيَ أَنَّنَا وُلِدْنَا مِنْ رَحِمِ الظُّلْم
قَرَّرَتْ نَاي أَنْ تَضَعَ حَدّاً لِهَذَا العَذَاب. أَخَذَتْ لِيَام وَهَرَبَا عَبْرَ أَنْفَاقِ الغَابَة، مُتَوَجِّهَيْنِ نَحْوَ المَقَرِّ السِّرِّيِّ لِوَالِدِهَا. كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ "القَضِيَّةُ الأَخِيرَة". إِمَّا أَنْ يَمُوتَ الظُّلْمُ، أَوْ يَمُوتَا هُمَا.
"لِيَام، اسْمَعْنِي جَيِّداً،" قَالَتْ نَاي وَهُمَا يَقِفَانِ أَمَامَ بَوَّابَةِ القَصْرِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَة، "مَهْمَا حَدَثَ، لَا تَتْرُكْ يَدِي. حَتَّى لَوْ نَسِيَ عَقْلُكَ مَنْ أَنَا.. دَعْ قَلْبَكَ يَتَذَكَّرُ أَنَّنِي المَلَاذُ الأَخِير."
دَخَلَا القَصْر، حَيْثُ كَانَ إِدْوَارْد يَنْتَظِرُهُمَا، وَبِيَدِهِ مُسَدَّسٌ ذَهَبِيٌّ لَامِع. كَانَ المَشْهَدُ يُشْبِهُ تِلْكَ الزَّوَايَا الَّتِي كَانَتْ نَاي تُرَتِّبُهَا، لَكِنَّ هَذِهِ المَرَّة، كَانَتِ الزَّاوِيَةُ مَائِلَةً نَحْوَ المَوْت.
"أَهْلاً بِكُمَا فِي جَنَازَتِكُمَا المِثَالِيَّة،" قَالَ إِدْوَارْد بِنَبْرَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الرَّحْمَة...