تَائهه - ظِلُّ المِقْصَلَة - بقلم نيني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: تَائهه
المؤلف / الكاتب: نيني
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ظِلُّ المِقْصَلَة

ظِلُّ المِقْصَلَة

مَرَّتْ عَشْرُ سَنَوَاتٍ كَأَنَّهَا دَهْرٌ مِنَ الجَلِيدِ. لَمْ تَعُدْ "نَاي" تِلْكَ الفَتَاةَ التي تَقِيسُ مَيَلَانَ المَلَاعِقِ، بَلْ أَصْبَحَتِ امْرَأَةً تَقِيسُ مَدَى صِدْقِ المُتَّهَمِينَ مِنْ حَرَكَةِ بَؤْبُؤِ العَيْن. ارْتَدَتْ بِذْلَةَ المُحَقِّقَةِ السَّوْدَاءَ كَدِرْعٍ يَحْمِيهَا مِنَ العَالَم، وَأَصْبَحَ مَكْتَبُهَا في دَائِرَةِ المَبَاحِثِ الجِنَائِيَّةِ هُوَ مَمْلَكَتَهَا الخَاصَّة. ​كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا في المَدِينَةِ لَقَبُ "المُحَقِّقَةُ الزُّجَاجِيَّةُ"؛ لَيْسَ لِأَنَّهَا سَهْلَةُ الكَسْر، بَلْ لِأَنَّهَا شَفَّافَةٌ في رُؤْيَةِ الحَقَائِقِ وَبَارِدَةٌ كَالزُّجَاجِ في تَعَامُلِهَا مَعَ المَشَاعِر. لَمْ تَتَزَوَّج، لَمْ تُكَوِّنْ صَدَاقَاتٍ، وَظَلَّتْ تِلْكَ الغُصَّةُ في حَلْقِهَا مُنْذُ لَيْلَةِ اخْتِفَاءِ "لِيَام" دُونَ جَوَاب في لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ تُشْبِهُ تِلْكَ التي رَحَلَ فِيهَا لِيَام، وُقِفَتْ ناي أَمَامَ شَرِيطِ التَّحْذِيقِ الأَصْفَرِ في إِحْدَى الضَّوَاحِي الرَّاقِيَة. كَانَتْ هُنَاكَ جُثَّةٌ لِرَجُلٍ أَعْمَالٍ نَافِذ، وَبَقَايَا رَمَادٍ مُحْتَرِقٍ في مَنْفَضَةِ السَّجَائِر. ​"سَيِّدَتِي، لَقَدْ أَلْقَيْنَا القَبْضَ عَلَى المُشْتَبَهِ بِهِ الرَّئِيسِيِّ هَرَبًا مِنَ الزُّقَاقِ الخَلْفِيّ،" قَالَ مُسَاعِدُهَا الشَّاب "مَارْك". ​نَظَرَتْ ناي إِلى الرَّمَاد، وَشَعَرَتْ بِوَخْزَةٍ قَدِيمَةٍ في صَدْرِهَا. رَائِحَةُ المَطَرِ مَعَ الرَّمَادِ.. نَفْسُ الرَّائِحَةِ التي كَانَتْ تَعْلَقُ بِثِيَابِ لِيَام. "خُذُوهُ إِلى غُرْفَةِ التَّحْقِيقِ رَقْم (4)،" قَالَتْ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ لَا يَهْتَزّ، "سَأَتَوَلَّى أَمْرَهُ بِنَفْسِي دَلَفَتْ ناي إِلى الغُرْفَةِ المُظْلِمَة. خَلْفَ الطَّاوِلَةِ الحَدِيدِيَّة، كَانَ يَجْلِسُ رَجُلٌ مُقَيَّدُ اليَدَيْن، يَرْتَدِي سُتْرَةً قَدِيمَةً وَيُخْفِي وَجْهَهُ تَحْتَ ظِلِّ شَعْرِهِ المُبَعْثَر. ​وَضَعَتْ مَلَفَّ القَضِيَّةِ عَلَى الطَّاوِلَة، وَجَلَسَتْ أَمَامَهُ. نَفَسُهَا كَانَ هَادِئًا، لَكِنَّ يَدَهَا تَحْتَ الطَّاوِلَةِ كَانَتْ تَعْتَصِرُ دَفْتَرَهَا القَدِيمَ الذي لَا يُفَارِقُ حَقِيبَتَهَا. ​"الاِسْم؟" سَأَلَتْ بِبُرود. لَمْ يُجِبِ الرَّجُل. "قُلْتُ مَا اسْمُكَ؟" رَفَعَتْ صَوْتَهَا قَلِيلًا. ​رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِيُطْء. حِينَ الْتَقَتْ عَيْنَاهُمَا، شَعَرَتْ ناي وَكَأَنَّ صَاعِقَةً ضَرَبَتِ الغُرْفَة. تِلْكَ العُيُونُ الرَّمَادِيَّة.. نَفْسُ اللَّمْعَةِ العَاصِفَة.. نَفْسُ الِابْتِسَامَةِ المَكْسُورَةِ التي رَأَتْهَا آخِرَ مَرَّةٍ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَات. ​"هَلْ مَا زِلْتِ تُدَقِّقِينَ في الزَّوَايَا يَا ناي؟" نَطَقَ الرَّجُلُ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ مَزَّقَ سُكُونَ المَكَان. ​سَقَطَ القَلَمُ مِنْ يَدِ ناي. لَقَدْ كَانَ هُوَ. "لِيَام". لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَام الطَّالِبَ المَرِح، بَلْ لِيَام المُطَارَد، المُتَّهَمَ بِجَرِيمَةِ قَتْلٍ بَشِعَة,وَقَفَتْ "نَاي" خَلْفَ البَابِ الحَدِيدِيِّ لِغُرْفَةِ التَّحْقِيقِ رَقْم (4)، كَانَ صَدْرُهَا يَعْلُو وَيَهْبِطُ بِاضْطِرَابٍ حَاوَلَتْ كَبْتَهُ بِكُلِّ مَا أُوتِيَتْ مِنْ قُوَّة. دَلَفَتْ إِلَى الدَّاخِل، حَيْثُ كَانَ الضَّوْءُ الخَافِتُ يَتَدَلَّى مِنَ السَّقْفِ كَمِشْنَقَةٍ تَنْتَظِرُ عُنُقَ الحَقِيقَة. ​جَلَسَ الرَّجُلُ بَيْنَ القُضْبَانِ المَجَازِيَّةِ لِلظَّلَام، كَانَ مَنْظَرُهُ يُوحِي بِانْكِسَارٍ عَظِيمٍ، وَثِيَابُهُ تَمْتَصُّ رُطُوبَةَ الزَّنْزَانَة. وَضَعَتْ نَاي مَلَفَّ الجَرِيمَةِ الثَّقِيلَ أَمَامَهَا، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ رَسْمِيَّةٍ جَامِدَة: "لِيَام.. أَوْ مَنْ تَكُون، الأَدِلَّةُ تَقُولُ إِنَّكَ قَتَلْتَ (فِيكْتُور هَارْلُو) بِدَمٍ بَارِد. بَصَمَاتُكَ عَلَى السِّكِّين، وَثِيَابُكَ مُلَطَّخَةٌ بِمَا يَكْفِي لِإِرْسَالِكَ إِلَى المِقْصَلَة." ​رَفَعَ لِيَام رَأْسَهُ، وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ المُهْمَلَةُ تُخْفِي مَلَامِحَ الطَّالِبِ الوَسِيمِ الَّذِي عَرَفَتْهُ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تُطْلِقَانِ سِهَاماً مِنَ الوَجَعِ العَتِيق. "الجَرِيمَةُ البَشِعَةُ يَا نَاي، لَيْسَتْ في طَعْنِ جَسَدٍ بَائِس،" قَالَ لِيَام بِصَوْتٍ يَخْرُجُ كَحَفِيفِ الأَوْرَاقِ اليَابِسَة، "بَلْ في طَعْنِ رُوحٍ عَاشَتْ تَبْحَثُ عَنْ أَهْلِهَا لِعُقُود، لِتَجِدَ أَنَّهُمْ مَنْ أَمَرُوا بِقَتْلِهَا مَجَازِيّاً مُنْذُ الطُّفُولَة." ​تَجَمَّدَتْ يَدُ نَاي وَهِيَ تَقْلِبُ الصَّفَحَات. نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِمِزِيْجٍ مِنَ الرُّعْبِ وَالشَّوْق: "مَاذَا تَقْصِد؟ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلْتَهُ كَانَ شَرِيكاً لِوَالِدِي في أَعْمَالِهِ القَدِيمَة. مَا الَّذِي جَمَعَكَ بِه؟" ​ضَحِكَ لِيَام ضَحْكَةً مَكْتُومةً جَرِيْحَة: "لَقَدْ كَانَ هُوَ المَأْجُورَ الَّذِي دَفَعَ لَهُ (إِدْوَارْد فِيكْتُور) لِيُخْفِيَنِي عَنِ الوُجُود. لَمْ يَمُتِ ابْنُكُمُ المَفْقُودُ في حَرِيْقٍ يَا نَاي.. بَلْ بِيعَ في سُوقِ النِّسْيَانِ لِأَنَّهُ كَانَ (عَيْبًا) في نِظَامِ وَالِدِكِ المِثَالِيّ." ​سَقَطَتِ الأَوْرَاقُ مِنْ يَدِ نَاي، وَشَعَرَتْ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي في عِظَامِهَا. كَانَ عَقْلُهَا المَنطِقِيُّ يَرْفُضُ، لَكِنَّ قَلْبَهَا كَانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الرَّائِحَة، هَذِهِ النَّظْرَة. "أَنْتَ تَكْذِب! لِيَام الَّذِي أَحْبَبْتُهُ في المَدْرَسَةِ لَمْ يَكُنْ أَخِي.. لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ القَدَرُ بِهَذِهِ القَسْوَة!" ​نَهَضَ لِيَام وَاقْتَرَبَ مِنَ الطَّاوِلَةِ حَتَّى صَرَّتِ القُيُودُ في مِعْصَمَيْه: "لِهَذَا اخْتَفَيْتُ يَا نَاي. في تِلْكَ اللَّيْلَةِ في المَكْتَبَة، عَرَفْتُ الحَقِيقَة. رَأَيْتُ وَجْهِي في صُوَرِ عَائِلَتِكِ المَخْفِيَّة. كَيْفَ كُنْتُ سَأَنْظُرُ في عَيْنَيْكِ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَجْرِي في عُرُوقِي هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي جَعَلَنِي أَعْشَقُكِ بِذَنْبٍ لَمْ أَرْتَكِبْه؟" ​غَطَّتْ نَاي وَجْهَهَا بِيَدَيْهَا، وَبَدَأَتْ تَنْتَحِبُ بِصَمْتٍ يُمَزِّقُ القُلُوب. الحُبُّ الَّذِي كَانَ مَلَاذَهَا الوَحِيْد، صَارَ الآنَ خَطِيْئَتَهَا الكُبْرَى. الجَرِيمَةُ البَشِيْعَةُ لَمْ تَكُنْ جُثَّةً هَامِدَة، بَلْ كَانَتْ عُمْراً كَامِلاً مِنَ الخِدَاع. ​"الآن.. أَكْمِلِي مِهْنَتَكِ،" قَالَ لِيَام بِبُرُودٍ انْتِحَارِيّ، "وَقِّعِي عَلَى أَوْرَاقِ إِعْدَامِي، فَالقَبْرُ أَرْحَمُ مِنْ أَنْ أَكُونَ أَخَاكِ الَّذِي يَتَمَنَّى ضَمَّكِ، وَمُجْرِمَكِ الَّذِي يَنْتَظِرُ عَدْلَكِ خَرَجَتْ نَاي مِنْ غُرْفَةِ التَّحْقِيقِ وَهِيَ تَتَرَنَّح. لَمْ تَعُدْ تَرَى الزَّوَايَا الحَادَّة، بَلْ صَارَ العَالَمُ ضَبَاباً أَسْوَد. تَوَجَّهَتْ مَبَاشَرَةً إِلَى مَكْتَبِ الأَرْشِيفِ السِّرِّيّ، حَيْثُ نَبَشَتِ المَلَفَّاتِ القَدِيمَةَ بِأَظَافِرِهَا حَتَّى دَمِيَت. ​وَجَدَتْ شَهَادَةَ المِيلَادِ المَطْمُوسَة.. (جُوليَان فِيكْتُور). التَّارِيخُ يُطَابِق، مَكَانُ المِيلَادِ يُطَابِق. كُلُّ دِقَّتِهَا القَدِيْمَةِ انْقَلَبَتْ ضِدَّهَا الآن. لَقَدْ كَانَ لِيَام يُحَاوِلُ تَنْفِيْذَ (عَدَالَتِهِ الخَاصَّة) ضِدَّ الرَّجُلِ الَّذِي سَلَبَهُ حَيَاتَهُ وَرَمَاهُ لِلشَّوَارِع خَرَجَتْ نَاي مِنَ المَبْنَى المُرْتَجِفِ بِصَمْتِهَا، كَانَ المَطَرُ يَلْسَعُ وَجْهَهَا كَسِيَاطٍ مِنْ ثَلْج، لَكِنَّهَا لَمْ تَشْعُرْ بِبُرُودَتِه. كَانَتِ النَّارُ الَّتِي اشْتَعَلَتْ في صَدْرِهَا كَفِيلَةً بِإِذَابَةِ كُلِّ جَلِيدِ العَالَم. رَكِبَتْ سَيَّارَتَهَا وَانْطَلَقَتْ نَحْوَ "القَصْرِ الرَّخَامِيّ"، ذَلِكَ السِّجْنِ الَّذِي كَبُرَتْ فِيهِ وَظَنَّتْ أَنَّهَا نَجَتْ مِنْه. ​دَخَلَتِ المَنْزِلَ دُونَ طَرْقِ البَاب. كَانَ "إِدْوَارْد" يَجْلِسُ في مَكْتَبِهِ الخَشَبِيِّ العَرِيق، يَقْرَأُ صَحِيفَةَ المَسَاءِ بِنَفْسِ الهُدُوءِ القَاتِلِ الَّذِي مَيَّزَ حَيَاتَه. ​"لَقَدْ عُدْتِ مُبَكِّرًا يَا نَاي،" قَالَ إِدْوَارْد دُونَ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ، "هَلْ أَنْهَيْتِ قَضِيَّةَ ذَلِكَ المُجْرِمِ البَائِس؟" ​تَقَدَّمَتْ نَاي نَحْوَ المَكْتَب، وَصَفَعَتْهُ بِمَلَفِّ "القَضِيَّةِ 101" الَّذِي سَرَقَتْهُ مِنَ الأَرْشِيف. "المُجْرِمُ البَائِسُ يَا وَالِدِي يَجْلِسُ أَمَامِي الآن،" نَطَقَتْ بِصَوْتٍ يَقْطُرُ سَمًّا، "لِمَاذَا قُلْتَ لِي إِنَّ جُولِيَان مَات؟ لِمَاذَا بِعْتَ ابْنَكَ لِقَاتِلٍ مَأْجُورٍ فَقَط لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ (مِثَالِيًّا) بِمَا يَكْفِي لِخُطَطِك؟" ​ارْتَجَفَتِ الصَّحِيفَةُ في يَدِ إِدْوَارْد لِلَحْظَة، ثُمَّ وَضَعَهَا جَانِبًا وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ كَالصَّخْر: "الجَمَالُ يَحْتَاجُ إِلَى تَضْحِيَاتٍ يَا نَاي. جُولِيَان كَانَ (عَيْبًا) خَلْقِيًّا في سُمْعَةِ عَائِلَتِنَا، كَانَ يَحْمِلُ جِينَاتِ الفَوْضَى الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّهْذِيب. لَقَدْ مَنَحْتُكِ أَنْتِ كُلَّ شَيْء، لِأَنَّكِ كُنْتِ (القَالَبَ) الَّذِي أَطْمَحُ إِلَيْه. فَلَا تُفْسِدِي كُلَّ هَذَا بِسَبَبِ نَزْوَةٍ عاطِفِيَّةٍ تِجَاهَ حُثَالَةِ شَوَارِع." ​"الحُثَالَةُ هُوَ مَنْ يَقْتُلُ رُوحَ ابْنِهِ لِيَحْمِيَ سُمْعَتَه!" صَرَخَتْ نَاي وَهِيَ تَمْسَحُ دُمُوعَ القَهْرِ عَنْ وَجْهِهَا، "لَقَدْ قَتَلَ لِيَام ذَلِكَ الرَّجُلَ لِأَنَّهُ كَانَ الشَّاهِدَ الوَحِيدَ عَلَى جَرِيمَتِكَ. هُوَ لَمْ يَقْتُلْهُ لِيَسْرِق، بَلْ لِيَسْتَعِيدَ هُوِيَّتَهُ الَّتِي سَلَبْتَهَا مِنْه." ​وَقَفَ إِدْوَارْد بِطُولِهِ الفَارِع، وَاقْتَرَبَ مِنْهَا بِبُرُود: "إِذًا، مَاذَا سَتَفْعَلُ (المُحَقِّقَةُ المِثَالِيَّة)؟ هَلْ سَتُسَلِّمِينَ وَالِدَكِ لِلْعَدَالَةِ بِتُهْمَةٍ مَضَى عَلَيْهَا عُقُود؟ أَمْ سَتُشَاهِدِينَ حَبِيبَكِ.. أَوْ شَقِيقَكِ.. يَمُوتُ عَلَى المِقْصَلَةِ بِتُهْمَةِ قَتْلٍ ثَابِتَةٍ لَا فِرَارَ مِنْهَا؟ عَادَتْ نَاي إِلَى دَائِرَةِ المَبَاحِثِ في سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَة. لَمْ تَعُدْ تَرَى القَانُونَ كَمِيزَانٍ لِلْحَقّ، بَلْ كَأَدَاةٍ صَدِئَةٍ في يَدِ الأَقْوِيَاء. دَخَلَتْ غُرْفَةَ الأَدِلَّة، وَأَخْرَجَتْ تَسْجِيلَاتِ كَامِيرَاتِ المُراقَبَةِ لِمَسْرَحِ الجَرِيمَة. ​بَدَأَتْ بِتَعْدِيلِ المَقَاطِعِ بِبَرَاعَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ أَنَّهَا تَمْلِكُهَا. مَحَتْ ظِلَّ لِيَام، وَوَضَعَتْ بَدَلًا مِنْهُ خَيَالًا غَيْرَ وَاضِحٍ لِرَجُلٍ آخَر. كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ مَا تَفْعَلُهُ هُوَ "خِيَانَةٌ لِلْقَسَم"، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الجَرِيمَةُ الوَحِيدَةُ "المِثَالِيَّة" في حَيَاتِهَا. ​تَوَجَّهَتْ إِلَى زَنْزَانَةِ لِيَام مَرَّةً أُخْرَى. كَانَ نَائِمًا عَلَى الأَرْضِ كَطِفْلٍ يَتِيم. "اسْتَيْقِظْ يَا لِيَام،" هَمَسَتْ عَبْرَ القُضْبَان. ​فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَحِينَ رَآهَا، ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً بَاهِتَة: "هَلْ جِئْتِ لِتَقْرَئِي لِي حُكْمَ الإِعْدَام؟" ​"جِئْتُ لِأُعِيدَ لَكَ حَيَاتَكَ الَّتِي سَرَقَهَا وَالِدِي،" قَالَتْ وَهِيَ تَمُدُّ لَهُ مِفْتَاحًا صَغِيرًا سَرَقَتْهُ مِنْ مَكْتَبِ المَأْمُور، "سَيَتِمُّ نَقْلُكَ غَدًا في الفَجْرِ إِلَى السِّجْنِ المَرْكَزِيّ. سَتَقَعُ حَادِثَةٌ مُدَبَّرَةٌ لِلْعَرَبَة. هُنَاكَ مَنْ سَيَنْتَظِرُكَ عِنْدَ الغَابَةِ الشَّمَالِيَّة." ​أَمْسَكَ لِيَام يَدَهَا بَيْنَ القُضْبَان: "وَمَاذَا عَنْكِ؟ سَيَعْرِفُونَ أَنَّكِ مَنْ سَاعَدْتِنِي. سَتَخْسَرِينَ كُلَّ شَيْء." ​نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَاي، وَلأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ سَنَوَات، رَأَى لِيَام تِلْكَ اللَّمْعَةَ التَّائِهَةَ في عَيْنَيْهَا: "لَقَدْ خَسِرْتُ كُلَّ شَيْءٍ مُنذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي عَلِمْتُ فِيهَا أَنَّ حَيَاتِي كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى جُثَّةِ بَرَاءَتِكَ. اذْهَبْ يَا لِيَام.. كُنْ (الفَوْضَى) الَّتِي أَعْجِزُ أَنَا عَنْ كَوْنِهَا في الفَجْرِ، وَقَفَتْ نَاي عَلَى تَلَّةٍ بَعِيدَةٍ تُرَاقِبُ دُخَانَ الحَادِثِ المُفْتَعَل. رَأَتْ ظِلَّ رَجُلٍ يَرْكُضُ نَحْوَ الأُفُق، رَجُلٍ لَا يَمْلِكُ اسْمًا وَلَا مَاضِيًا، لَكِنَّهُ يَمْلِكُ -لأَوَّلِ مَرَّة- حُرِّيَّتَه. ​عَادَتْ إِلَى مَكْتَبِهَا، وَضَعَتْ شَارَتَهَا المَعْدَنِيَّةَ وَمُسَدَّسَهَا عَلَى الطَّاوِلَة، وَإِلَى جَانِبِهِمَا دَفْتَرَهَا القَدِيمَ الَّذِي احْتَرَقَتْ أَطْرَافُه. كَتَبَتْ آخِرَ جُمْلَةٍ في الفَصْلِ الثَّانِي: ​"اليَوْمَ انْتَهَتِ المُحَقِّقَةُ نَاي، وَبَدَأَتِ المَرْأَةُ الَّتِي لَا تَمْلِكُ سِوَى صَمْتِهَا. لَقَدْ كَسَرْتُ المِرْآة، وَلَا أَهُمُّ الآنَ إِذَا كَانَتِ الشَّظَايَا سَتَجْرَحُنِي.